صباحكم أجمل

راحة عابرة في بلدة ارتاح

، بقلم زياد الجيوسي

ضاحية ارتاح

هي طولكرم بما تضم من عبق وجمال، كلما تجولت فيها لامست روحي فيها جمالاً آخر، ولعل من أجمل المخاطبات إلى قلبي حين كان يصر الشاعر أحمد الأشقر على مخاطبتي بعبارة: أيها الكرمي، فينسبني إلى طولكرم التي أعتز بها، وكلما وصلت طولكرم لا بد أن أجولها سيراً على الأقدام، حاملاً عدستي رغم أن درجات الحرارة في معظم الأوقات تكون مرتفعة، وفي الأمسيات اللطيفة وبعد جولة تمتد حتى شويكة وشارع جعلت منه البلدية متنفساً ومتنـزهاً مجانياً للمواطنين، أجلس في مقهى بسيط لأحتسي القهوة والشاي وأرجيلة التمباك، والتي تعلمتها من جدي الحنون وهو جدي لأمي رحمه الله في بدايات سبعينيات القرن الماضي، وفي هذا المقهى ألتقي العديد من الأصدقاء، وفي أوقات أخرى حين أكون فيها وحدي أستغل الوقت بالقراءة أو كتابة مقالات حول المكان والتراث.


(مقام بنات يعقوب)

لذا كان دائماً لطولكرم مكانة خاصة في القلب والروح، وفي زيارتين من زياراتي أتيح لي زيارة ضاحية ارتاح، وتجولت بها وزرت أهم معالمها وهو مقام بنات يعقوب، وكانت الزيارة برفقة الإخوة التوأم شادي ورامي وهم من خيرة الشباب المنتمي والمتحمس، وتعرفت إليهما من خلال متابعتهما لما أكتب أثناء دراستهما في جامعة فلسطين التكنولوجية "خضوري"، وأصبحا جسر التواصل بيني وبين الجامعة وإدارتها وطلبتها، وهما من هذه الضاحية الجميلة، وكانت تربطني بعمهما (أبو زيد) ذكريات مشتركة في المعتقلات رغم اختلاف التوجهات الفكرية والفصائلية، وفي الزيارة الثانية كنت أزور والدهما الأخ (أبو الرائد) عبد الرحيم أبو شمعة وأستمع منه لذاكرة ارتاح والمكان.

(الخط الأخضر الذي يفصل أراضي ارتاح بين احتلاليّ 1948-1967)

ارتاح كانت قرية صغيرة تتبع مدينة طولكرم قبل العام 1967 ، ثم جرى ضمها بالكامل ضمن المدينة مع بلدات صغيرة أخرى، وأصبحت تمثل ضواحي المدينة، وهي تقع على هضبة بارتفاع 77 متراً، وملاصقة للخط الأخضر ولا يفصلها عنه إلا شارع، وهو الذي كان يفصل الضفة الغربية عن أراضي فلسطين التي احتلت في العام 1948، وفي داخل الخط الأخضر استولى الاحتلال على ما مساحته 1413 دونماً من أراضي ارتاح، وضاحية ارتاح من منطقتين: القرية والخربة، وخربة ارتاح هي التي تضم في جنباتها الآثار القديمة التي تروي حكاية ارتاح عبر التاريخ، ففيها مقام بنات يعقوب وهو مقام قديم تختلف الروايات في تاريخ إقامته كما اختلافها أيضاً بسبب الاسم للبلدة، فالبعض ينسب البناء إلى فترة المماليك حين قطّع الظاهر بيبرس ارتاح لاثنين من قواد الجيوش وهما: عز الدين أيبك الحمدي الظاهري والأمير شمس الدين سنقر الألقي مناصفة بينهما، وبالتالي فمن الوارد أن بناء المقام ارتبط في تلك الفترة بسبب اهتمام المماليك ببناء المقامات الدينية، أما المكان بحد ذاته فهو يحمل آثار الفترة الرومانية.

هناك روايات متعددة لاسم البلدة، فيقال إنها كانت منطقة الراحة للتجار، حيث تقع على طريق التجارة البرية بين مصر وجنوب فلسطين، كما تنسبها روايات إلى جماعة أتت من قرية اسمها ارتاح من قرى حلب، أتت فلسطين واستقرت في المنطقة ونسبة إليهم سميت بهذا الاسم، بينما تشير رواية أخرى إلى أن سيدنا يعقوب استعاد بصره في هذه المنطقة بعد أن ألقي عليه قميص ولده سيدنا يوسف عليه السلام، فارتاح هو وارتاح بصره، بينما هناك رواية تقول إن سيدنا يعقوب عليه السلام ارتاح فيها مع بناته وأقام فيها بعض الوقت في طريقه لمصر، ومن هنا كان المقام والاسم، علماً أن الرواية التاريخية تقول إن سيدنا يعقوب اتجه إلى مصر لملاقاة سيدنا يوسف مع أبنائه وأسرته بأكملها وليس مع بناته فقط، وبالتالي كان مروره بالمنطقة (إن مر بها) مروراً عابراً، وليس إقامة تسمح له بالبناء والاستقرار، وكان قد بلغ منه العمر حسبما تروي الحكايات الدينية المتعددة.


(بئر ماء تاريخي في ارتاح)
والمقام مكون من غرفتين واسعتين عليهما قباب، والبناء يقع فوق مغارة مظلمة، وهو بناء جيد البنيان مبني من حجارة منقوشة وكبيرة، وفي محيط المقام بقايا رومانية منها أعمدة وصهريج وبئر قديم وبقايا معصرة عنب، كما أن هناك أحاديث عن نفق سري بين المقام والخربة، وإن كنت أميل للقول إن هذا الكلام مرتبط بوجود قنوات مائية قديمة في المنطقة، وكانت هناك تقاليد إسلامية للاحتفال بموسم النبي يعقوب، كما الاحتفال بموسم النبي موسى والنبي صالح وغيره من الأنبياء، وهي مواسم سنوية كانت منتشرة في فلسطين وإن قلّت حتى انعدمت في بعض المناطق مع مرور السنوات، وكان يأتي إليها رجال الطرق الصوفية من مناطق عدة مع راياتهم وطبولهم وصنوجهم، وهذه المواسم كانت إضافة إلى الحس الديني، مواسم نشاط اقتصادي في المناطق التي تتم بها، كما كان يوجد في ارتاح مقامات أخرى ومنها مقام الشيخ عثمان ومقام الست مريم ومغارة بظاظة المهملة، حيث اعتقد الناس أنهم كانوا من أولياء الله الصالحين، وكانوا يذهبون في السابق إلى مقام الشيخ عثمان لاستسقاء المطر، كما يوجد في ارتاح عدة مساجد أهمها المسجد القديم التراثي والذي بني في العام 1206هـ، وجرى ترميمه في العام 1976م.

(كهوف تاريخية في بلدة ارتاح)

خربة ارتاح هي خربة تاريخية، فقد وجدت بها آثار قديمة تعود للفترات البيزنطية والرومانية، ومنها معصرة رومانية وسط أرضية فسيفسائية، محاطة بمجموعة من الآثار الرومانية الأخرى مثل البرك والقنوات وكهوف منحوتة وبقايا جدران وآبار مياه، وهذه الآثار دمرت بالكامل في العام 2011 حين قرر مجلس بلدية طولكرم المعين في تلك الفترة إقامة منطقة حرفية، فجاءت الجرافات من البلدية واجتاحت المنطقة على مرحلتين في بداية ومنتصف العام 2011، وخرج الأهالي باعتصامات في المنطقة للاحتجاج رافعين اللافتات المناشدة بالابتعاد عن هذه المنطقة الأثرية، لكن البلدية لها رأيها في استغلال هذه المنطقة، والمواطنون لهم رأي آخر، لذا واصلت البلدية مخططها وأنجزت المنطقة الحرفية، وإن حافظت على المعصرة الرومانية وأرضية الفسيفساء وأحاطتها بشبك معدني.


(مصنع فخار في ارتاح)

وعبر هذا الزمان تميزت ارتاح إضافة إلى الزراعة بصناعة الفخار من الصلصال، ومن المعروف أن صناعة الفخار ضاربة في أعماق التاريخ الفلسطيني منذ آلاف السنين، وفخاريات ارتاح كانت مضرباً للمثل بجودتها وجمالها ودقة صنعها وإتقانها، حتى أن أهل ارتاح الذين عملوا بهذه المهنة حملوا اسم آل فاخوري، وكانت فخاريات ارتاح تغطي كل المطلوب من الفخاريات لاحتياجات الناس، من جرار الماء والأباريق، مروراً بالآنية الخاصة بالطعام أو الطبخ، إضافة إلى أحواض الزراعة الفخارية والمناظر الجميلة، وهذه المهنة التراثية شبه انقرضت ولم يتبق منها إلا القليل في فلسطين عامة، وقد سعدت منذ فترة حين أعلمني صديقي خالد الهمشري مدير متاحف الشمال، أنه قد عقدت دورة تدريبية لصناعة الفخار، وتحت إشراف الغرفة التجارية في طولكرم بالتعاون مع المتحف، وكان المعلم في الدورة آخر معلم للفخار في ارتاح، الحاج (أبو خليل الشم) أطال الله بعمره والذي ورث المهنة أباً عن جد، وهو في السبعينيات من العمر، ويتميز بصناعته الأشياء المختلفة من الفخار، وقد أتيح لي أن أراه وهو منهمك في عمله في أحد زياراتي، وأتت الدورة في محاولة للحفاظ على هذا التراث ولكي لا تنقرض هذه المهنة وتنتهي إلى الأبد.

صباح موشح بالنسمات المبلولة في رام الله، بعد عودتي بالأمس من جولة استمرت أسبوعاً كاملاً بين جيوس وطولكرم، احتفت فيها البلدة والمدينة بزيارتي بارتفاع درجات الحرارة فوق المعتاد، ورغم ذلك تمتعت بالتجوال فيهما وتوثيق الأمكنة بالصورة والكلمة، أحتسي فنجان قهوتي وروح طيفي ترافقني وتهمس لي بأرق الكلمات، أقف إلى نافذتي وأتأمل طيور الحمام التي تحط عليها لتناول بعض من الطعام الذي أضعه لها، وأستمع لفيروز تشدو: (خدني على تلاتها الحلوين، خدني على الأرض اللي ربتنا، إنساني على حفاف العنب والتين، إشلحني على ترابات ضيعتنا).

فأهمس: صباحكم أجمل أحبتي، صباحك أجمل يا وطن.. وإلى لقاء في رحلة أخرى في ربوع الوطن الحالم بالحرية.