سفر النرجس لسليمان دغش

في ندوة مقدسية

، بقلم جميل السلحوت

ضمن برنامجها للتواصل مع الكتاب والشعراء الفلسطينيين في الداخل استضافت ندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية الدورية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس، الشاعر الفلسطيني المعروف سليمان دغش، حيث ناقشت بحضوره ديوانه الأخير"سفر النّرجس" الذي صدر في الأيام القليلة الماضية عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، ويقع الديوان الذي يحوي عشرات القصائد في 151 صفحة من الحجم المتوسط.
بدأ الحديث مدير الندوة ابراهيم جوهر فقال:

في ديوانه الأخير الصادر يكتب الشاعر (سليمان دغش) عن قدس تسكنه، وعن ثورة يقمعها المستعمر، وعن تاريخ كان يوما يشع بقدرة صانعيه على التغيير، فصار اليوم ذكرى يختبئ وراء مرايا من زيف ولؤم وضياع وأسئلة تبحث عن ذاتها.
الشاعر هنا في قصائده ذات الأبعاد الوطنية والاجتماعية والسياسية والتاريخية والفنية يرجّ السكون القائم باحثا في بركة الركود عن معنى للحياة؛ يستحضر القدس في أكثر من موضع حتى صارت موتيفا دائم الحضور، ويطرح أسئلة موجعة ليعبّر عن معاناة الضياع الإنساني في زمن مقلوب المعطيات.

وحين يطرق باب الغزل الحسّي نجده نزاريّ النهج، فإنه يرقّ في لغته، ويعمر صوره بألوان من الحياة النابضة حتى ليخيّل لقارئه وكأنه يلمس الصورة لمسا.

لغة الشاعر تنوّعت في قصائد (سفر النرجس) فأخذت من (درويش) ومن (نزار) وخمّرت في لغة (دغش) لتصير لغة شعر يخاطب قارئه بإحساس، ويحاور (الآخر) شاكيا من روايته ومتسائلا عن درب الهداية.
رسائل الشاعر هنا توزّعت على مضامين ظلت حاضرة في ذهن الشاعر الفلسطيني ابن بيئته بشكل عام، بإفرازاتها كلها، لكنه يقدمها بأسلوبه الخاص، فتكون جدّتها في لغتها وصورها وأفقها المفتوح.
ويظهرفي (سفر النرجس) حضور قويّ لقدرته على الغزل والوصف، مما يعني أنه تعمّد تنويع موضوعاته، وإثبات لغته ليكون له شخصيته الخاصة وأسلوبه الخاص.

وقال جميل السلحوت:

في ديوانه الجديد "سفر النرجس"* يقدّم لنا الشاعر الفلسطيني ابن بلدة المغار الجليلية سليمان دغش، باقة من قصائده الجديدة التي تشي لقارئها بعمق انتماء الشاعر الى شعبه وأمّته ووطنه، وهذا ليس جديدا على شاعرنا، وانما هو امتداد لمسيرة عطاء متميزة، والقارئ لقصائد شاعرنا لن يحتاج الى كثير من الذكاء ليجد أنّ شاعرنا مبدع موهوب لا يتصنع، فلغته سلسة وقصائده انسيابية راقصة، تصلح في غالبيتها للغناء، وقارؤها سيجد نفسه طربا فرحا وهو ينشدها لذاته، وواضح أنّ شاعرنا متأثر بغزليات الراحل نزار قباني، وبالجملة الشعرية "الدرويشية". وسيلاحظ أن شاعرنا قد استفاد كثيرا من الموروث الديني والثقافي والتاريخي لشعبه ولأمّته، وهذا دلالة على سعة اطلاعه وعمق ثقافته.
ويفتتح شاعرنا مجموعته الشعرية هذه بقصيدة"رؤيا محمد البوعزيزي" ذلك الشاب التونسي الذي أحرق نفسه احتجاجا على الظلم اللاحق به وبشعبه، زمن الرئيس الهارب من غضب شعبه زين الدين بن علي، ليكون جسده المحروق شرارة نار الحرية التي أدّت الى تحرير شعبه من حكم الطاغوت، ولتنتقل عدواه الى مصر وغيرها من البلدان العربية، فالبوعزيزي لم يحرق جسده عبثا، وانما كانت له احلامه بالعيش الكريم والحرية:

"ولم تحلم بغير الشمس تبعث روحها
في حبة القمح الشهية
كي يصير الخبز قدسيّ الدلالة
في يد الفقراء
فالفقراء ملح الأرض
سنبلة الحياة، رمت على كتف الميادين الجديدة روحها
في ريحها وتوهجت غضبا لتشتعل الشرارة"ص9

وموت البوعزيزي حرقا لم يكن عبثا، وانما لبعث الحياة في شعوبنا التي أماتها حكم الطغاة:

"أيّها الموت العظيم
بنار البوعزيزي العظيم
كفاك موتا أنّنا نرد الشهادة فيك كي نحيا
وكي نحيا
ونحيا من جديد"ص13

ويلاحظ هنا التناص مع احمد شوقي الذي يقول:

ففي القتلى لأجيال حياة *** وفي الأسرى فدى لهم وعتق

وقد خصص الشاعر للقدس الشريف قصيدتين، ولا غرو في ذلك، فالقدس بالنسبة للشعب الفلسطيني هي بمثابة القلب في الجسد، كونها العاصمة السياسية والدينية والثقافية والتاريخية والاقتصادية والعلمية والحضارية لفلسطين وشعبها، وقصيدة شاعرنا الأولى تحمل عنوان"على بعد أندلسين وأدنى من القدس"ص29 والثانية"على بعد اصبعتين وأدنى من القدس"ص51. فهل يخشى الشاعر في قصيدته الأولى أن يكون مصير القدس كمصير الأندلس؟ وهذا ليس تشاؤما من الشاعر، بمقدار ما هو غضب على الساكتين على ما يجري من سلب لجغرافية القدس وتاريخها فيسأل مستنكرا:

"فماذا يقول المغني اذا أنّت الرّوح
في جسد النّاي
واستأنس الليل صمت العصافير
فوق هلال المآذن"ص32

وشاعرنا غاضب من خرافات الأخر وغيبياته وأساطيره الدينية التي رفعها لجمع شتاته، ليتمخض بولادة قيصرية لدولة على أشلائنا:

"كأنّ الريح التي شطرتني
على ضفة النهر نصفين
ما بين ماءين يقتسمان الخريطة في جسدي المقدسيّ
رمت فوق رمال شواطئنا حملها القيصريّ الملوث
ويحك يا ريح كيف تمكنت مني
وحمّلتني وزر تلك الخرافة
وعد الإله زورا
وكيف أعدت الى هذه الأرض بكر البدايات
سوءة قابيل ثانية"ص31.

ويستغل الشاعر في هذه القصيدة قصة"قابيل وهابيل" استغلال جيدا وجميلا.
وفي القصيدة الثانية نرى غضب الشاعر وحزنه على من أضاعوا البلاد، وتغنوا بالعودة القريبة، لكنهم ارتضوا المهانة وما عادوا:

"والحياة تئنّ من عطش الحياة الى الحياة
فلا حياة لمن تركوا الحياة
على مرايا الحلم والذكرى
وقالوا:عائدون فعادت الذكرى وما عادوا"ص52.

والشاعر يعود مرة اخرى الى أسطورة "أرض الميعاد" التي جلبت لنا الويلات:

يا إلهي
كم يعذبنا المقدس حين نستهوي الخطيئة
كم تعذبنا الخطيئة حين يسكننا المقدس"ص54

ويشكك الشاعر في صحة المعتقد الديني للآخر الذي من خلاله يحكم سيطرته وغطرسته على القدس فيقول:

" ان الشك مبتدأ الحقيقة
واكتمال الرمز في المعنى المقدس
ها انا وحدي هنا
بيني وبين القدس إصبعتين أو أدنى قليلا
في يدي مفتاح عاصمة السماء ص54.

ويستعيد الشاعر هنا قصة صلب السيد المسيح عليه السلام حسب المعتقد المسيحي، فيقول بأن القضية لم تتوقف عند ذلك، بل تعدته الى صلب شعب بأكمله:

كم صليبا بعدك يا يسوع الناصري هنا
لأحمله على كتفي وعدا بالخلاص
رأيت نفسي ملء نرجسها وهاجسها
اتكأت على بشارة مريم العذراء
ويحك يا يسوع ألم تخلصني؟
بلى، لكنهم عادوا إليك ليصلبوني من جديد"ص55

ويلاحظ في هذه المجموعة أن الشاعر مسكون بالجليل الفلسطيني حيث يعيش، فهو يعرج على ذكره في أكثر من قصيدة.

وقال عماد الزغل:

للمرة الأولى أقرأ ديوانا للشاعر سليمان دغش، وأول ما لفت انتباهي في الديوان هو نضج العبارة الشعرية وجمالها، وروعة الصورة، فالصور ليست موغلة في الغموض، بل هي صور تعكس المعنى بشكل مبسط تحت ستار شفيف من الأخيلة، ولا يتوه فيها القارئ، ولا يجد عنتا في الفهم. ويا لروعة ما يقول:

فماذا تقول الفراشة في حضرة الضوء
حين يراودها الموت ملتبسا بالحياة
على وهج الشوق والأسئلة

وعلى الرغم من أن الشاعر سليمان دغش درويشي العبارة نزاري العشق، إلا إنه يبقى نسيج وحده في الأسلوب، فله تجربة شعورية فريدة، فهو حينا عاشق يهوى المرأة بروحها وجسدها، وهو حينا منغرس في الأرض، مسكون بهمها وتوقها إلى الانعتاق من الاحتلال الجاثم على صدرها، تماما ككل شعراء فلسطين فهم عاشقون حتى لا تراهم في أتون الصراع مطلقا، وهم يصرخون بألم الشعب الفلسطيني حتى وصف أدبهم بأدب الصراخ.

وأعجبني التكرار في قصائده، فالعبارة المكررة تبدو كصدى موسيقي حين يجعلها الشاعر في نهاية سطوره الشعرية، كقوله: في العناق الأخير الأخير الأخير.

ولا يغيب الصراع الفلسطيني الصهيوني عن ديوانه في قصيدة (على بعد أندلسين وأدنى من القدس) حين يرمز للعدو الصهيوني بالريح التي شوهت وعد الإله بقوله:

ويحك يا ريح
كيف تمكنت مني
وحملتني وزر تلك الخرافة
وعد الإله المشوه زورا
وهو يجعل الصهيوني قابيل والفلسطيني هابيل، ويأمل أن يأتي غراب يهدي قابيل لدفن أخيه: فهل من غراب شقي نقي تقي
جميل نبيل على هذه الأرض
حتى يواري التراب رفات القتيل

وأما سليمان العاشق، فهو عاشق واقعي شبق، لا يهيم بالمرأة روحا فقط، بل روحا وجسدا، فالشهوة المشوبة بالحب وليس الشهوة الحيوانية هي التي تتحكم في أخيلته وصوره، ويبدو هذا واضحا في قصيدته (إليها في علوها الملكي) فالقصيدة تنضح بالصور الرائعة وهو يبدو في قمة نشوته وإعجابه بالمرأة عندما يقول:

إلهي
فكيف جمعت على شفتيها النبيذيتين
رضاب النعيم المصفى
ونار الجحيم

إنه يجعل جسد المرأة والرجل جسدا متوحدا واحدا إلى درجة أنه يخلط بين ضمير المتكلم والمخاطب، وهي حيلة فنية رائعة للتعبير عن مدى الاندماج بين الروحين والجسدين عندما يقول:

أوزع روحي على جسدين قريبين وفي البعد حد التوحد
يا جسدي النرجسي لماذا تبرأت مني
لتسكن فيها وتسكن فيك

الموسيقى الشعرية:

جمع الشاعر بين الموسيقى الخارجية والموسيقى الداخلية في القصيدة، فقصيدته تعتمد على وحدة التفعيلة:

فكيف أعاتب فيك الرخام
وكيف أعاند فيك الغمام
وأسلم مائي لشاطئ عريك

وأما الموسيقى الداخلية فتقود إلى صدى تكرار بعض الألفاظ، وتقود أحيانا إلى القافية كقوله وأن تتبدد، أن تتجدد
بين الحريق وبين البريق وبين الرحيق وبين الشهيق

إن هذا الديوان يستحق الدراسة المستفيضة بالفعل، فنحن بحاجة إلى بحث التناص ودلالاته، ومعجم الشاعر اللغوي وصوره وأخيلته وموسيقاه، وهذا لا يمكن أن يلم به ملمّ في هذه العجالة، فالديوان على قلة صفحاته غني غني غنيّ، وشاعره رهيب رهيب رهيب رهيب. على طريقة سليمان دغش.

أمّا عبد الله دعيس فقد قال:

يحاول سليمان دغش في هذا الديوان أن يطوع النرجس؛ ليكون رمزا واسع الدلالة. فالنرجس الذي يرمز به في كثير من الأحيان إلى الأنانية والغرور، هو أيضا يدل على الخيال، وهو رمز للانكسار، فزهرة النرجس تتدلى منكسرة رغم جمالها الأخاذ. وإن كان محمود درويش قد جعل للنرجس مأساة في قصيدته (مأساة النرجس ملهاة الفضة) والتي تمجد بحث الفلسطينيين عن الحرية في انتفاضتهم ضد الظلم والاستبداد، فقد جعل سليمان دغش للنرجس سفرا زاخرا بالمعاني.
يبحث الشاعر في هذا الديوان عن الحرية والانعتاق من القيود. وهو يعلم تمام المعرفة أن التحرر لا يمكن أن ينال إلا بعد الاصطلاء بنار الظلم والجور، وأن البحث عن الحرية قد يقود إلى التهلكة أحيانا. لذلك فإننا نراه في معظم قصائده يكرر نفس الرمز: ألا وهو تلك الفراشة التي تتوق إلى الضوء وتطوف حوله بنهم، تنجذب إليه، تعاني من حرارته، لكنها لا تغادره. وهذا الضوء لا يلبث أن يحرقها إن اقتربت منه أكثر مما ينبغي.

ويقوده بحثه عن الحرية إلى الحديث عن حرية وطن وحرية أمّة، لكنه ما يلبث أن ينحدر للبحث عن حرية بالتمتع بجسد امرأة. وبين حريتين، الفارق بينهما شاسع، تلتبس الشاعر حيرة وشك وضياع بين المقدس والخطيئة ويقع في مأزق لا يستطيع الخروج منه، فنراه يراوح بينهما حتى في ترتيب قصائده.

يسيطر الخيال على الشاعر ويعيش فيه. ويستخدم رمز المرآة كثيرا للدلالة على أن ما يبدو في قصائده ما هي إلا صورة تتلاشى عند انحصار الضوء. وهو يشعر بالغربة وحيدا، يسهر وحيدا في ليلة موحشة، فيحاول أن ينعتق من غلال وحدته ووحشته، فيسرح في خياله بجسد امرأة ويجيد في وصفها وتجسيد وصالها. لكن هذا الخيال ما يلبث أن يتلاشى بعيدا لتتوق نفسه لحرية من نوع آخر هي حرية لوطن وأمّة.

لذلك نرى الشاعر يفتتح ديوانه بقصيدة (رؤيا محمد البوعزيزي) فيمجد أبواب الحرية التي افتتحها البوعزيزي بشهادته، فجعلت روح الحرية تدب في أوصال بلاد العرب، وتنتشي القدس استبشارا بفتح قادم. ويبدع الشاعر هنا باستخدام الرمز باستحضاره قصة يوسف عليه السلام الذي انعتق من ظلمة السجن ليقود أمة، ويسقطها على الواقع الذي أحدثه استشهاد البوعزيزي، والروح الجديدة التي دبّت في أمة العرب. ثم ما يلبث الشاعر أن ينتقل إلى قصيدة (نرجس الروح صباح الجسد) فيسرح بحرية تمكنه من جسد امرأة في عتمة الليل. ثم ما يلبث أن ينعتق من خياله هذا إلى خيال آخر في طنجة، وعلى بوابة الأندلس يسترجع أياما كانت فيها الأمة عزيزة تدق أبواب الآخرين؛ لتهديهم حرية من عندها. ويقارن نفسه في توهجها الروحي على أبواب الأندلس مع ضعفها الفطري أمام امرأة فاتنة، فيدرك الفرق، ويعلنها للملأ قائلا (وكأني لست أنا). ثم يناجي زهر الياسمين في دمشق متمنيا أن يعود لبياضه المعتاد، حرية ينعم بها أهل الشام. ويخاطب البحر الذي رأى أمما تمر به وطغاة يخوضون عبابه ثم يتلاشون في غياهب التاريخ، ويبقى البحر هادرا. فالحق راسخ، أما الزبد فما يلبث أن يزول.

والقصائد في هذا الديوان سلسة عذبة، ذات موسيقى رائعة وجرس يهز القلب والوجدان. ويستخدم الشاعر الكثير من الرموز والصور الجميلة، لكنه يلح على استخدام نفس الصور مرة بعد مرة، فيكررها في كثير من القصائد وبنفس الطريقة، مثل: رمز الفراشة والمرآة والماء والنورس.
أعجبني حضور النص القرآني في كثير من قصائده، فهو يستعير كثيرا من رموزه من قصص القرآن الكريم، مثل قصة آدم عليه السلام، وقصة قابيل والغراب الذي وارى سوءة أخيه. وهذا يدل على أصالته وانتمائه وصلته الوثيقة بثقافة أمته.
ومن أجمل ما قرأت في هذا الديوان قصيدة (أمّ الشهيد) والتي تخاطب فيها الأم ولدها الشهيد بلغة جميلة عذبة مؤثرة جدا:

الآن أكملت القصيدة
ومضيت للعلياء قديسا وقداسا
وقدسا تمنح الإسراء مفتاحا
وللمعراج بوصلة لعودتك الأكيدة
لست أدري
هل نقصت أنا بموتك
أم ترى اكتملت بموتك رؤيتي
ما عدت أمك يا حبيبي
صرت أمتك المجيدة
الآن تكتمل القصيدة

هنا تبدو الحرية واضحة جلية، تلك الحرية التي نسقيها من دمائنا؛ فتزهر مبتهجة. لا مكان للنرجس المنكسر هنا. هنا الشموخ والعظمة، هنا الحرية الأكيدة، حرية تقودنا إلى العلياء ولا تنحدر بنا إلى سفاسف الرذيلة.

وقال راتب حمد:

- يفتح الشاعر شرفة للروح و الحلم البعيد ، ليحلق بالافق البعيد، ولكنه يصطدم بأن البلاد قد ضاقت بالبلاد، و أن النيل اختلط بالفرات، والمحيط مع الخليج قد أصبح سرابا؛ لأننا نعيش حالة قد أصبحت حلما صعبا، و لكنه ما زال يحمل الأمل؛ ليقول أن الحياة بمعناها وحريتها

أصالتها تبدأ من هنا من القدس " إن القدس تفتح كل بواباتها للشمس / شمس الحرية "
صفحة 11، ويبقي على الامل بأننا " ربما لم نفهم الرؤيا و لم نحفظ كتاب" ص12
يركز الشاعر الشاعر في ديوانه على المواجهة / و يظهر ذلك في قصائد الديوان من خلال ذكر المرايا / مرايا الانتظار ص10 واختفاء المرايا ص 16 / احتمال المرايا ص 26 / شتات المرايا ص30 / كم خدعتني المرايا ص33 / وأجمل سر ببال المرايا ص43 / وعلى وجع المرايا ص59 / و فوق مرايا النرجس في ركبتها ص76
و لا أدري يريد أن يضيعنا في مقابلة المرايا ليرى كل فرد فينا أمام مرآة الحقيقة
يظهر الشاعر قدرته على التعامل مع الاحداث التاريخية، والوطنية والسياسية والمكانية، فهو يذكر القدس، والنيل والفرات والمحيط والخليج؛ ليقول لنا أنه يعرف كل مواصفات وطننا العربي، و يقترب من الدين ليذكر الفدروس العلّي والجحيم الشيطاني.

أغرب ما وجدت في الديوان التكرار للتغزل والترنم بالسّرّة. وقد وردت بشكل لافت للنظر وكأني بالشاعر يريد قولا جديدا بجرأة / يقول
- حول سرّتك المشتهاه ص59
- يسرق نون سرّتها ص63
- على ماسة سرّتها ص 79
- تجرح الريح سرّتها ص82
- وجمرا حول سرّتها ص138
- ويأخذني المد الى شاطى سرتها العذراء ص146
ينوع الشاعر في قصائده فتارة تجده في عالم نزار قباني، غزل جريء و قدرة عاى تطويع اللغة الجميلة بموسيقى وجرسٍ شعري رائع في أغلب القصائد، و تارة يكتب ليكون هو سليمان دغش، يقارب بين القديم والحديث ليرسم لنا لوحة رائعة بألوان إبداعية تتزين فيها قصائد الديوان.
* وأخيرا ملاحظة لا بد منها وإن كانت ايجابية تعني التأكيد على المعاني، و لكنني وجدتها قد زادت عن الحد وهي التكرار بدءاً بالاهداء
- شهقة شهقة
- لآخر آخر الشروق
- تتلاشى رويدا رويدا ص16
- فلا تتركني و حيدا و حيدا ص21
- حتى أحبك اكثر اكثر ص43
- قلبي الصغير الصغير ص43
وغيرها الكثير.
وأختم القول باجمل ما قرأت قصيدة " أمّ الشهيد " لست أدري ولكني كنت بحاجة أن اقرأ فكانت و جعي و ألمي، و كم سنرددها في أعراس الشهداء في مسيرة الحرية.
وفي النهاية شكر الشاعر دغش الندوة، واعتبرها صرحا ثقافيا هامّا في المدينة المقدسة، كما قدمت الندوة درعها التقديري للشاعر دغش.