العائد

، بقلم حوا بطواش

كنت في طريق عودتي في ذلك اليوم من مكان عملي الى البيت، أسير وأنا أستحث الخطى الى سيارتي في موقف السيارات القريب، حين اصطدمتُ، فجأة، برجل!

كان الطقس باردا جدا والشارع يزدحم بالناس، رائحين، مستعجلين، بردانين. سقطَت أوراق كثيرة من حقيبة الرجل جراء الاصطدام.

"عفوا." اعتذرت منه وقد زاد من شعوري بالأسف أن بدا لي الرجل مهما من مظهره. انحنيتُ ولملمتُ الأوراق من الأرض بعجل وسلمتُه إياها.

"آسفة حقا." اعتذرتُ له مرة أخرى وتملكني شعور بالحرج والارتباك. ثم نقلت نظري الى المرأة الحسناء التي وقفَت بجانبه، شقراء، طويلة، أنيقة، فاتنة. بدت أجنبية. لمحتُ في نظراتها مقدارا كبيرا من الاستياء، أم أنه الازدراء؟؟! لم تقل شيئا.

"لا بأس". قال الرجل بشيء من القهر، مطّ طرف شفته اليسرى، أعاد أوراقه الى الحقيبة ثم استدار للذهاب.
أمطار مباغتة بدأت تهطل بغزارة. رعد، برق، ليل، ضباب يغلف المدينة. كنت قد خطوتُ خطوتين أو ثلاث... حين فجأة... توقفتُ... وتوقفتْ معي دقاتُ قلبي.

ألقيتُ نظرة الى الوراء. وجدته جامدا، لا يبرح مكانه. تأمّل نحوي بنظرة صامتة، والحسناء التي بجانبه تتأمل وجهه بنظرة تعجب بالغة. تقزز مرير سرى في عروقي.

انتابني إحساس غريب، خانق، إذ التقَت أعيننا، وبمخيلتي تدافعت صور كثيرة من الماضي كحبات المطر، تنبشُ هواجس الماضي المدفونة في قبر الذكريات، فتراءت لي ابتسامته المستهترة، التي طالما اضطربت لها نفسي، وشعرتُ بسخرية القدر.

مراد علي، الرجل الذي طالما راودني في أحلامي، خدّرني، بعثرَني، أرّقني وأفقدني صوابي. وقفتُ أتأمله طويلا. كان مظهره يدلّ حقا على تبدل حاله. سترته أنيقة، سوداء، فاحمة، فوق قميص ناصع البياض، حول عنقه ربطة حمراء، وفي فمه غليون طويل، فاخر، شدّ منه نفسا طويلا ثم أبعده لينفث الدخان ببطء متعمّدٍ، متباهٍ.

عادت بي ذاكرتي خمسة عشر عاما الى الوراء وتراءى لي ذلك الشاب الجميل، الجذاب، زميلي على مقاعد الدراسة، الحبيب في مكامن القلب. سخرتُ من حماقتي إذ راودتني صورتي وأنا أتسلل من البيت خلسة، أخرج الى البرد والرعد والمطر، أركض إليه تحت رشق الأمطار ولسعة البرد وظلمة الليل، الى غرفته الصغيرة، الفقيرة، وأحتمي في صدره، فيحتضنني بحرارة تذوّب جبلا من الثلوج، يغمرنا الفرح، تتدفق بيننا سيولٌ من العواطف الجياشة، ونبقى معا في غمرة أحاسيسنا، نراقب المطر والمدينة الى انبلاج الفجر. ثم أعود الى بيتي قبل استيقاظ الجميع، وأتسلل الى غرفتي دون أن يحسّ أحد، كأن شيئا لم يكن.

كنت مراهقة ملهوفة تدفعني نحو هذا الرجل قوة غريبة ومجنونة. لم يخامِرني القلق ولا راودني الخوف. كنت أفعل ما يحلو لي، أمتثل لما تملي عليّ رغبتي دون تردد أو تحسب أو تفكير.

كم أحببته وصدقت وعودَه! وكم توسّلته كي يخطفني من عالمي التعيس، عالم الثراء الزائف والمقام الرفيع، من وحشة وحدتي، ولكنه لم يجرؤ، فهو لم يملك شيئا ليخطفني إليه. كان شابا فقيرا جاء من إحدى القرى النائية في شمال البلاد ليدرس التجارة والاقتصاد في الجامعة. كان يسكن في غرفة صغيرة يستأجرها، يدرس ويعمل وبالكاد يجد شيئا يقي به جسده من برد الشتاء، ولكنه كان طالبا مجتهدا يتدثر بطموحات وأحلام كبيرة.

ثم فجأة... اختفى. قرر السفر الى البعيد الذي سيمكنه من تحقيق ذاته، فانقطعت عني أخباره. سنوات مرّت دون أن أسمع منه شيئا او أعرف أين هو؟ وماذا يفعل؟ وهل ما زال يفكر بي كما أفكر وأحلم به؟ لم أسمع منه أي شيء. اختفى هكذا وكأنه بلا عودة.

كم جلستُ وحدي أسائل الليل عنه وأنا لعوده في انتظار، وكم صرخ قلبي باسمه وأنا يذبحني الحنين. قال سيغيب عاما أو عامين، ومرت أعوام طويلة ولم يعُد كما قال.

ويا ليته لم يعُد.

تلك اللحظات القصيرة، الخاطفة، لم أكن أتوقع أنها ستوقظ بي عالما كنت أظنه منسيا، ورغبات مدفونة في أعمق الأعماق. انتفض قلبي في داخل صدري، تسارعت دقاته، تخبطت، وتدفقت بدمي موجة غامرة بالاشتياق.
"ماذا هناك؟" سمعتُ الحسناء التي بجانبه تسأله بالإنكليزية. ثم التفتت إليّ برهة والدهشة تلتمع في عينيها، وما لبثت أن عادت إليه. "من هذه؟" سألته.

"لا أعرف." رد وذهب معها.