حديث النساء....

، بقلم عبد الجبار الحمدي

دخل غرفة مكتبه، أغلق الباب خلفه، وضع رأسه بين يديه وهو يقول: رحماك ربي اتوسل إليك ان تطيل من حبل صبري فقد قرضته اسنان من اتخذتها رفيقة عمري... لم تنفك تضجرني بمنغصات البيت الذي لم ينقصه شيء وقصص الجيران، حتى باتت مثل صندوق الاغاني في كل ساعة لها اسطوانة تعزفها... ارجوك إلهي أرشدني الى السبيل فأنا احبها رغم عيبها هذا فماذا أفعل؟؟؟

كانت رجاء إمرأة تحب ان تقص كل شيء على زوجها رغم إنها لا تخرج كثيرا الى الجيران، إلا ان هاتفها النقال بات خير وسيلة للحديث المطول عن فلانة او علانة.. ماذا احضرت؟؟ ماذا اشترت؟ وطلاق إبن عم خالة جارتها، ثم الى نوعية الطعام والطبخ، وعن أهمال زوج أم إدريس ... وهكذا إلى أن اصبحت وكالة اخبار متنقلة، ترثي الجميع بقصائد أراءها على آذان من يأتي لكي يرتاح بعد عناء يوم مجهد... ومع ذلك يجلس قبالتها على طاولة الطعام وهي تسرد له اخبار الجيران الذين لم يكن يعرف أكثرهم، لقد نال منه العمل المضني الطويل لتحسين وضعه مواكبة ببيوت من جاورهم، إنه موظف براتب معقول يكفيه لأن يفتح بيتا ويُكَون اسرة متواضعة، حلمها العيش بما قسم الله لها، مع علمه أن الاحتياجات الضرورية لتكوينها يتطلب الجهد والعمل المستمر مع الغلاء المستعر للأسعار، إنها في زيادة كل يوم، إلا راتبه فهو ثابت لا يتزحزح قد أنملة، حتى لاحت له فرصة العمل بعد الظهر لساعاة معدودة يمكنها ان تضفي الانفراج على حياته مع من يحب...

رجاء: اتعلم يا خليل!؟ لقد اشترت ام علاء سجادة جميلة صغيرة ايرانية الصنع يقال لها نوع تبريز على ما أظن بسعر لا يمكن تصوره من مزاد علني رخيصة جدا فقط 950 الف دينار...

بلع لقمته خليل كأنه يدفعها هامسا لنفسه ..آه كأنك لا تعلمين أنها بقدر راتبي يا رجاء... عاد مبتسما متعجبا يا الله!! امعقول ما تقولين؟؟؟ مجاريا إياها الحديث..

رجاء: أقسم لك هذا ما قالته أم صفاء لي بعد أن رأتهم يدخلونها في وقت الظهيرة والناس نيام حتى لا يرونهم خوفا من الحسد.. ثم تبرمت معلقة لا أدري؟! فأم صفاء إمراة همها فقط أن تعمل على تغيير أثاث منزلها كل شهرين او ثلاث رغم أن زوجها راتبه تقريبا مثل راتبك او أكثر ولا يعمل بوظيفة أخرى ... إنه الحظ لا أكثر، إنه رجل يعرف كيف يسعد زوجته وأهل بيته، بنحت الصخر لجلب النقود حتى يكونوا من علية القوم كما يسمونهم... لا اخفيك آه .. تذكرت أتعرف سلطان؟ ذلك الرجل الذي في مرة جاءك لكي تساعده في تسهيل أمر معاملته لشراء البيت الفخم في أول الشارع.. لقد اكمل شراءه، تبين أنه البيت الخامس الذي يشتريه، اما زوجته التي تسكن معه فيه هي الثالثة... لقد قلت حين رأيت شكله أول مرة أنه لا يملك اللظى وقد باع كل ما يملك لكي يشتري هذا البيت... يا للنفاق!! الجميع يلبس وجها غير الوجه الذي يتعامل به مع الآخرين... فقط ليطرد الحسد

كاد خليل ان يغير الموضوع ليخبرها أنه قد اشترى لها هدية من راتبه الاضافي ليسعدها لكنها اطبقت على فرحته بالحديث فعاد يتناول طعامه الذي لم يعد يدري هل هو بارد ام ساخن، او ترى انها عقوبة عليه في كل وجبة أكل يجب ان يستمع الى نشرة الاخبار المحلية التي لا تنفك يفصلها موسيقى أكثر مللا منها... حاول ان يتكلم لكنها فاجأته قائلة: لعلك شاهدت التغيير الذي احدثته في البيت؟ ألم ترى شيئا جديدا في البيت حين دخلت هنا او الصالة الصغيرة؟

خليل: لم يتسنى لي الوقت لكي ألاحظ يا رجاء لقد جئت مرهقا منهكا، بالكاد رفعت رأسي وحملت نفسي لكي اجلس الى مائدة الطعام معك، إني احتاج الى الراحة... أظني سأنام نهار الغد كله، حتى أني فكرت بأن لا أذهب الى العمل صباحا، ربما سأتصل طالبا إجازة مرضية فأنا أشعر بتوعك طاريء مع صداع قوي جدا يكاد يشطر رأسي نصفين...

رجاء: تنام مبكرا الليلة! تتركني وحدي أشاهد التلفاز، ألا تتابع المسلسل التركي معي او مسلسل اولاد الحارة فهما لا يتعارضان ابدا فعرضهما يكون متناسقا للمشاهد... على فكرة أريد أن أسألك.. هل هذه المسلسلات يكون عرضها محسوبا كما قالت أم وجدان في وقت يسمونه الذروة حيث الناس أقصد العوائل مجتمعة اغلبها في البيوت؟ كما ان الدعايات التي تعرض بين الفاصل والآخر هي التي تدفع إجرة العرض على هذه القناة او تلك؟ تقول ام وجدان إنها خيالية... فحتى المسابقات التي نراها وطلبت منك ان تشارك فيها لعلنا نربح مثل برنامج الحلم أو حروف وألوف في رمضان الماضي... إنها مدروسة محسوبة وارباح الفائزين، فجميعها من الاتصالات التي يشارك بها المشاركون، تجمع القناة المليارات وتعطي الملاليم لعدد من الفائزين، وتقول إنهم متفقين معهم أولا بأول... أو ربما هي اسماء مرشحة من قبل فلان من المسئولين او مسألة علاقات، فهناك بلدان رغم مشاركتها لا يفوز منها أي احد رغم مشاركته، مع العلم أنه يتصل ويرسل الرسائل كما هو حالي...

انتبه خليل فقال: ماذا تعنين مثل حالك.؟؟

رجاء: لا لا شيء لقد شاركت مرة في احد البرامج واردت ان اجعلها مفاجأة لك إذا فزت، لكن حظي يبدو نحسا مثل حظك
خليل: ولم تربطين حظك او تظنين أنه مثل حظي...

رجاء: لا .. ابدا فهناك مثل يقول: الطيور على اشكالها تقع ... مع العلم أن حظي لم يتغير إلا حين ارتبطت بك ومال الى الهاوية... لا تنزعج يا حبيبي يبدو ان النحس هو رفيقك منذ نعومة اظفارك...هههههه، ارجوك ان تعذرني لقد اضحكتني دون ان تشعر وانت تسأل عن حظك... لقد حاولت مرات عدة وانا انشد عدد من النسوة اللاتي يتخذن من العارفين او العارفات وسيلة لتغيير حظ أزواجهن، فحين فعلت قالت لي ان زوجك حظه نائم الى الابد ولا يتغير كونه يعرف الله ويخاف ...عندها أدركت أني لا استطيع تغيير حظك او حظي بعد ان كان نجمك مسيطر وأقوى من نجمي... فعكفت على الصمت

خليل: اتراك مجنونة بعقدة الحظ او الغيرة من النساء؟! فأنا حين تقدمت للزواج منك لم أخفي عليك او على اهلك اي شيء، إن والدك يعلم جيدا اني رجل لا اتخذ من الوسائل الجديدة التي تسري بالمجتمع والدوائر الخدمية بمسمى الهدية أي الرشوة وسيلة رزق، لأني ضد هذا المبدأ، تلك هي نشأتي وتلك هي مبادئي... كما انك يا حبيتي حين طلبت يدك للزواج، وانا لا انتقص منك كأمراة لكن هذا هو واقع حال كنت قد تجاوزت سن الزواج، إضافة الى إنك لم تكملي الدراسة المتوسطة... ووالدك زميل عمل لي رحمه الله، وهو رجل عصامي انا أخبَرهُ جيدا نزيها، صاحب سمعة طيبة، لذا رغبت ان اتزوج ابنته كونه رجل يحمل مباديء وصفات تكاد تكون نفس ما أحمل، وهو يعلم ايضا بحالي.. ذاك ما حدث بعد ان رأيتك ثم جلسنا وتحدثنا عن تطلعاتنا والمستقبل في تكوين اسرة بسيطة مثل اسرتكم، رغم الصعوبات التي جعلتك تجلسين عن متابعة الدراسة لعدم قدرته على دفع المصاريف وغيرها الكثير من الامور ... وأنا هنا لا أُعَيرَك بما أقول.. لكني يا رجاء وأقسم لك لقد احببتك من كل قلبي، حمدت الله كثيرا ان رزقني إياك فبرغم ما تحملين من سلبيات إلا إن الوقت والعشرة تجبرك ان تتغيري والتأقلم مع عالمي، كما انا أحاول أن أتأقلم مع عالمك، لكن عالمك أخذ يتسع ..و يتسع الى أن جعلك إمرأة لا تقنع بالقليل، أصبتِ بالشره والغيرة ممن اقتربتِ منهن وعاشرتي... فليس كل الناس احوالهم واحدة... صدقيني

رجاء: ماذا تقصد بكلامك؟؟ هل تقصد أنك الرجل الوحيد الذي تقدم للزواج مني؟ وإني كنت انتظر من يطرق بابي لأتلقفه للخلاص مما أنا فيه،؟ أم تراك تقصد أني قد تعبت من حياتي بين أهلي؟ عندما أرى أخواتي الاصغر مني قد تزوجن وخرجن الى بيوت ازواجهن وهن يعشن أفضل مني بكثير، كونهن صاحبات شهادات، لقد اكملن دراستهن على حساب حياتي وعمري، فبعد وفاة والدتي كنت الاخت الكبرى، كان لزاما علي ان اكون إما لهن... لقد رعيتهن تماما مثل أمي، كذلك والدي رغم عزوفه عن الحياة بعد وفاتها إلا انه أدى واجبه على أكمل وجه ناحيتهن جميعا... حتى لم يبقى في البيت سوانا، الى ان طرقت الباب انت وقد حدثني عنك طويلا، قبلت لأني ارى فيك بعض الاحيان طيبة وصبر والدي..
خليل: أشكر لك يا حياتي حسن ظنك ... لكن أعلمي أن الحياة ليست سجادة او بيتا او مقتنيات او ما نسميها مستلزمات البهرجة... إن السعادة يا حياتي هي أني أحبك، انظر إليك بأنك عالمي الوحيد الذي يخلو من الرتوش التي تقربك لي وتحببك بي، قد تكون تلك التي تتحدثين بها وتسمعين عنها من مخبرات المنطقة .. صدقيني هي منغصات حياة فلو تطلعتي الى بيتنا الصغير وما فيه من دفيء تشوبه البرودة بعض الاحيان إلا انه مُلكا لنا وفيه من الاشياء الثمينة عندي، لأنها جاءت دون رياء او نفاق او رشوة ... فلو اردت العمل بالحرام لكنت اغنى الناس وانت تعلمين كما هم يعلمون جيدا من يحدثونك عن ما يقتنون خلسة أنهم يريدون أن يجعلونك المنغص لحياتك وحياتي، فهم لا يملكون النظافة والنزاهة التي نحمل، لذا يحاولون ان يؤثروا على تفكيرك وجعلك تطلبين المستحيل مني ليعكروها... رغم علمهم بأني لا أفعل، فذاك ضد مبادئي وقيمي التي تربيت وإياك عليها لا تنسي والدك رجاء... إنه نعم الانسان والقدوة... وها انت ترينهن يحاولن ان يسحقن ما نملكه، الحب والهدوء... فدخلن لك من باب المغريات، لأنهن لا يملكن ما تملكين من صدق الاحاسيس والمشاعر والنزاهة، كوني على ثقة إنهن يودن ان يدمرن بيتك الصغير هذا... إني لا أكن لك الضغينة رغم انك تجاوزت وتطاولت علي، لأني أعلم أن هذا الكلام ليس نابعا من قلبك، لكنه وليد النقاش معهن للخروج عن المألوف... نعم يا رجاء لقد لاحظت الستائر التي غيرتها ولاحظت تغير مكان الاثاث ولاحظت تلك آنية الزهور التي لم تنسي يوما تجديد الزهور فيها متى ذبلت .. إنها لمساتك التي أحب، بل التي اتمسك بها كونها تعني رجاء صاحبة القلب الصافي الذي مهما قالت وسمعت تبقى في الآخر حبي الوحيد ..

رجاء: كأنها استيقظت حين سمعته يتحدث الى تلك النفس التي تريد ان تخلق زوبعة من ضجر وقلق، شعرت بإنسانيته، نزاهته، طيبة قلبه، تلك التي لمستها مذ نعومة أظفارها في والدها وأمها التي صبرت وثابرت لكي تُكَون أسرة تمتلك الحب عشا يضم الجميع، حتى وإن طارت الطيور الصغيرة التي تربت فيه بعيدا، فمصيرها ان تعود لتلقي بنفسها مُدَثرة بلمسة حنان من تربت على يديها... أدركت خطئها... خليل حبيبي إني أعتذر منك لم أدرك مدى جنوني وصبرك علي، إلا الآن... أني اشعر بامتعاضك بيد أني أقول ربما سيتغير، ويُجبَر على ما كنت أسمع من نساء الجيران، نعم يا حياتي إني لا أشُك ابدا أني أحبك، فأنت رجلي الأول والأخير، شمعدان عمري الذي أصبو إليه حين ضيق نفسي... ارجوك اقبل اعتذاري

خليل: لا عليك رجاء .. كيف لا أغفر لك وأنت من كنت ولا زلت الحياة التي احيا من أجلها، كوني على ثقة أني سأعمل المستحيل من أجل إسعادك، لكن بطريقة ترضي الله ونفسي، فأنا انسان تعودت ان أكون كما خلقني الله صابرا حامدا شاكرا لكل نعمه...

مد يده مخرجا الخاتم الذهبي مع القلادة... وهو يقول: كل عام وانت بخير، عيد ميلاد سعيد رجاء عمري
رجاء: منبهرة .. خليل لقد تذكرت!! واحضرت لي هدية رائعة أيضا ... يا لخجلي منك

قامت إليه وهو يقف أمامها ممسكا بيديها قائلا: ستبقين كرامفون حياتي الذي احب ان أسمع اسطواناته المشروخة، لانها تذكرني بملح الحياة معك..... ضحكت على تعليقه قائلة: إذن سأعزف حتى أحظى بحبك الى الأبد عارفة أنك لا تمل غنائي ونشاز موسيقى الحياة.