مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب !! (١١)

، بقلم رواء الجصاني

46- الجواهري رئيس لجمهورية العراق

في النصف الاول من الثمانينات الماضية، ينشر ديفيد هيرست، المتابع المتخصص بشؤون الشرق الاوسط، في صحيفة "الهيرالد تربيون" الشهيرة، ان الرجل الانسب لزعامة العراق هو محمد مهدي الجواهري. فهو من الاكثرية الشيعية، ومقبول من السنة، لانه بعيد عن الطائفية بالمطلق. كما انه ليبرالي في افكاره عموماً، ودون ان يتحزب أويتعصب .... فضلا عن رموزيته ورصيده الشعبي الذي لا يجادل فيه احد.

وهكذا يقوم عبد الاله النعيمي، بترجمة المقالة/ المتابعة، ويطلع الجواهري عليها، ويزيد ذلك من انتشائه الشخصي اولا، ومن الافتخار اكثر فأكثر بمكانته الوطنية وتاريخه الثري. وفي تلكم الفترة يكون في براغ- زائرا او مقيما لفترة قصيرة- عامر عبد الله، الشخصية الوطنية، والشيوعية البارزة، فيدعوه الجواهري، مع اصدقاء مقربين. وأشهد ان المحور الرئيس في تلكم الجلسة المسائية كان ما نشرته "الهيرالد تربيون". وما بين المزاح والجد والمناكدات، يصر الجواهري وكأن الامر قد حُسم، بانه لن يقبل الا ان يكون رئيساً للجمهورية بصلاحيات تنفيذية، وليس "بروتوكولياً" ولن يرضى باية تدخلات في مهامه، من اي كان، موجها الحديث بشكل مباشر لعامر عبد الله، والذي لم يكف هو الاخر من المنابزة والمناكدة، وضمن الاجواء الودية التي سادت في الجلسة.

47- الجواهري في ليبيـــا

بعد تردد طويل، قبل الجواهري دعوة رسمية لزيارة ليبيا، عام 1988 وتوجه اليها من براغ، وسعى لكي يقنعني ان اكون معه، دون جدوى، خاصة واني كنت في "الجماهيرية" قبل ذلكم التاريخ بفترة وجيزة... وعشية السفر طلب مني مجموعة دواوينه، ليقدمها هناك هدية، فتمنعت، حتى بعتها له بمئة دولار، وكنت حصلت عليها مجانا منه
... المهم ان السفرة كانت- لولا الجلسة التي نظمها له العراقيون في طرابلس- "ما تسوه" على حد تعبيرالجواهري. وحتى اللقاءات الرسمية، وبضمنها مع الرئيس معمر القذافي، لم تكن منظمة.... كما انه لم يَكتب عن الزيارة لا شعرا ولا نثرا، برغم منحه وساماً رفيعاً هناك . ثم تأزمت الحال أكثر حين لم يفِ المسؤولون الثقافيون في ليبيا، باتمام مشروع طرحوه عليه، وحصلوا على موافقته، وكان يشمل اعادة طباعة ديوانه العامر.

وبالمناسبة يختلط الامر لدى البعض، بشأن القصيدة الميمية التي كتبها الشاعر الخالد عام 1986 غاضبا من الغارة الاميركية على العاصمة الليبية- طرابلس، ويتصورونها ذات صلة بزيارته التي نؤرخ لها، والتي تمت عام 1988 كما سبق القول .

48- سطورعن عبد العزيز الجواهــــري

في النصف الثاني من الثمانينات الماضية يزور محمد سعيد الطريحي، دمشق، وينقل معلومة توثق وفاة شقيق الجواهري الاكبر: الشيخ عبد العزيز، الفقيه والشاعر، والباحث البارز، المهاجر الى ايران منذ عشرينات القرن الماضي. ويتأثر الشاعر الخالد، ويعتكف ساعات، ولا بدّ انه استذكر خلالها ايام الطفولة والصبا والشباب وما بعدها.

لقد كتب الجواهري عن شقيقه عبد العزيز، في الجزء الاول من ذكرياته، الصادر في دمشق عام 1989 ... كما كان يستذكره بالخير والمودة، والتقدير البالغ، في مختلف الجلسات البيتية، وغيرها، ليس كأخ أكبر وحسب، بل وأعترافاً بتعلمه منه، وبأدبه وشعره، ودوره في ولاية العائلة ورعايتها بعد رحيل الوالد الشيخ عبد الحسين.

وبالمناسبة فمن أهم ابداعات عبد العزيز، الادبية والبحثية، إتمامه لسبعة مجلدات فخمة، حملت عنوان "جواهر الاثــار" شملت الترجمة، شعرا، من الفارسية للعربية، فضلا عن التحقيق والتلخيص لـبعض منجز " مثنوي"- محمد جلال الدين الرومي. وأمامي الان الجزء السادس من تلكم المجلدات، أهداني اياه عبد العزيز، شخصيا، حين كنت بضيافته، برفقة أخته نبيهة، في طهران وكرمان شاه، خلال تموز 1968. وقد كدت أن اكون صهره لولا ان فازت بي، نسرين وصفي طاهر!!.

49- الجواهري ومظفر النواب

يحدث ان يسهر الجواهري في براغ، عام 1970 مع الشاعر، والرسام، الضيف: مظفر النواب، الذي يُبهر باحدى حسان التشيك، ويسعى للتقرب منها بذريعة رغبته قي رسمها، ولكنها كانت "العليمة بابن آوى إذ تحلق للغراب" بحسب تعبير الجواهري، والذي يصف لنا في التالى ،الحكاية شعراً، مع التنويه الى اننا حذفنا كلمتين من النص ، خشية معترضين لهذا السبب أو ذاك ، حقاً أو باطلا:

وقال مظفر النواب يوماً لفاتنة من الغيد الحسان ِ
من التشيك اللواتي لست تدري بهن المحصنات من الزواني:
هلمي ارسمتك غداً، فقالت : غداة غدٍ وفي المقهى الفلاني
فقال بمرسمي حيث استقامت من الرسم المعاني والمباني
فقالت لا، ومن اعطاك ذهناً وعلمك التفنن في البيان
اداة الرسم تحملها سلاحاً ".............." مشحوذ السنان
ولكن كل ما تبغيه مني، خفوت الضوء، في ضنك المكان

ومما رواه لي الجواهري ان مظفر النواب التقاه خلال زيارته الى ليبيا عام 1988 وعاتبه على استعارة اسم "محمد المصباح" بدلا من اسمه، في الابيات اعلاه والمنشورة في طبعات الديوان حتى ذلك التاريخ، تحت عنوان" فاتنة ورسام". ومن بعدها فقط أفصح الجواهري: ان "محمد المصباح" هو" مظفر النواب" وذلك ما صُحح في طبعة بيروت عام 2000 .
وللحديث صلة، في الحلقة الثانية عشرة


رواء الجصاني

باحث عراقي

من نفس المؤلف