التأثيرات الطائفية والدينية على الخطاب الثقافي

، بقلم عادل عامر

تتميز البنيتان.. الفكرية بالنسبة للمذاهب والاجتماعية بالنسبة للطوائف، في هذه الحقبة، بسمات خاصة، تختلف عن الحقبة التي سبقتها، والخلط بين الاثنتين هو أحد أكبر الأخطاء في الدراسات السوسيو أنثروبولوجية عن الطوائف؛ فالطوائف في الحقب الماضية، جزء من التنظيم الاجتماعي، وفكرها امتداد نابع من الأيديولوجيا الدينية السائدة، وهي لذلك تعتبر “طبيعية” بمعنى اتساقها مع البنى السياسية والاجتماعية والثقافية، اللامركزية، بتعدّدها وعزلتها عن البعض. الظاهرة المدروسة هي نتاج عوامل عدة: سياسية (النظام السياسي) واقتصادية وثقافية وأيديولوجية ومؤسساتية… إلخ، أي انها نتاج علاقة الدولة الحديثة بمجتمعها المتعدّد، وتأزم هذه العلاقة، وما نجم عنه من تمييز وعسف وإفراغ المجتمع، فاتحاً المجال لتسييس الهويات الثقافية للطوائف، بل (أحياناً) عسكرتها (العنف السياسي) الطائفية تختلف جذرياً عن الطائفة؛ لأن الأخيرة هي تكوين تاريخي وامتداد اجتماعي وإرث طقوسي تواصل عبر اجتهادات فقهية ومواقف نظرية وعملية، اختلط فيها ما هو صحيح ومنفتح، بما هو خاطئ وانعزالي أحياناً، لكنها تكوين أصيل وموجود وتطور طبيعي، وليس أمراً ملفقاً أو مصنوعاً، بينما الطائفية: توجّه سياسي يسعى إلى امتيازات أو مكافآت باسم الطائفة أو ادعاء تمثيلها أو إثبات تميزها عن الطوائف الأخرى، حتى إن كان بعضها فقهياً أو شكلياً، وأحياناً مفتعلاً نفعيا يظهر من خلال ذلك أن الطائفية السياسية تنتمي إلى الطائفة كوحدة إنسانية واجتماعية وسياسية، ولا علاقة لها بالمذهب أو التمذهب، لأنها مفرغة – في حقيقتها – من الأبعاد العقائدية والفكرية والفقهية، لكن السلطات تستثمر هذه الأبعاد وفقاً للحاجة، بغية تحقيق أهداف سياسية. التدخل الاجنبي، غذى الطائفية، وفق سياسة “فرّق تسد” كنوع من حرب إستباقية شنها قبل الدخول للعراق في 9 نيسان 2003؛ لأن الشرق الأوسط المسلم المتحد، يكوّن الخطر الوحيد على مستقبل أوروبا، وهذا ما يؤكده المبشر لورانس براون: « يجب ان يبقى المسلمون متفرقين، ليبقوا بلا قوة ولا تأثير».نظرية صراع الحضارات، عززت هذه المخاوف؛ ما استوجب وضع خطة من أجل تأجيج الصراع الطائفي والصراعات الفئوية على أنواعها؛ لتعميق الانقسامات والتجزئة في العالم الإسلامي؛ فتحولت الطائفية وأخواتها إلى نظام تقسيم وفتنة ضد القومية وكل اتجاه وحدوي. على سبيل المثال الطائفية في لبنان، أصبحت نظاماً شمولياً يعم البنى السياسية والاجتماعية والثقافية ان قراءة مقارنة بسيطة بين قناتي (الحرة عراق ) وقناة (العراقية)، والقناتان يمولههما ويرسم سياساتهما ادارة الاحتلال الامريكي نستطيع تمييز مجموعة من الفروق التالية التي تميز سياسة كل منهما ومستوى الجهة التي تخاطبها، رغم وحدة الهدف التي تجمع خطابيهما:
اولا – ففي حين نجد تخصص قناة (العراقية) – كقناة تعبر عن وجهة نظر الحكومة – في مخاطبة كافة شرائح المجتمع وبالصيغ الترويجية المباشرة (نصحية، وعظية)، نجد قناة الحرة عراق تختص بخطاب الشرائح المثقفة او النخب، وبأسلوب العرض المدسوس او المبطن، وعبر سلسة من البرامج الهادفة (في ظاهرها على الاقل).

ثانينا – اعتماد قناة العراقية على كوادر عراقية، على مستوى الاعداد والتنفيذ، على فرض انهم ادرى بنفسية وطرق تفكير ابناء جلدتهم.. في حين تعتمد قناة الحرة عراق على ادارة متخصصة من قبل ادرة الاحتلال على مستوى الاعداد وجزء من التنفيذ، وهم في الاعم الاغلب من العرب الحاملين للجنسية الامريكية.

ثالثا – عمومية خطاب قناة الحرة عراق الى كافة العراقيين.. في حين خضوع خطاب وتوجه قناة العراقية للوجهة الطائفية للكتلة الاكبر في تشكيلة الحكومة.

رابعا – تدني مستوى البرامج وصيغة خطاب وطريقة طرح قناة العراقية، شكلا ومضمونا، على مستوى الطرح والمعالجة،بسبب عدم اعتمادها على كوادر متخصصة، ولخضوع ادارتها وتعيين كوادرها لهيمنة الاحزاب والقوى التي تمثل كتلة الائتلاف الموحد، الكتلة الاكبر في الحكومة والبرلمان، وعلى اساس الولاءات الحزبية والطائفية وليس على اساس الكفاءة المهنية.. في حين تعتمد قناة الحرة عراق على المعايير المهنية والكفاءة السخصية فب اختيار كوادرها، الامر الذي هيأ لها وسائل متعددة لادغام او تقنيع اهداف خطابها ومراميه ووفق سياسات اعلامية محكمة.

ومن خلال هذه العجالة المقارنة نستطيع تحديد اهم اسباب نفور شرائح واسعة من الشارع العراقي الا وهو توجهها الطائفي واتهامها بعدم المصداقية لخطابها الترويجي والتطبيلي لاركان الفصيل الاقوى في تشكيلة الحكومة الحالية. في نجد ان هناك نوعا من القبول والاقبال على قناة الحرة عراق لتجاوزها لتلك المعوقات واعتمادها الاسلوب المبطن في الطرح والتوصيل.

لتيارات الاصولية اتجاهات فكرية وسياسية وآيديولوجية متزمتة ومتعصبة ومنغلقة على نفسها وتقاوم رياح الانفتاح والتغيير ومحاولات التكيف والاندماج مع متطلبات العصر، وهي تيارات مراوغة وخبيثة تشدد على فرادتها وضرورة تسيدها انطلاقا من مقولات بالية واساطير التوقيع مع الأئمة الصالحين صكوك الخلاص والعهد الابدي في الحكم وفق التعاليم الطائفية بغية تخليص الشعب العراقي من الشرور ! يا للحماقة...

الاحزاب المتأسلمة – الطائفية العراقية في اصوليتها تسعى للتعبئة الطائفية بحجة حماية الطائفة ومنع اندماجها في المجتمع العراقي، وتتذرع بالحجج بغية حماية الهوية الطائفية تارة والاسلامية تارة والخصوصية الدينية والثقافية لجماعاتها تارة... واخطر مافي الامر هو التبعات السياسية المترتبة على مثل هذا الخطاب العقيم ! وهي احزاب تفسر النصوص الدينية على هواها وحسب مصالحها لتستخرج منها خطابها السياسي والتعبوي الذي يسعى السيطرة على المجتمع العراقي وتحويله بالعنف الى مجتمع يتماشى مع مخططاتها ورؤيتها التي لا تختلف عن التوجهات الفاشية والدكتاتورية، ولكن بقناع طائفي هذه المرة !. وتتخوف الاحزاب الطائفية من العلمنة وحقوق الانسان والمواثيق الدولية لأنها غير طائفية !، وبذلك تخسر هذه العصابات الطائفية مصداقيتها في اطار نموذج العصر الحديث والثورة المعلوماتية وعصر الحداثة ومابعد الحداثة.

والواقع إن التجربة التأريخية لمجتمعات العالم الإسلامي بشكل عام ونظيرها العالم العربي على وجه الخصوص، تشير إلى أن هناك مجموعة من العناصر السوسيولوجية والمكونات السيكولوجية، تنتظم فيما بينها – عند حصول الأزمات الاجتماعية الحادة التي تستهدف البنية التحتية للخصية الوطنية – على وفق آليات معينة من المدخلات القيمية والمخرجات السلوكية، لتشكل معادلة حضارية غاية في التعقيد والحساسية، تتكون أطرافها بصورة رئيسية من مخلفات الانتماء الطائفي وما يترتب على معطياته من جهة،

ومحددات الولاء الوطني ومايستلزمه أولويات من جهة أخرى، بحيث إن أي تغيير يطرأ على محمولات هذا الطرف أو ذاك، دون أن يفطن إلى حسابه بدقة ومراقبته بانتباه، فان مردوده السلبي سيكون كارثيا" ليس فقط على سلامة الوحدة الوطنية المجسدة للعلاقات الاجتماعية القائمة على أساس قيم التعايش ومعايير التضايف فحسب، وإنما على توافق الانتماءات الفرعية بكل أنماطها الطائفية والقبلية والأثنية أيضا"، لاسيما وان التداخل بين الحدود والاختلاط بين الفواصل بات من الصعوبة بمكان فصلها أو عزلها الواحدة عن الأخرى دون حصول أضرار سياسية ومضاعفات اجتماعية وإشكالات ثقافية.

ولأغراض الدراسة المقارنة يمكننا اتخاذ المجتمع العراقي كحالة واقعية ملموسة، بعد أن أرهقت كيانه الحروب العبثية، ومزقت نسيجه السياسات الهمجية، للقدر الذي لم يكن بوسع منظماته المدنية أن تبادر إلى تأسيس هوية وطنية عامة تكون بمثابة القاعدة / المرجعية لكافة أطيافه وتياراته، وبالتالي تتيح للجميع فرص الارتقاء بوعيهم التقليدي إلى مستوى إدراك ولائهم الوطني الموحد، الأمر الذي دفع بكب فرد عراقي إلى تلمس سبيل خلاصه بنفسه والبحث عن حقيقة وجوده بمفرده. ولهذا كانت التكوينات الطائفية والقبلية – برغم عجزها عن بلورة مبدأ المواطنة، فضلا" عن تقاطعها مع قيم المجتمع المدني – هي الملاذ الوحيد والملجأ الأخير الذي يؤمن له حاجته المادية كشخص ويعزز ثقته بنفسه كمواطن، مما أستتبع أن تهيمن في وعيه قيم الماضي على الحاضر، وتستبعد هموم الحاضر إزاء انشغالات الماضي. وصار الوضع شبيها" بما وصفه المفكر المغربي ( محمد عابد الجابري ) بقوله (( في ميكانزم الدفاع تلجئ الذات إلى الماضي ونحتمي به لتؤكد من خلاله وبواسطته شخصيتها، ولذلك يعمد الإنسان إلى تضخيمه وتمجيده مادام الخطر الخارجي قائما". أما في ميكانزم النهضة فالإنسان لا يطلب الماضي بذاته بل يختزله في ( أصول ) يعيد إحيائها على صعيد الوعي، بالصورة التي تساعد على تجاوز الماضي والحاضر، على صعيد الوعي كذلك، والانطلاق إلى المستقبل، تفكيرا" وممارسة )). ولهذا نجد إن الطائفة أو القبيلة تتحول ببطئ ولكن باستمرار من حاضنة اجتماعية لتلقين القيم الدينية وغرس المبادئ الأخلاقية، إلى مؤسسة سياسية تتطلع نحو السلطة عن طريق تسييس الدين وتوظيف رموزه في السياسة، الأمر الذي يسوقها – كما لاحظ الكاتب اللبناني جوزيف مغيزل – إلى أن تضع (( بين المواطنين وبين الدولة والوطن تبعية وسيطة، هي التبعية الطائفية. لا تملك، لا بل تضع التبعية الطائفية قبل التبعية الوطنية، وبالنتيجة تحل التبعية الطائفية محل القومية، وبالنهاية يحول ذلك دون بلوغها كجماعة مستوى الوجدان أو الوعي القومي )).


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف