الموظف الروتيني

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

القاعدة العامة التي تدل على نجاح أي مؤسسة مقدار ما أحرزته من تقدم في مسيرتها، وما حصدته من سمعة ذهنية طيبة في سوق العمل ناتجة عن الرضا الوظيفي الذي يحوم في فضاء المؤسسة، إذ لم تكن تجارب هاندي في الحوافز الوظيفية ومدى تلبيتها لحاجات المرء إلا مداخل قائمة للحصول على الرضا الوظيفي الذي يعتبر من أهم المؤشرات الدالة على تقدم المؤسسة.

بالمقابل، هناك معوقات وتحديات يستقرئها كل منا في مجال عمله تؤدي إلى تراجع في أداء الموظفين عموماً والنشاط الإبداعي بصفة خاصة، لكننا لعوامل محددة لا نجاهر بها.

الإدارة التي لا تفرق بين العمل التقني الروتيني والعمل الإبداعي بلا شك هي إدارة فاسدة، لا تقبل الانفتاح والتطوير لتبقى رهينة علب الماضي، يقبع الأغيار في مقاعدها الأخيرة في الظل، ويعتلي الأغبياء مقاعدها الأولى، وتلتف الحاشية الفاسدة حول مديرها لتميط كل عمل مبتكر وتقدم كل عمل مبتسر، فيضمحل الدور التنويري ويحل محله الدور الروتيني.

وليست الحاشية الفاسدة سوى نتاج قدوة فاسدة، لأنها تتخذ من هذا المدير قدوة لها وأباً روحياً لعملها، وهي التي تفرض استبداد مديرها لها، فلا تمارس إلا أشد أنواع الظلم على نفسها حين تستبد إرادتها وذاتها، وإن مرَّ بها الزمن واستلمت زمام الإدارة لا تمارس إلا ظلماً يفوق ظلم سابقه، فتستشري في المؤسسة أمراض عدة كالنمائم والشائعات، وتجد الحاشية الفاسدة شأنها شأن بلاط معجزات الروائي الفرنسي هيجو، تمارس أمام إدارتها العفة والنزاهة، وتظهر عاهاتها الأخلاقية في غيابها.

ومع الزمن يتحول الموظف المبدع إلى روتيني يتحرك بإرادة مديره لا بإرادته، شأنه شأن أي قطعة ديكور في المكتب، فقد كل إنسانيته، لا يفيد مؤسسته إلا بالبقاء دون التطور، مبرمجاً آماله على انتهاء الدوام وموعد تسلم الراتب، فالتحول من الجميل إلى الأسوأ لا يحتاج إلى منطق والعكس صحيح، هذا التحول الدوني المشوّه نتاج إدارة فاسدة لا تستشرف المستقبل ولا تشعر بقيمة الابتكار، إذ لا تعي أن العمل الإبداعي أثره تراكمي شأنه شأن العلم يؤثر في مدارك الفرد، وقوده الزمن.

من الضروري اجتثاث الإدارة الفاسدة من جذورها، فمن يظن أن المدير المستبد يجلس في منصبه مطمئناً هو مخطئ، إذ إنه أساس للزعزعة، فخوفه يفوق خوف موظفيه لكونه مضى عبر مسيرة طويلة يفقد إنسانيته كي يتبوأ هذا المكان الذي يوفر له كل الأمور المادية التي تريح جسده العضوي وتنخر في سيكولوجيته، كما أن مخاوفه نابعة من يقين بمقدراته المحدودة وثقته المتزعزعة بنفسه إضافة إلى معرفته التامة بما يضمره موظفوه له من كراهية، أما موظفوه فرهابهم ناتج عن جهلهم بمخاوف مديرهم ويقينهم بأن خسارة عمل لن تقتلهم من الجوع، فهم يخافون عن جهل وهو يخاف عن يقين.

بئس إدارة اجتماعاتها تفوق عملها، وبئس إدارة تقصي مبدعيها لخشيتها الجدل، وبئس إدارة تستغل منصبها لتفرض رأيها وما في نيتها غائية الجدل، الأمر الذي يؤدي إلى عرقلة العمل ودفن كل بذرة إبداعية، بدلاً من أن يرتقي بالديالكتيك يكون قد قتله بالفكر النفاجي.