حب خريفي بطعم العواصف

، بقلم فؤاد قنديل

الطبيب نفسه الذي فحصها في عيادتها أصابه الذهول،‏ حتى إنه أعاد الكشف عدة مرات‏،‏ ثم طلب منها الحضور إلي المستشفي‏.‏ دعا زملاءه لفحصها فاستولي عليهم الذهول‏..‏ تبادلوا النظرات والصمت ثم الكلمات والنظريات وأقوال الكبار جهابذة الطب‏، وتذكروا أغرب النماذج التي قرءوا عنها في المجلات الطبية العالمية‏..‏ تشككوا في المستقر والمؤكد من المعارف الطبية‏..‏ كيف تحمل من كانت في الثالثة والستين؟‏!!..‏ لم يحدث هذا مطلقا‏،‏ ولم يسمع به أحد ربما علي مدي قرون،‏ وله الجوار والمنشآت في البحر كالأعلام‏،‏ فبأي آلاء ربكما تكذبان لم تحمل سيدة تجاوزت الثامنة والأربعين وقد حملت في حالات استثنائية من بلغت الخمسين‏.‏

دار الطبيب حول نفسه عدة مرات وتكلم مع روحه وبدا كمن أصابته لوثة‏،‏ ثم نظر إلي العجوزين الطيبين الجالسين في وداعة كل منهما قبالة الآخر‏،‏ لا يدريان من الأمر شيئا‏،‏ لكن حيرة الطبيب جعلت كل منهما يعتقد أن في بطن الزوجة ورما‏..‏ لم يسبق أن قالت الزوجة شيئا عن الورم لزوجها ولا سبق للزوج أن فضفض بما يدور برأسه عن احتمال وجود ورم في بطن الزوجة الغالية‏..‏ ولو تأكد من وجود ذلك العدو الشرس فلن يستطيع بحال أن يخبرها عنه‏.‏ كيف يتحمل أحدهما أن يؤذي مشاعر رفيق العمر بنبأ كهذا؟‏!‏

أخيرا لم يجد الطبيب مفرا من إبلاغهما‏..‏قال‏:‏

رجاء‏.‏ تقبلوا الأمر برضا كامل‏..‏ مازال بالإمكان حدوث المعجزات‏.‏ في وصوت واحد ودون أن تظهر علي وجهيهما أية علامة من علامات الفزع‏،‏ قالا بحيادية غريبة زادت من رعب الطبيب وإشفاقه‏:‏
- تفضل‏..نحن نسمعك‏.‏

عاد الطبيب يقول‏:‏

- قد يبدو الموضوع غريبا لكنه ربما يكون مصدرا للفرح وأنتما لاشك مؤمنان بالله‏.‏

لو سمحت يا دكتور‏..‏ تفضل أبلغنا بما تريد بدون مقدمات‏،‏ قال الزوج العجوز
لم يبد علي الطبيب أنه سمع‏..‏ قال‏:‏

أحاول منع تأثير المفاجأة‏..‏ بصراحة‏..‏ يا سيدتي أنت حامل‏..‏

الدهشة والذهول لم يصيبا الزوجة‏..‏ فقط سقطت من طولها وابتلعتها الغيبوبة‏..‏ وأوشك أن يحدث لزوجها ما حدث لها‏..‏ ظل متماسكا وإن كان قد فقد السمع والبصر والإحساس لعدة دقائق‏..‏ ثم جلس حتى يتمكن من استعادة ما سمع‏.‏ بعد ذلك اندهش وظل مندهشا غير قادر علي النطق‏،‏ ليطلب إعادة ما قالوه ويستعد بالتنبه جيدا‏.‏

العم برهام الذي بلغ السبعين وتراجعت إلى حد كبير قدرته الجنسية دون أن يحفل بذلك‏،‏ كان يشعر في السنوات الأخيرة أن حبه لزوجته وحبها له والأحضان الدافئة المحملة بعبق الأيام والليالي المشتركة‏،‏ ورائحة العشرة والأنفاس التي تتبادلها رئتاهما تحقق لهما اللذة التي لا تعادلها لذة‏،‏ وتشبه كثيرا سعادة العصفور الذي يتنقل في يسر من غصن إلى غصن‏.‏

لم يمنع هذا من أن يجريا بعض التجارب الجنسية الحيية دون ترتيب أو مواعيد ثابتة‏،‏ وفي الأغلب لا يحالفهما التوفيق مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان يبتسمان بعدها ويتعاونان قام دون أن يترسب الأسى في قاع روحيهما‏،‏ وربما غمرهما الرضا‏،‏ إذ يدهشان لهذا الحب الذي يزداد عمق آباره وتمتد فروع شجرته لتصبح الدنيا كلها حبهما‏.‏
من أجلها فقط كان عم برهام يحاول أن يوهم نفسه وهو في الفراش أن زوجته احدي نجمات السينما الفاتنات كي يستثير أعصابه‏،‏ رافضا نصيحة الطبيب باستخدام حبات منشطة‏،‏ وكان في السر ومن باب الفضول قد جرب واحدة‏،‏ لكن الاستنفار لم يكن كافيا فأيقن أن الآوان قد فات‏،‏ وأن ملامسة الجسدين المعروقين تكفي كي يستقطرا كل معاني الحب والمتعة‏،‏ خاصة إذا تذكرا سنوات الشباب الماجنة‏.‏

لا تنسي زوجته مريم كلامه الدافئ الذي يروي عروقها الجافة‏..‏ دائما يقول‏:‏

الدنيا كالماء الذي تغرفينه بيديك‏،‏ ثم يتسرب من بين الأصابع وتبقي منه الذكريات‏..‏ كل ما في الدنيا يتحول إلي ذكريات هي المتعة الحقيقية‏.‏

ظل الزوجان يومين لا يتحدثان‏،‏ لكنهما يتبادلان النظرات ويبتسمان‏..‏ يجلسان جنبا إلى جنب في الشرفة الفسيحة‏..‏ يدا علي يد وقلبا علي قلب‏،‏ يتأملان الأفق والمشاهد العابرة ويفكران في كمال الكون الذي يحدقان فيه بعيون جديدة‏.‏ هذه الكرة البرتقالية الكبيرة التي فقدت لهيبها تطل في عيونهما ساعة الغروب وتلوح لهما بأشعتها الواهنة قبل أن تسقط وراء المدى البعيد‏..‏ هذه السماء الصافية التي تربت علي رأسيهما وتمسد جسديهما بحنان وفي عينيها حب يميل إلى الزرقة‏.‏
كل شيء يمضي كعادته بانتظام ودون كلام‏.‏ الفطور الخفيف في موعده يتعاونان في حمله إلى المائدة وكذلك الغداء المتأخر ومثلهما الشاي الذي يحين مع الغروب‏.‏ ظلا يتبادلان النظرات ويتلامسان دون قصد أو بقصد ويبتسمان في دعة وعذوبة وقبل النوم يتعانقان طويلا و يتلاثمان‏،‏ ولم يخف عليهما أن العناق اختلف والقبلات‏.‏ لكل منهما طعم جديد‏.‏ القليل جدا منهما يكفي ليطير القلب في فضاءات الكون ويزقزق ويدور حول القلب الآخر المعتق بالشوق‏،‏ يتراقص القلبان ويطيران‏.‏ ثم يمضيان معا نحو موضعيهما من الصدرين‏..‏ سرعان ما تنغلق الجفون علي الأحلام الجميلة والغد المبتسم‏.‏

بعد يومين‏،‏ وفي جلسة الشرفة‏..‏ نطقا‏..‏ أخيرا في وقت واحد‏،‏ بل في ثانية واحدة‏..‏ لفظا معا لفظا واحدا‏:‏

معقول؟‏!‏

تنهدا من الأعماق‏.‏ برقت الفرحة في العيون‏،‏ وتعلقت بالأهداب واستقرت علي الشفاه‏..‏ أمسك عم برهام بيد مريم الحالمة وعاد يقول معها في نفس واحد‏:‏

معقول‏!!‏

دنت منه ووضعت رأسها علي صدره‏..‏ تأملا الأفق الذي كان يتجمل لهما‏..‏ ساور الرجل خاطر اهتز له‏..‏ هل يمكن أن يكون ذلك مجرد حلم؟ ألا يكون شوقهما إلى الأبناء الغائبين المشغولين هو الذي حرك هذا الحلم أو صنعه؟ في الوقت ذاته راود مريم خاطر ارتعت له‏..‏ ألا نكون قد متنا ونحن الآن في العالم الآخر؟‏..‏ كيف يمكن التأكد من ذلك؟ هل يمكن التأكد من ذلك؟

قال كل منهما في نفسه‏:‏

- لابد أنها الشيخوخة‏..‏ ذلك العالم الهلامي فاقد الجاذبية الذي يمهد البشر للانتقال إلى حياة أخري‏..‏ لذلك تنحل مع الدنيا كل الروابط‏..‏ إنها المنطقة الوسطي بين حياتين‏..‏ كان برهام قد قال لها يوما سنصل إلي مرحلة الحب المائل للرمادي‏..‏ حمدا لك يارب علي كل حال‏.‏ ضمها إليه بلطف وتنهدا معا ليخرجا من الأعماق أشباح الخواطر المعربدة‏.‏ جلسا طويلا في الشرفة وقد أيقنا أخيرا أن ما بلغهما وأقسم عليه الأطباء المذهولون ليس حلما ولا ارتحالا إلي العالم الآخر‏،‏ وإنما هو آية من آيات الله في زمن خلا من الآيات‏.‏ لقد فازا بأكبر يانصيب في الدنيا‏..‏ ما أعظم ما ناله الناس قبلهما‏!!،‏ وما أعظم ما سوف ينالانه إذا تم كل شيء علي الوجه المأمول‏!!‏

مرت شهور كافية‏،‏ تنصت خلالها العجوزان طويلا وكثيرا للجنين وتحدثا إليه‏..‏ سألاه أسئلة كثيرة عن أحواله‏..‏ وما كان يملك من الإجابة إلا أن ينقر نقرة أو يرفس رفسة‏.‏

كانا قد اتفقا علي ألا يغيب برهام عن زوجته لحظة من ليل أو نهار بحيث يتحركان معا صوب أي اتجاه‏.‏ يأكلان معا ويشربان معا وينامان معا ويحلمان ويفكران في كل شيء معا‏..‏ يغمضان العيون معا ويستيقظان معا‏..‏ يدخلان الحمام معا ويستحمان معا‏،‏ وإذا تأهبا لاستقال ضيف أعدا الطعام ورتباه علي المناضد معا‏..‏ ينزلان إلي الشارع معا ويشتريان الخضر والفاكهة معا ويشربان عصير التمر هندي معا‏.‏ يرفعان الكوبين الكبيرين في الوقت ذاته ويهبطان بهما معا وينتهيان من العصير بالضبط معا‏..‏ وكانا يقرآن القرآن معا‏.‏ رب المشرقين ورب المغربين فبأي ألاء ربكما تكذبان‏.‏

لما جاءها المخاض كان يمسك بها‏..‏ لما زعقت كانت بين أحضانه‏.‏ لما بدأ الطلق واهنا ثم اشتد وعصف كان إلي جوارها يدعو الله ويشد من أزرها دون أن يفلح في حبس دموعه‏..‏ أسرع يعاونها في خلع طقم أسنانها لأنه يتخبط في فمها ويزعجها ويدق علي رأسها بمطرقته الثقيلة‏.‏

زعقت وتوترت ودفعت بكل أعصابها ما يقبع في روحها الذي كانت أحيانا لا تحس به حتى لتعتقد انه كاذب‏،‏ وأحيانا يقبض علي صدرها‏..‏ هاهو أخيرا يري الحياة‏..‏ قطعة حمراء من اللحم في شكل إنسان رائع يصرخ وينبض‏..‏ له رأس كبير أصلع وفم واسع وعينان مفتوحتان بلا أهداب‏..‏ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان‏.‏

تهاوت الوالدة العجوز الغارقة في العرق والوهن‏،‏ وهي اقرب للموت منها إلى الحياة بعد كفاحها التاريخي المقدس لإخراج المولود من قمرته محكمة الإغلاق‏..‏ القمرة التي شكلت الآمال الأسطورية للوالدين اللذين تجاوزا بكل المقاييس عمر الإنجاب الافتراضي علي الأقل بالنسبة للزوجة التي قاربت علي حضور زفاف حفيدتها‏..‏ ها هما الآن يعيشان علي ذري المشاعر الإنسانية في أبهي تجلياتها‏.‏

همد تماما الجسد المنهك وانخفضت كثيرا هضابه‏،‏ وتضاءل البالون الكبير وغلب الوجه شحوب غريب أسرع الأطباء يفحصون الكيان شبه الميت الذي لا تبدو له علي الأجهزة أية علامات‏،‏ ومع ذلك تأكدوا إنها بخير بفضل فتات النبض البطيء‏.‏

أخذوا المولود إلى سرير الرعاية‏،‏ وبقي العجوز إلى جوارها ممسكا بيدها ونظراته برغم الدموع لا تفارقها‏..‏ كان يدرك انه يمدها عبر يده بخيط رفيع جدا من الحياة‏..‏ طالت الغيبوبة لكنهم طمأنوه بأنه نوم وراحة وليس غيبوبة مرضية بعد ماراثون طويل وثقيل‏..‏ اسند رأسه علي طرف السرير وعيناه عليها وعلي أجهزة القلب وخراطيم المحاليل الغذائية‏.‏
حضر بعض الأولاد للاطمئنان علي أمهم التي كتبت عنها الصحافة وأجريت معها الحوارات قبل الولادة‏،‏ وسألوا كثيرا عن إمكانية الحوار معها بعد أن تفيق‏..‏ قالت كبري الأحفاد وهي في دهشة وسخرية‏.‏

هل قطعة اللحم هذه ستكون عمي‏!!‏

ضحك الأحفاد الصغار وتنفس آباؤهم في أسي‏..‏ أحد أبناء الشيخين ضرب كفا بكف وقال في صوت خفيض‏:‏
كبر الآباء وخرفوا‏.‏ كان يجب الحجر عليهما منذ سنوات‏،‏ أو نقلهما إلى دار للمسنين‏!!‏

دفعه أخوه الأكبر وهو يقول‏:‏ عيب عليك‏..‏ بابا أكيد سمعك‏.‏ فجأة في الفجر الثالث استيقظت تتطلع حولها في إعياء‏..‏ أطلت في عيني زوجها وابتسمت‏.‏ ابتسم لها من أعماقه التائهة‏،‏ ثم هبت كمن تذكرت تطلب وليدها‏.‏ جاءوها به‏.‏ أبقته إلى جوارها‏..‏ تأملاه معا ثم شرعت في التسلل حبات الدموع‏..‏ تلتها شهقات الجسد المغمور مع الروح في بحيرات السعادة‏..‏
في اليوم التالي سألت العجوز عن السر في الظلام الدامس الذي يسود المكان‏..‏ إذا كانت الكهرباء مقطوعة فليفتحوا النوافذ ويزيحوا الستائر السوداء‏..‏ فزع الزوج فقد كانت الغرفة تسبح في الضوء الباهر‏..‏ ظل الظلام دامسا في عيني العجوز التي ظلت مفزعة تمسك بوليدها دون أن تبكي مضت تقبل كل سنتيمتر في جسده وتعود من جديد لتمر عليه كله‏،‏ متوقفة عند رأسه وقدميه كأنها تستنطق أعضاءه أو تتحدث إليه وتناجيه بنفحة من الماضي وومضة أمل عن المستقبل‏.‏
لم تكن تعيسة بل كانت تشكر الله لأنه أتاح لها أن تري وليدها وتعرفه بشكل دقيق وتفحصه جيدا قبل أن تفقد بصرها وان كانت لا تزال تراه بقلبها اغلي جوهرة في العالم‏.‏

خشيت ألا يدر ثديها لبنا‏،‏ لكن الطفل مضي يمص الثدي حتى فاض عليه وأطعمه إلي إن شبع‏.‏ شعرت بأنها تكاد تطير‏..‏ بل تطير فعلا‏..‏ إنها قادرة علي أن تمضي في أنحاء الشقة بسلاسة‏،‏ وفي المطبخ تعثر علي كل شيء دون معاونة‏،‏ وتشعل الغاز وتطهو الطعام‏.‏ ويساعدها الزوج قليلا برغبته وليس عن عجزها‏..‏ كثيرا ما طلب منها أن ترتاح وتلتفت للفتي الجميل وسوف يقوم هو بكل ما تحتاج إليه‏،‏ لكنها اعترفت له بأنها تحس بالعافية‏،‏ إنها اقوي كثيرا مما كانت عليه قبل الوضع‏،‏ بل وقبل الحمل‏..‏ لقد عادت عشر سنوات علي الأقل إلي الوراء‏.‏

قال عم برهان لها‏:‏ عندما يكبر قليلا سيلبس مثل ما ألبس ونمشي معا ويعرفنا أهل الحي بسهولة‏.‏ وفي البيت سيكون مثلي تماما‏..‏ ما رأيك يا أم نبيل؟

اتفقا من أول محاولة علي أن يكون اسمه نبيل نطقا اسمه معا عندما تذكرا وليدهما الأول نبيل الذي مات في سن الثالثة‏.‏
تبتسم مريم وتهز رأسها قائلة للصغير‏:‏

موافق يا حبيبي علي كلام بابا؟

بعد عدة أشهر من وصول الفتي الرائع فوجئت بوفاة زوجها عم برهام‏..‏ أدهشها انه لم يستيقظ في الصباح الباكر كما عودها‏،‏ فنادته وهزته‏،‏ لكنه كان قد لبي الدعوة ورحل في الموعد المحدد‏..‏ كل من عليها فان ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏،‏ فبأي آلاء ربكما تكذبان‏..‏ شعرت بالصدمة الثقيلة‏.‏ لكنها اكتفت بالبكاء الصامت ومعانقة الوليد الذي لم يكف عن الضحك واللعب وضرب الهواء بيديه ورجليه‏.‏ رفضت كل العروض التي ألح في تقديمها الأبناء والأقارب للانتقال إلى بيوتهم والعيش معهم‏..‏ أكدت إنها قادرة تماما رغم كف بصرها علي أن توفر كل ما يلزمها والطفل‏،‏ كما كانت في حياة زوجها‏..‏ مضت منذ ذلك اليوم تتحدث إلي صغيرها عن حياتها الطويلة منذ الطفولة إلي رحيل برهام الطيب‏.‏ قالت له‏:‏

- أبوك كان روحي وأصبحت أنت روحي من بعده‏.‏ عندما ينام الوليد مركز الكون في نظرها تسارع باستحضار طيف زوجها‏..‏

تتذكر بدقة انه عاملها طوال عمره بمنتهي الرقة والحنان‏،‏ وكان قريبا من قلبها ويفكر فيما تريد‏،‏ ويقطف لها ما تتمني من الثمر قبل أن تطلبه‏،‏ ويسعدها أن تتذكر كلامه الحكيم‏،‏ خاصة عندما يقول‏:‏ الحياة ليست أكثر من مجرد ذكريات‏،‏ وعلينا أن نتصرف دائما علي أننا نسجل من أفعالنا ذكريات جميلة‏،‏ تسعدنا في الدنيا وتؤنسنا في الآخرة‏.‏ يبهجها جدا سرعة نمو الرضيع وحركته الدائبة‏،‏ وكان مدعاة لبهجة أكبر حرصه علي أن يرافقها أنّي ذهبت سواء إلي السوق أو إلي البنك لصرف المعاش والي المقبرة لقراءة الفاتحة‏،‏ ويصطحبها إلي النادي ويصف لها ما يجري حتى أصبح الزوج والأخ والابن والصديق‏..‏ بات واضحا أن قلبها لا يستطيع أن يتحمل كل هذا الكم من الفرح‏،‏ كما كان لسانها عاجزا عن الوفاء بحق الرب من الحمد وهي تري الصغير يشب بحماس ويتجه إلي اليفاعة بثقة‏،‏ ولم تكن الدنيا تتسع لسعادتها عندما يأتي ترتيبه الأول كل سنة في كل السنوات حتى الجامعة‏.‏

- ستتخرج يا روح الروح هذا العام وقد عثرت بالفعل علي أجمل فتيات العائلة لأخطبها لك بعد ظهور النتيجة مباشرة‏.‏

- يا أمي أنا أفكر في السفر إلي الخارج.

أسرعت تقاطعه وهي تحبس دموعها خوفا عليه‏:‏

- أرجوك يا نبيل‏..‏ لم أكن أريد أن أكشف لك مخاوفي من حلم رأيته‏..‏ سوف أموت بعد أن تتزوج‏..‏ لابد أن أراك في حفل زفافك‏.‏

يا أمي

انفرطت في البكاء فانحني يقبل يدها وأسرع يجفف دمعها وهو يقول‏:‏ لن أعارضك ما حييت
تعانقا وتنفست الأم مريم بملء رئتيها وجسمها كله وشكرت الرب علي فضله الذي لا تحصيه كل دفاتر الأرض‏.‏
بعد الامتحان مباشرة فوجئت بالخبر‏..‏ ولدها الرائع واغلي جوهرة في الوجود مزقت جسده سيارة الموت الطائشة‏..‏ كان يقودها ولد في السادسة عشرة‏..‏

سيارة ضخمة وفخمة قذفته نحو خمسين مترا وصعد بارتفاع يساوي الشرفات التي رآه من فيها واغشي عليهم‏.‏

لم تبك ولم تحزن‏..‏ لم تسمع ولم تنطق‏..‏ فمها مفتوح علي الدوام‏،‏ وفي خيالها زوجها المبتسم ويداه ممدودتان إليهما بشوق وفرح‏.‏ يداه ممدودتان‏،‏ فبأي آلاء ربكما تكذبان‏،‏ ولمن خاف مقام ربه جنتان‏،‏ فبأي آلاء ربكما تكذبان‏.‏

كان أبوك يقول‏:‏ إن الدنيا كالماء الذي تغترفه بيديك سوف يفر من بين أصابعك وتبقي الذكريات‏..‏ الدنيا مجرد ذكريات‏.‏

دخلت فنامت وكان ابنها الأكبر قد أصر علي أن يبقي معها ولحقت به زوجته‏..‏ وفي صباح اليوم التالي‏.‏ أعد ابنها القهوة التي تحبها‏..‏ دخل عليها يدعوها باسم الصباح الجميل أن تصحو وتشرب قهوتها‏..‏ لم ترض أن تشربها ولا أن ترد عليه ولا أن تستيقظ‏.‏ وبقيت الذكريات القديمة‏..‏ كانت الصدمة كبيرة للغاية علي الأبناء وصدمة الأصغر مفلوت اللسان أكبر‏..‏ تذكروا جميعا أن الوالدين كانا مختلفين وكانا رائعين‏،‏ لكنهم حاولوا أن يغلقوا الباب علي ذكريات حب الخريف وعواصفه