مع الجواهري بعيدا

عن السياسة والادب !! (١٠)

... وها هي حلقة أخرى، وليست أخيرة كما كان مخططاً، فقد جادت لنا الذاكرة بمزيد من اليوميات عن الجواهري، وبعض خصوصياته التي لم تُنشر، أو يُنشر عنها سابقا... وعلّها توفي - كما اشرنا في حلقات مرت- بعض توثيق اضافي عن الشاعر الخالد.

42- يوم تقليدي للجواهري في براغ

يبتدأ نهار الجواهري في براغ في حدود التاسعة صباحاً، في الايام التقليدية، أن لم يكن ثمة أرق، انيس ام ممحل. وأذ يغتسل، ويعدّ "شايه" على نار هادئة، مع بعض العسل في كوب حليب، وما قسم الله، يختتم ذلك الافطارالخفيف عادة، بسيكارة أو اثنتين، مع فنجني قهوة على الطريقة التركية. ثم يتهيأ للخروج الى المدينة، سواء كانت درجات الحرارة فوق أو تحت الصفر، فذلك لا تأثير له . وعادة ما يستغرق الطريق بـ "الترام" حوالي أربعين دقيقة، فيكون موعدنا شبه اليومي منتصف النهار في مقهى"سلافيا" أو"الابوتسني دوم" وسط براغ، مع استثناءات بين حين وأخر .
وتمتد الجلسة لنحو ساعتين، بين الذكريات والشعر والسياسة، وما بينهما كثير!!. ثم يحل وقت العودة وغالبا ما كنت أوصله بالسيارة، مع توقف، لشراء وجبة شعبية سريعة، من السمك المقلي والبطاطا، أو سلطة خفيفة، تكون غداءه في البيت، إن لم يكن قد جهز طبخة ما ، مصحوبة بكأس من بيرة "بلزن" الشهيرة. ثم يحل موعد القيلولة "المقدسة"عنده لحوالي ساعتين الى ثلاث، بعد سماع الاخبار، ومن أذاعة لندن العربية في الغالب الاعم.

وتبدأ الامسية حوالي السابعة مساء، وبعد شاي تقليدي، خالٍ من اية مطيبات، كالهيل وغيره، يقرر حسب المزاج، البقاء في البيت أو الخروج مجددا للتمشي أو "الأستقهاء" وذلك مصطلح خاص، نسبة الى المقهى، وحتى العاشرة، ليبدأ موعد سماع الأخبار، أو القراءة، قبل ان يتضرر بصره منتصف الثمانينات، مع كأس، أو اثنتين على الاكثر، وعشاء خفيفا من بقايا الغداء، أو مايكون تحت اليد، ثم يخلد الى النوم، أو ألارق، أو الشعر والرؤى، وحسب الحال الجواهرية.... تلكم هي خلاصة اليوم التقليدي للشاعر الخالد، دعوا عنكم النهارات والامسيات، والزيارات والاستضافات الاسثنائية ..

43- في مؤتمر بيروت للمعارضة العراقية

مع انتهاء حرب الخليج الثانية التي تسبب بها غزو صدام حسين لدولة الكويت، ينعقد في بيروت، ربيع عام 1991 وبعد لآي، مؤتمر للقوى والاحزاب السياسية العراقية المعارضة. وبعد لأي ايضاً، يوافق الجواهري، ذو الازيد من تسعين عاماً، على حضور تلكم الفعالية التاريخية، والتي تزامنت مع الانتفاضة التي شهدتها اربع عشرة محافظة عراقية ضد النظام الحاكم المتمترس في بغداد .

ومشاركة الشاعرالخالد في ذلك المؤتمر كان لها أكثر من مؤشر، ومؤشر، إذ وحده كان – وبقي- رمزاً وطنياً، موحداً، للعراقيين جميعاً، على اختلاف مشاربهم، ونحلهم وميولهم . وأذكر هنا جملة موجزة، معبرة بهذا الشأن للمفكر والفنان الفقيد محمود صبري حين قال: لقد كان الجواهري فصيلا "سابعاً" لوحده في المؤتمر... في إشارة، للاطراف العراقية، العربية والكردية، الستة، التي شاركت في تنظيم الفعالية تلك، وإطلاقها .

ومن أبرز ما تبناه الجواهري في المؤتمر، وهذه المرة على ذمة الشخصية العراقية الوطنية، والشيوعية البارزة: زكي خيري: ان تنتقل نخبة من وجوه المجتمعين، بالطائرة الى بغداد، مع تغطية اعلامية وصحفية اجنبية واسعة، وليكونوا رأس رمح العمل لاسقاط النظام، بدلا من الخطب والتنابز بالكلمات. خاصة وان فترة انعقاد قد تزامنت – كما أسلفنا- مع اندلاع الانتفاضة الشعبية العارمة في البلد . ولربما جاءت تلكم الفكرة في مخيلة الجواهري، انعكاسا لحال على ذلك الغرار، اتممتها بعض اطراف المعارضة التركية، ضد حكام نظام بلدها.

44- الجواهري في بعض اخوانياته

كتبتُ في توثيقات سابقة، منشورة في عدد من وسائل الاعلام، عن بعض اخوانيات الجواهري، ومنها عن، ومع، طالباني والمخزومي ومظفر النواب وشاذل طاقة... وعديد غيرهم من الاخدان والاصدقاء وحتى المعارف، موثقة في الديوان العامر. كما جمع باحثون ومحبون آخرون، ومن بينهم الفقيد محمد حسين الاعرجي، عددا آخر من تلكم الاخوانيات..

ومع ذلك بقيت كثيرات أخريات لم توثق الى الان. ولكي لا نكرر المنشور سابقا، تقع بين أيدينا الان ونحن"نلملم" الارشيف، ونجهد في تنظيمه، ابيات اهداها الجواهري الى عادل حبه، المسؤول الشيوعي الاول في براغ عام 1974بمناسبة ولادة طفله البكر" سلام" ونقتطف منها:

سلمت"غلاماً" حبيبي سلام، يهزُ الصباح بوجهِ الظلامْ
يحثَّ الخطى نقلة نقلة، يُتم خطى الخالدين العظام
يشمر عن ساعدي باسل، يشق الطريق لركب السلام...

والقصيدة كاملة لدى "علي وجيه" الذي يهم اليوم في جمع ما لم ينشر من شعر الشاعر الخالد، ليضيف جديدا، كما هو عهده.

45- الجواهري وحب الحيوانات... ومواقف منها

لا ادري ان كانت ثمة كتابة سابقة عن الحيوانات، الاليفة وغيرها، في قصائد الجواهري. ولكني أذكر على الاقل ما كتبه فوزي كريم عما جاء في "مقصورة" الشاعر الخالد، عن "الضفادع" والتي يصفها معجبا "كأن بعينيك ياقوتتين، صاغهما عبقري جلى" ... كما أذكر كيف تحدث الشاعر الخالد عن مقته لقتل الحيوانات كما جاء في قصيدة قلبي لكردستان عام 1963" يهتاجني ذبح النعاجُ، وأغتلي، لـ"شويهة" عن صدر شاة تفطمُ".. وكذلك أشير الى ما شملته لاميته في الخمسينات الماضية وهو يخاطب راعياً وقطيعه، وهكذا في قصائد اخرى شتى... فضلا عما جاء في الجزء الاول من ذكرياته عن طفولته، وصخلته! و"فخاتي- حمام" البيت.... وكل الاشارات هنا عن الحيوانات الاليفة، دعوا عنكم ذكر المفترسات منها: الذئاب وعوائها، صلال الفلا، النسر وشموخه، الاسد وملكيته، و"الحمار يؤوده الوزرُ" ....
... وأستذكر بهذا السياق واقعة سمعتها من "نبيهة" أخت الشاعر الخالد، ومدللته، انه سأل ذات صباح عن دجاجة الديك "المفقودة". وحين عرف انها ذُبحت وطُهيت لضيوف مفاجئين جاؤوا في الليلة البارحة، اسرع ليشتري دجاجتين بدلا من واحدة، وليدع الديك يعود فرحاً مرحاً بعد ان بقي ليلة واحدة بلا صاحبة !

وللحديث صلة، في الحلقة الحادية عشرة