خبز الفداء وسر الحياة بعد الموت

، بقلم فراس حج محمد

تشكل قصة «خبز الفداء» لسميرة عزام مثالا للقصة القصيرة التي رصدت الحالة الفلسطينية إثر النكبة الفلسطينية الأولى عام 1948، وقد جاءت القصة في مجموعتها الثالثة «قصص أخرى» التي صدرت عام 1960، وتحاول القصة تجسيد الفعل الإنساني بحالتيه، حالة القوة المتمثلة في المقاومة وحالة الضعف البشري والصراع من أجل البقاء في ظروف الحرب!

لم تبتعد القصة في موضوعها عما جاء في الأدب الفلسطيني المقاوم من معالجة أوضاع المقاومين على الأرض الفلسطينية بعد استيلاء الحركة الصهيونية على أجزاء من فلسطين عام 1948 وتأسيس دولة إسرائيل، وما بذله الشعب الفلسطيني من تضحيات من أجل التخلص من هذا الخطر الداهم، وخاصة ما جاء في قصص غسان كنفاني ورواياته، ولكن في القصة ما يميزها عن غيرها من عدة اعتبارات فنية وفكرية، وسأحاول فيما يلي التوقف عند العنوان ورمزية سعاد دون الغوص في تفاصيل الأحداث محاولا الكشف عن فكرة الكاتبة ورسالتها الخفية في هذه القصة.

أولا العنوان:

تعنون الكاتبة قصتها بعنوان لافت للنظر وهو "خبز الفداء"، وهذا العنوان يحيل إلى ما هو معروف في المسيحية من تقديس للخبز، وما ورد عن السيد المسيح، إذ ورد في إنجيل يوحنا:

" أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ". ‏فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: "كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟" فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ".

يبدو جليا في هذا المقطع اعتماد الكاتبة على الدلالة الدينية المسيحية للخبز، الذي هو رمز للحياة في الديانة المسيحية، وتناوله هو طقس من الطقوس الاحتفالية في كثير من الأعياد عند المسيحيين، فقد وضح السيد المسيح فداء أتباعه بالأكل من جسده والشرب من دمه، ليتحول المسيح في كل واحد ممن مارسوا هذه الطقوس، فيأتي الخبز وتناوله رمزا يعادل جسد المسيح والخمر معادلا لدمه، وبهذا التفسير بنت سميرة عزام فكرتها في قصة خبز الفداء، وقد ذكرت الكتابة نفسها وألمحت إليه في آخر القصة عندما قالت: "قصة افتداء الحياة بالجسد والدم.. ثم يحمل خبزاتها وبكل الجو الشعائري الذي يقدّم به كاهن كنيسة شرقية خبز للمسيح سيقول لهم: كلوا هذا هو جسدي.. وهذا هو دمي فاشربوا"

ثانيا: سعاد ورمزيتها

بدت سعاد امرأة غير عادية، ورسمت لها سميرة عزام صورة اقتربت فيها من الأسطورية، وأعطتها سمات المسيح في فدائه غيره بجسده ودمائه، امرأة بدت تتمتع بكل سمات السيد المسيح من الحب والعطاء والفداء والتضحية، اقتحمت الأخطار، ولم تهتم بالموت، وأحضرت الخبز للمقاومين، يصيدها رصاص العدو، تتحامل على نفسها، وتصل إلى رامز ورفاقه وهي تنزف، اخترقت كل المخاطر لتؤدي رسالتها، إنها المسيح، وكأنها تقول كما قال "كلو هذا هو جسدي.. وهذا هو دمي فلتشربوا"، لقد نجحت الكتابة في خلق الصدفة المبررة لتصنع هذا المشهد المحرك للمشاعر، فانغمست الخبزات بالدم، وأصبح جزء من سعاد في هذا الخبز الذي سيكون هو الطعام الوحيد لإنقاذ المقاومين من خطر الموت جوعا، إن سميرة عزام هندست كل الأحداث لتكون هذه هي النتيجة الحتمية، "تناول الخبز المغمس بدم سعاد لإنقاذ حياة المقاومين"!
إن في هذا الذي أحدثته سميرة عزام دلالات متعددة؛ فما معنى أن تتحول امرأة إلى مسيح أو ما يشبه المسيح؟ لعله انتصار المرأة للمرأة بطريقة ذكية فنية بعيدة المرمى، ولعل سميرة عزام تريد أن تقول إن المرأة هي حياة الحياة حتى وهي تموت تجعل شيئا منها في الآخرين ليواصلوا العيش، ألم تقل القصة شيئا من ذلك "وسيستقر شيء من سعاد في أحشائه.. شيء منها.. أجل كيف لم يفطن إلى ذلك قبلاً.."، وبهذا تصبح المرأة مثالا للحياة ليست فقط وهي على قيد الحياة بل بعد موتها أيضا، ولذلك تكتسب المرأة معنى مقدسا عاما نجحت القصة في تصويره تصويرا فنيا إبداعيا راقيا بعيدا عن الشعارات الكبرى في الانتصار للمرأة وقضاياها والمقاومة ومشروعيتها ومشروعية النضال الوطني من كلا الجنسين نساء ورجالا.