ديوان الرند الأخير لبكر زواهرة في اليوم السابع

، بقلم جميل السلحوت

استضافت ندوة اليوم السابع الثقافية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس الشاعر بكر الزواهرة، حيث ناقشت ديوانه الجديد "الرند الفقيد"الذي صدر قبل اسابيع قليلة عن وزارة الثقافة الفلسطينية بالتعاون مع دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس. مما يذكر أن هذا الديوان الشعري هو الديوان الثالث للشاعر الزواهرة.

بدأ الحديث ابراهيم جوهر فقال:

يثبت الشاعر (بكر زواهرة) في ديوانه الثالث الذي حمل عنوان (الرند الفقيد) أنه يتقدم في ساح الشعر بسرعة وتميز يؤسس لأسلوبه الخاص بأوجاعه ولغته ومضامينه.

إنه شاعر حقيقي متمكن من أدواته الفنية ولغته وزوايا التقاطه لمضامينه ، وهو يكتب بنشاط دائم مما يعني اشتغاله على مشروعه الواعد بتميز بدت ملامحه في هذا الديوان.

المضامين التي يتناولها الشعراء من الشباب الفلسطيني تكاد تكون متقاربة إن لم تتقاطع فهي متشابهة بسبب من تحسس الواقع ومشكلاته وهمومه، وطموح الإنسان الذي يعيش مرحلة تاريخية بإفرازاتها السياسية والاقتصادية.

والشاعر (بكر زواهرة) وهو يقدم لنا ديوانه الثالث استفاد من التجربة الذاتية في التعبير ؛ بدأ مثل أي بداية في تعامله المباشر مع لغة الشعر وصوره، واليوم في (الرند الفقيد) يقدم لقرائه شعرا ذا إيحاءات وصور ولغة مجازية بيانية وموسيقى تتناسب وغرضه الشعري.

يمتاز الديوان الجديد هنا بهذه الميزات الفنية التي تؤكد شاعرية الشاعر، وقداسة قضيته، ونبل روحه الساعية للتغيير في لغة التعبير، كما تؤكد قدرته على القرض الجميل لغة وبيانا.

بقيت الإشارة إلى أن الشاعر يستحق الاحترام والالتفات لموهبته التي تحفر اسم صاحبها في سفر التعبير الفلسطيني واحدا من عشاق الوطن ومنشديه الساعين إلى صباحه وشروق شمسه كما يتمنون ويحلمون.
لقد أعجبتني هذه المواظبة المستمدة من إصرار الشاعر وتحديه لمن شكك في شاعريته ليثبت أنه قادر على العشق وقرض الشعر بتميز هذه المرة. فهو يكتب القصيدة العمودية الكلاسيكية، والقصيدة الحديثة ذات التفعيلة، والمقطوعات الموجزة القصيرة التي تحمل سهمها السريع بخفة وسحر مؤثّرين.

تحية للشاعر في انتظار الرند ليعلو على هامات رجاله وأقواس بوابات المدينة.

وقال :جميل السلحوت:

بكر زواهرة يرفع راية النصر

في ديوانه الجديد"الرند الفقيد"* للشاعر بكر زواهرة، يلاحظ المتابع لمسيرة شاعرنا الابداعية، أنه يطور أدواته الفنية بطريقة لافتة، وأنه قد استفاد من بداياته على أكثر من مستوى، وهو هنا يرتقي بصوره الشعرية، وبلغته أيضا، وهو يتوسع أيضا في حمل هموم وطنه وشعبه، ولا غرو في ذلك، فالمبدع ابن بيئته وواقعه المعاش، لذا فان الشاعر من عنوان ديوانه يفتقد النصر الذي انتظره طويلا، وبما أنّ "الرند: شجر ذو رائحة طيبة يستخدم شعارا للنصر" فان الشاعر هنا لا يستسلم للهزيمة، بل يستعجل ساعة النصر التي طال انتظارها.

ففي قصيدة"ابن أمّين"ص38 يرى الشاعر أنه ابن لأمّين، الأولى هي الأرض التي تحتضنه وتعطيه خيراتها، والثانية أمّه التي أنجبته، وكلتا الأمّين هو بار بهما، ومثلما هو المرء مطالب بأن يكون بارّا بأمّه التي انجبته، عليه بأن يكون بارّا بأرض الوطن التي هي أمّنا منها خلقنا واليها نعود في دورة عجيبة. وفي قصيدة"تتار"ص41 نرى الشاعر يستلهم التاريخ، عندما غزا التتار المنطقة واحتلوا بغداد واحرقوها، ورموا مكتباتها في مياه دجلة، فتتار العصر لم يختلفوا عن تتار هولاكو، وان زعموا أنهم متحضرون فهولاكو العصر:

" يزني على عشب الفضيلة
حصانه القديم يركب الحضارة
ويهدم العمارة
ويجلد البلاد
رأيت هولاكو يتسلق النجوم

يخفض السماء ويعلق الجريمة"ص41 وكأني بالشاعر هنا ينبئ بأن تتار العصر لن يختلف مصيرهم عن تتار هولاكو.
وشاعرنا يغوص في هموم الوطن وان بطريقة غير مباشرة، ففي قصيدة"بذور قصائد منثورة - همالايا"ص63 التقط الشاعر قضية"بطولات" من يتسلقون الجبال العالية، وما يصاحب ذلك من مخاطر قد تودي بحياة البعض منهم، فيسحب تلك المخاطر على مخاطر في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولا يلتفت اليها أحد، وكأنها أصبحت أمرا مألوفا وعاديا فيقول:

"لمن تسلقوا إفرست
لا تتفاخروا كثيرا
الطريق بين بيت لحم والقدس
أكثر خطورة
والتزلج على الصخور رياضة جديدة"ص63

وهذا واقع فرضه المحتلون بطغيانهم، حيث أن حصار القدس وعزلها عن محيطها الفلسطيني، قد جعل دخول الفلسطينيين اليها حدثا خطيرا قد يكلفهم حياتهم، كما أن تسلّق جدار التوسع الاحتلالي -رغم ارتفاعه- لدخول القدس أصبح رياضة وبطولة، وهذا سخرية من غباء الواقع الفلسطينين وغباء من فرض هذه الواقع بالقوة.
وفي قصيدة "الخيانة"ص55، فهو يرى ان الخيانة لا تقتصر على خيانة الوطن فقط، فهناك خيانات أخرى لا تقل خطورة عن خيانة الوطن:

"ان كنت في منصب
وبرّرت حقوق الآخرين لك
فنلك...خيانة"

والمعلم الذي لا يخلص في تدريس طلابه خائن ايضا، ومن لا يبحث عن حريته خائن، و"إن تأكل الطعام بأصناف كثيرة....من خلف أسرتك الفقيرة ...خيانة"ص56
أمّا الخيانات البشعة فهي عدم الاعتراف بالخيانة:

"إن كنت تعرف
أو تقترف خيانة أخرى
ولم تعترف لنفسك...خيانتان"ص56

هذه ملاحظات سرسعة على الديوان لا تغني عن قراءته والتمعن فيه، والتفكر بما جاء فيه أيضا.
أمّا عبد الله دعيس فقد قال:

إن كان الرند هو شعار النصر، وإن كان الرند مفقودا في واقعنا، حتى ليبدو النصر بعيد المنال، إلا أنه ليس غائبا. فالرند يظهر من بين أبيات بكر زواهرة وقصائده مبشرا بنصر قريب. فشاعرنا ورغم إدراكه لقتامة الواقع، ووصفه لمرّ العيش والضيم الذي يرزح فيه الوطن، لا يفقد الأمل، بل إنه ما إن يرسم الصورة القاتمة حتى يبرز تفاؤله وثقته بواقع أفضل.

الديوان متنوع بأسلوبه وقصائده، فمن الشعر الحرّ إلى قصيدة النثر فالشعر العمودي. ويدهشنا الشاعر في كل أجزائه، ويمتعنا بصوره ورموزه وموسيقاه. إلا أن ابداعه تجلى بصورة أوضح في قصائد الشعر الحر في بداية الديوان، والتي تتدفق بالصور الجميلة والشاعرية الفذة. ثم نصل إلى مجموعة النصوص التي يسميها (بذور قصائد منثورة) فنجده يعتمد فيها على ومضات سريعة واضحة دون الإغراق في الرمز والصور فتعطي فكرة عميقة بكلمات قليلة. ثم يورد الشاعر مجموعة من القصائد العمودية في نهاية الديوان والتي وإن كانت لا ترقى لمستوى قصائد التفعيلة في بدايته إلا أنها تزخر بالأبيات الجميلة التي تنم عن موهبة وإبداع.

باكورة الديوان في حب الوطن والأمل بالعودة الميمونة إلى وطن مكلوم. يناجي الشاعر وطنه في قصيدة (لا مسافة في الطريق إليكِ) والتي تحمل حبا للوطن وأملا عارما للتخلص من أعدائه، واستهانة ببطش العدو وجبروته. فالوطن قريب نحث الخطى إليه، تقودنا قلوبنا، نستلهم جماله، وكل شيء فيه ينطق بانتمائه وأصالته، وكل ما أحدث العدو فيه لهو تشويه سطحي لجماله، زائل لا محالة، لأن جوهره لا يمكن أن يمس. وأينما يشيح الشاعر وجهه يرى وطنا ملك جميع كيانه.

ويستعرض في (شوكة الصمت) ذكريات المهاجر عن الوطن السليب، والذي لم ييأس لحظة من العودة إليه. ويناجي فلسطين في (مهد المسيح) ويبوح لها بمشاعره مبديا حزنه الشديد وجرحه الغائر بسبب فقدها، ومرارة الانتظار الطويل والحصار. مناجاة جميلة للوطن الذي أحبه حتى صار جزءا من وجدانه.

يتفاءل الناس للمطر الذي يجلب الخير، لكن المطر يذكر شاعرنا بالمشردين في الخيام، الذين يلتحفون السماء ويفترشون الأرض، فينادي الدنيا ويقول لها أن تكف عن المطر. وكذلك فإن صوت الرعد والبرق يعيد إليه ذكريات النكبة وينكأ مواجعه فيخاطب الغيمة آمرا لها أن تحمل مطرها بعيدا.

وللشاعر حكاية مع الغيمة، فيستخدم رمز الغيم في كثير من قصائده ويعنون لأحدها بالغيمة. فالجو الغائم على غلاف الديوان يوحي بواقع ثقيل، لكن الصورة تظهر أن هناك بداية لانقشاع الغيوم معلنة عن قرب الربيع. والغيمة تحمل الخير وتلقيه في كل مكان وتنشر البركة أينما حلت، والغيمة وإن لم تمطر ستمر وتكمل الطريق معلنة عن قدوم نور جديد.

وبالرغم من الحرمان فإن الشاعر يشعر أنه ملكا، ليس إلا لأنه يحب القدس. ويناجي الشاعر ربه في قصيدة (يا إلهي) مناجاة يعلن فيها عن خيبة أمل في أمة تنافق للطغاة. وفي قصيدة (سأعيش) يعبر عن تشبثه بأرضه، وإصراره على العيش فيها وتحديه لكل المصاعب رغم الذل والاحتلال. ويحاول الشاعر أن يفرح فلا يستطيع، لكنه يعود ليجدد الأمل بالصباح الذي سيأتي حتى ولو كان متأخرا.

يستخدم الشاعر كثيرا الصور المتناقضة والكلمات المتضادة أو تلك التي تقلب واقع الأمور: (هواء مثلّج يدفئ العروق) فيجمع بين البرد والدفء (ثلج ونار) ، (والدم أبيض)، (لا ماء يشربني / الخمر لم يشرب) فجعل الماء والخمر هي التي تشرب. ومثل ذلك كثير في الديوان. وهذه الصور تثري الديوان حيث أنها تثير الدهشة وتحفز التفكير. فالأمور في الدنيا لا يمكن تصنيفها إلى أبيض وأسود، بل إن المتناقضات تتعايش معا ويكمل كل منها دور الآخر، وقد تكون الأمور على خلاف ما نظن، وقد نخدع بالكثير من المظاهر في حياتنا. وكذلك فإنها تحل محل بعضها داخل النص متماهية مع واقع الحال.

يحاول الشاعر أن يوظف الأسطورة في بعض قصائده، فيعبر عن خيبة أمله في الزمن الحاضر عن طريق مقارنته بزمن كان فيه عنترة بطلا. ويستعير شخصية هلاكو ليفضح الظلم والجريمة التي يقترفها الأعداء. ولكنه أحيانا يقحم شخصيات من الميثولوجيا اليونانية أو الأساطير الرومانية (مثل نيرون / هيرود / إيكو الخ) متأسيا بغيره من الشعراء والتي قد لا يكون لها نفس الوقع والتأثير على القارئ.

وأكثر ما أعجبني في هذا الديوان هو روح التفاؤل والأمل التي لم تفارقه في أي من قصائده حتى عندما وصف أبشع الظروف التي مرت بوطنه. وما أجمل هذا البيت!

فذابل الورد قد رُدّت له مهج منها وعادت إلى الأوراق أضواءُ

وشارك في النقاش عدد من الحضور منهم:ديمة السمان، سوسن حشيمة، سامي الجندي.