مثقفون إماراتيون يرثونه في اتحاد الكتاب بأبوظبي

أبوعرب.. أنشودة عربية من فلسطين إيناس محيسن

في أجواء حملت الكثير من الحنين للأرض والوطن، وحضور جماهيري كثيف، أقام اتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي، مساء أول من أمس، في مقره الجديد أمسية تأبينية للشاعر والفنان الفلسطيني «أبوعرب» الذي رحل منذ أيام، بحضور ابنتيه واثنين من أحفاده. وأجمع المشاركون في الأمسية أن «أبوعرب» كان رمزاً للعروبة على مدى 62 عاماً.

وقالت رئيسة رواق عوشة بنت حسين للثقافة الدكتورة موزة غباش، إن «أبوعرب» تحول إلى مثال حي للعروبة على مدار 62 عاماً، ولم يغفل كلمة عربية إلا وضمنها في نصوصه الشعرية وأغانيه، ولم يترك قضية عربية إلا وأدى بحنجرته أغنية لها ليوصلها بفكر ناضج إلى شعوب العالم. مشيرة إلى أن الفنان الراحل كان يزور الإمارات كثيراً ويذهب مباشرة إلى رواق عوشة الثقافي، حيث يتم تنظيم امسية له ليستقي منه الجميع هذه الروح العروبية الصادقة.

ابن الشجرة البار

ولد «أبوعرب» أو إبراهيم محمد صالح، الذي لقب بشاعر ومنشد الثورة الفلسطينية الكبرى. في قرية الشجرة قضاء طبريا في فلسطين سنة 1931، وتنقل من لبنان إلى سورية وتونس ومخيمات الشتات في العالم. واستشهد والده عام 1948 خلال اجتياح قوات الاحتلال لفلسطين، كما استشهد ولده عام 1982 خلال اجتياح الجيش الإسرائيلي للبنان. وشهد في طفولته انطلاقة الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 ضد الاحتلال البريطاني والاستيطان، والتي كرس لها جدة أشعاره كافة للإشادة بالثورة ولتشجيع أفرادها، ولتحريض الشعب ضد المحتل البريطاني.

أسس «أبوعرب» فرقته الأولى في الأردن سنة 1980 وسميت بفرقة فلسطين للتراث الشعبي، وكانت تتألف من 14 فناناً. وبعد مقتل الفنان ناجي العلي، وهو أحد أقارب أبوعرب، تم تغيير اسم الفرقة إلى فرقة ناجي العلي.

وفي 2012، زار «أبوعرب» قريته الشجرة، بعد غياب طويل، وهناك ارتجل قصيدة تغنى فيها بالقرية وعين الماء وشجرة التوتة وداره التي ولد فيها، لتصبح هذه الأبيات من أشهر ما غنى.

«حداء وأغاني الثوار»

في ختام الأمسية، قام أسامة إبراهيم المستشار السابق في سفارة فلسطين بتقديم نسخة من كتاب «حداء وأغاني الثوار»، إلى رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات حبيب الصايغ، وللدكتورة موزة غباش.

وقد صدر ديوان «حداء وغناء الثوار»، اخيراً عن «بيت الشعر» الفلسطيني في 274 صفحة من القطع المتوسّط، بإشراف الشاعر مراد السوداني، رئيس بيت الشعر الفلسطيني، ورئيس اتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين.

كما قام الكاتب الصحافي أمجد عرار بغناء بعض أغنيات أبوعرب التي تجاوب معها الحضور الكثيف للأمسية بالغناء.

وأضافت د.غباش: «كل يوم نفقد انساناً عربياً، كل يوم تتسع الفجوة بين الأوطان، ويتدخل الاستعمار الغربي في أمتنا، وتصادر حقوقنا العربية، أبوعرب كان يقول كل ذلك في أشعاره، كان بمثابة حنجرة واسعة استطاعت ان تظلل كل الأمة العربية، حتى وإن رحل سنواصل طريقه، فهو حي في داخلنا وفي قلوبنا، وكذلك ناجي العلي، وأخي غانم غباش، هم أحياء حتى هذا اليوم، من خلال الحركة الثقافية التي نصر على استمراريتها واستحضارهم عبرها، فربما تعجز الجيوش العربية والاقتصاد العربي عن التوحد، لكن ظلت الكلمة والشعر والفنون قادرة على فتح طرق التواصل بين الدول العربية، لتكون الحركة الثقافية هي خط الدفاع الأول عن الوطن العربي وكينونته وتاريخه. (أبوعرب) أضاء الطريق لنا طوال 62 عاماً، وستظل الأجيال الحالية والمقبلة تتابع خطواته، وستظل الرغبة في تحرير فلسطين حاضرة دون ان تشغلنا أي قضية يحاول العرب خلقها أو اختلاقها».

وفي كلمته خلال الأمسية التي اقيمت في قاعة عبدالله عمران تريم وأدارتها الشاعرة الإماراتية الهنوف محمد، قال رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب الإمارات حبيب الصايغ، إن أبوعرب لم يختزل الذاكرة الفلسطينية فقط في قصيدة أو أغنية، لكنه أسس لها من جديد. فقد كان انساناً نادراً في زمن فوضى الأفكار العبثية والحروب العبثية، وشاعراً وفناناً جاداً حيث الجدية أبعد من شعار براق. فكأنما العمر منذور لهوى الانسان، لهوايته وهويته، وللدفاع المستميت بعيداً عن قمصان الاخفاء. مشيراً إلى ان الراحل كان وجهاً مشرقاً لشعبه، ولذلك الإصرار الذي يحمله الفلسطيني على ظهره كما يحمل الصرة، لقد انتمى إلى شعراء وفناني المقاومة، وكان عندما يغني كان الناس يغنون معه، لا على مستوى المسرح التفاعلي كما يُروج لأكذوبة قررها التقهقر بين الكواليس والكوابيس، لكن على مستوى ذلك الإلهام الأسطوري إلى حد الإمتاع والامتناع، والأسطوري إلى حد تشكيل واقع التلقي من جديد.

وأشار الصايغ إلى ان من ميزات «أبوعرب» النادرة ان جمهوره من كل الفئات والأعمار، وهي ميزة نادرة لشعب فلسطين الذي تمتلك أجياله تلك القدرة إزاء فلسطين وأشيائها، على التحول إلى جيل واحد، بصوت واحد، وإن تعدد، وبذوق يمكن أن يجمع ابن الـ20 وابن الـ80 معاً.

واستطرد: «لم يعد (أبوعرب) إلى فلسطين. مات في حمص، وكان قبل ذلك، قبل اسابيع من الآن، في الشارقة. الفلسطيني أكثر من غيره لا يدري بأي أرض يولد وبأي أرض يموت، والفلسطيني أكثر من غيره، يحقق الحياة في الموت وبالموت. والشعب الفلسطيني الذي لا يعيش بسهولة، لا يموت بسهولة. لا يموت ولا يتنازل. وإذا كنا نتذكر فلسطين ولا ننساها، فها نحن نتذكر ولا ننسى (أبوعرب). موته يجمعنا كحياته، ولغنائنا أن يرتفع مهما ارتعشت أيدينا وأعمارنا».

وتوجه رئيس الهيئة الإدارية بجمعية البيارة الفلسطينية في أبوظبي عمار الكردي بالشكر إلى بيت الشعر الفلسطيني ورئيسه مراد السوداني على جهوده في جمع أغنيات «أبوعرب» وإصدارها في كتاب «حداء وغناء الثوار»، بما يسهم في حفظ تراثه، مشيراً إلى ان الفنان الراحل كان لديه ايمان مطلق في حق العودة إلى فلسطين، كما كان حريصاً على تلبية الدعوات التي كان يتلقاها من الجاليات الفلسطينية في مختلف دول العالم، إلى جانب الدعوات الرسمية، وكان من الفنانين القلائل الذين لم يضعوا قيداً أو شرطاً أو مطلباً لإحياء حفل فلسطيني في أي بقعة من بقاع الأرض، ولذلك كانت الجماهير تعشقه وتعشق لونه التراثي.

وفي كلمته استعرض المستشار السابق في سفارة فلسطين أسامة إبراهيم، وهو صديق مقرب للفقيد منذ 2002، عدداً من المواقف التي عايشها مع «أبوعرب» في سفره وحفلاته، وكذلك في تجربته المرضية. موضحاً ان «أبوعرب» لم يمتدح قائداً او زعيماً مطلقاً، ولكنه كان كريماً ومجاملاً للبسطاء والأطفال في شعره، ولكنه خص الإمارات بتحية صادقة من القلب، قائلاً خلال احيائه امسية بعنوان «من الإمارات إلى فلسطين»: «كل الزعماء لهم مناصرون وكارهون، إلا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لم أجد لها كارهاً». وأضاف: «لم يهزمه المرض بل قهره الواقع العربي المرير، وحال الأمة المريب، واغتاله الانكشاف أمام الغزاة، فقد كان يقضي أيامه في ميادين الكلمة الحرة والمواقف الملتزمة حاملاً قضية شعبه وهموم أمته بقلب من فولاذ». في حين ركز أمجد عرار الكاتب الصحافي في جريدة الخليج في مداخلته على الجوانب الفنية في تجربة «أبوعرب» الفريدة، مشيراً إلى انه تجاوز الزجل الشعبي التقليدي كما يعرف في بلاد الشام، ليمزج بين الشعر الشعبي والزجل والفن الكلاسيكي. ورغم انه لم يدرس الموسيقى إلا انه كان يؤدي بطريقة فنية سليمة. إلى جانب موهبته البارزة في الارتجال وقدرته على ابتكار تعبيرات تعكس سرعة بديهة مذهلة وموهبة تلقائية بعيدة عن التصنع.