مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب !! (١٣)

، بقلم رواء الجصاني

54- رسالة من الجواهري الى فاتسلاف هافــل

تحت عنوان "رسالة من أديب الى أديب" وجه الجواهري اوائل عام 1991 سطورا عاجلة الى فاتسلاف هافل، رئيس تشيكو سلوفاكيا، حول شأن شخصي، بعيد عن السياسة والثقافة، لم يحن الحديث عن تفاصيله بعد... وقد قام عبد الاله النعيمي بترجمة الرسالة الى الانجليزية، ولم تمر سوى أيام قليلة وحسب، حتى جرت متابعة الامر من جهة رئيس الجمهورية، وبكل اهتمام .

وأذكر هنا كم تمنى الجواهري ان ترفق مع الرسالة ترجمات ما لشعره الوافر، بالتشيكية، عن براغ واهلها وطبيعتها وحسانها، ولكن دون جدوى، اذ لم تكن هناك اصلاً مثل تلكم الترجمات، برغم ان لفيفاً عراقياً- وعربياً ايضاً- من المثقفين والمترجمين، وبعضهم مشهود له بالقدرة والحرفية، احاط بالشاعر الخالد، ولنحو ثلاثين عاما في براغ، ولكن احداً لم يجهد، بل ولم يفكر- ربما؟- في اختيار وترجمة ولو ابيات معدودات من قصائد الجواهري، الى اللغة التشيكية. ودعونا نتباهى هنا- ولم لا؟؟- باننا في "مركز الجواهري" قد سبقنا الجميع في ذلك، فهيأنا، وساعدنا في ترجمة عدد مقبول، نسبياً، لمقاطع من قصائد الشاعر الخالد، واصدرناها مجموعات، ابتداء من عام 2000 ومن بينها مقتطفات من: "حببــــت الناس كل الناس" و"أطــــلت الشوط من عمري" و"بائعة السمك"و"براها" وغيرهن، أبدع بترجمتها الاديب والمستعرب التشيكي الحاذق: يا رومير هايسكي.

55- الجواهري، وبليغ حمدي وصفوان بهلوان

في احدى مساءات دمشق، أواسط الثمانينات، شهد صالون الجواهري ضجة، وكنت هناك، حين جاء الموسيقار صفوان بهلوان، ملحن الابيات المختارة من قصيدة الشاعر الخالد عن سوريا "شممت تربك لا زلفى ولا ملقا" التي نظمها الشاعر الخالد عام 1978، وأدتها المطربة المتميزة، ميادة الحناوي ...

وخلاصة الحدث التي نعني، هي ان صفوان بهلوان، وكان برفقة مدير عام التلفزيون السوري، فؤاد بلاط ، قال - وفي تصوره انه سيفرِح الجواهري- ان الملحن المصري الشهير بليغ حمدي، قد اعجب بشكل غير اعتيادي، حين سمع لحن وتوزيع موسيقى" شممت تربك" وأكد له – لبهلوان: انك نحتَّ في الصخر! .. وهنا، أكفهرت الجلسة، وقامت قيامة الجواهري، فطلب من" بلاط" اعتبار موافقته على تلحين ابيات قصيدته، وغنائها، ملغاة، وخلاف ذلك، إن لم يستجب لطلبه، فسيغادر دمشق، ولن يعود لها . والسبب انه لا يريد ان يُغنى شعره "الصخـــر" والذي نحته "بهلوان" باعجاب من "بليغ" ... وللقارئ ان يقدر مدى حرج المعنيين، خاصة وان التنويه للاغنية، وموعد بثها قد ملأ وسائل الاعلام . ثم وبعد اعتذارات وتفسيرات، وتدخلات، عدل الجواهري عن غضبه، وبثت "شممت تربك" وكانت بحق، عملاَ واداءً متميزا.

56- الجواهري ووصفي طاهـــر

في خضم الجهد المستمر لجمع ارشيف الجواهــري المتناثر- بكل أسف- هنا وهناك، تسلمت من "فــرزدق" حفيده، من نجله فلاح، رسالة مهمة بعثت بها الى الشاعر الخالد: بلقيس عبد الرحمن، أرملة العميد الشهيد، وصفي طاهر، أحد ابرز المشاركين بتأسيس الجمهورية العراقية الاولى، شملت سطورا مؤثرة، عن بعض وقائع ذات صلة بانقلاب الثامن من شباط ، البعثي الفاشي، عام 1963 ... واذ سننشر عن تلكم الرسالة التاريخية بشكل مفصل في كتاب نجهد على اتمامه قريبا، نستل في التالي سطورا عاجلة مما كتبته بــلقيس:

"لقد نبه ابو نضال "وصفي طاهر" الزعيم عبد الكريم قاسم، ولآلاف المرات، الى خطورة الوضع، وحذره من نتيجة سياسته، ولكنه كان يرد عليه بان الجمهورية قوية، ولا يستطيع حفنة من (الزعاطيط) كما كان يسميهم، القضاء عليها... فيرد عليه ابو نضال نعم (زعاطيط) ولكن وراءهم قوة الاستعمار والطامعين والحاقدين، وانك بسياستك هذه فتحت ثغرات لهم".

.... وللتوثيق ايضا، نعيد الاشارة هنا كما كتبنا عن ذلك في فترة سابقة، ان ثمة علاقة متميزة شدت بين الرجلين: الجواهري ووصفي طاهر، وعبر اكثر من حادثة وحديث، واهمها في السنتين الاوليتين بعد ثورة الرابع عشر من تموز، التي اطاحت بالحكم الملكي في العراق.

57- أهداء ثميــن من الجواهري..

نشرت في فترة سابقة، مادة عن جزأي"ذكرياتي" للجواهري، واجواء كتابتها، وبعض شؤون ذات صلة بها، ومن بينها مساهمتي، وإن الجزئية، في متطلبات اعدادها. وقد صدر الجزء الاول منهما مطلع عام 1989 بطبعتين: أنيقــة وشعبية.. واذ اكون في دمشق في تلك الايام، كان طبيعياَ ان احصل على نسخة، بل واكثر. وأذ بالشاعر الخالد يمانع في ذلك، لاني أعتذرت ان أبقى معه اسبوعا آخر لنعود بعده معاً الى براغ . وأستمر الموقف على حاله، وما باليد حيلة... ثم فاجأني، قبل ساعتين فقط من موعد طائرتي، بنسخة من"ذكرياتي" مهداة الي بهذه الكلمات:
" ولدنا العزيز الموهوب، أهديه اليه مشفوعاً، بصميم حبي، وخالص تمنياتي... خالك المحب، محمد مهدي الجواهري- دمشق في 1989.2.2".

وللحديث صلة، في الحلقة الرابعة عشرة


رواء الجصاني

باحث عراقي

من نفس المؤلف