رواية"السلك"والتراجيديا الفلسطينية

، بقلم جميل السلحوت

سبق وأن ناقشنا في ندوة اليوم السابع رواية"سجن السجن" للأسير عصمت منصور ابن قرية دير جرير قضاء رام الله، وها نحن نعود لمناقشة روايته"السلك" التي كتبها في سجن عوفر-قرب رام الله- وصدرت في العام 2013 عن منشورات الرصيف للنشر والتوزيع في رام الله بعد تحرّره.

والقارئ للرواية سيجد تطورا ملحوظا ولافتا في أسلوب الكاتب عن روايته الأولى، وهذا يعني أن الكاتب يطوّر أدواته الكتابية بشكل متصاعد.

ورواية السّلك استمدّت اسمها من السّلك الحدودي الذي يرسم حدود ما يسمّى بالخط الأخضر، عمّا تبقى من فلسطين بعد النكبة الأولى في العام 1948، والمعروف باسم الضفة الغربية وقطاع غزة.

وهذه الرواية تأخذ عدّة جوانب من معاناة الفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة، خصوصا بعد انقلاب حماس واقامتها لإمارتها في القطاع الذي يعاني الحصار الشديد منذ ذلك التاريخ. وقد ارتأى الكاتب أن يكون السرد في الرواية على لسان بطلها الرئيس"وليد"بضمير "الأنا" وهذا أضفى على أحداث الرواية مصداقية وحميمية عالية، خصوصا وأن "الكثير من أحداث هذه الرواية مستوحاة من تجارب واقعية، تخص أشخاصا حقيقيين، قاموا بسرد مقاطع من سيرتهم الذاتية وذكرياتهم الحميمة، لتشكل جميعها خلفية هذه الرواية"ص134. ومع ذلك فالرواية ليست تسجيلية، وان ارتكزت على أحداث حقيقية، فأسلوب الكاتب صاغها في قالب واحد ومتداخل، لينقل معاناة عدّة أشخاص كنموذج للمأساة الفلسطينية التي تتلاحق يوما بعد يوم، بل وتزداد تعقيدا، وتأخذ أشكالا متعدّدة ومتداخلة ومتشابكة، وكأنّي بالرواية تطلق صرخة مدوية ترتكز في قاعدتها على بحث الفلسطيني عن رغيف الخبز المرّ، وما يكلفه ذلك من دماء وعذابات وسجن وتعذيب. فالسّلك "الحدودي"الذي كان الفلسطينيّ اللاجئ يحلم باجتيازه ليعود الى دياره التي شرّد منها في النكبة الأولى، أصبح حاجزا قاتلا يحلم ويعمل على اجتيازه بحثا عن رغيف الخبز، خصوصا بعد انفصال قطاع غزة، وما ترتب على ذلك من حصار تجويعي شارك فيه العالم جميعه. حتى أن الخروج من جحيم القطاع المحاصر أصبح أمنية للكثيرين بعد أن ضاقت بهم السبل، ومن يستطيع اجتيازه فانه يتعرض للاعتقال والتعذيب والسجن، واعادته من حيث أتي اذا ما نجا بحياته، واذا ما نجح باجتيازه فانه سيتعرض الى النصب والاحتيال، وربما على أيدي العملاء الذي ارتضوا خيانة شعبهم ووطنهم. حتى وصول أبناء قطاع غزة الى الضّفة الغربية المحتلة بوساطة التصاريح على قلّتها وصعوبة الحصول عليها، كانت تتبعه مشاكل تحول دون استمرارية اقامتهم فيها، فمجرد ارتكاب واحد من أبناء القطاع لجنحة معينة في مكان اقامتهم، يعتبر سببا كافيا ليكونوا جميعهم متهمين، وليتعرضوا لشنّ حملات عليهم تجبرهم على مغادرة المنطقة، مثلما حصل مع وليد في طولكرم، حيث هرب من طولكرم الى الرملة.

وتتطرق الرواية الى قضية الأنفاق التي حفرت بعد الحصار لتربط القطاع مع الجانب المصري، حيث يتم تهريب البضائع والأسلحة وحتى المخدرات عبر هذه الأنفاق، وأن التحالف القائم بين أصحاب الأنفاق وبين الحكومة المقالة في قطاع غزة، هو على حساب أبناء القطاع، مع أنه يتدثر بلباس ديني" نور على نور" والحديث عن تقوى الله وغير ذلك، لكنه ومع ذلك يتم فيه استغلال العاملين في هذه الأنفاق، حيث خسر الكثيرون منهم حيواتهم، أو لحقت بهم اعاقات وتشوهات، فهم بين عدة نيران، فالطيران الاسرئيلي يقصف الأنفاق من الجوّ، وانهيار الرمال والتربة أثناء الحفر أو بعده، ونقص الاكسجين في الانفاق، وما يترتب على ذلك من أمراض لمن ينجو بحياته.

وللمرأة معاناتها هي الأخرى، فأم وليد استشهد ابنها الطفل أحمد، وأصيب ابنها رفيق باعاقة شلّت نصفه السفلي، وزوجها أصيب بالجنون، ونتالي ابنة يافا كانت مستلبة قوميا وجسديا، وتعيش في متاهة.

ويظهر في الرواية تكامل البناء الروائي فيها، ومنطقية ربط أحداثها مع كثرتها ببعضها البعض، وجزالة لغتها، وحبّذا لو أنها خلت من بعض الأخطاء النحوية واللغوية والمطبعية.

والقارئ لهذه الرواية سيجد نفسه أمام ملحمة تراجيدية ترسم معاناة شعب، والعهر السياسي في هذه المرحلة من حياة الشعب الفلسطيني.