حائطيات طالب المقعد الأخير ٣٠

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

أمي
قلتُ لكِ سأجمع حطبَ الغابة وأعود
لم يقل أبي إن لم يكن فأسكَ قوياً
ارجعْ قبل أن يحل الغروب
الغابة يا أمي
فيها الكثير من الثمار الجافة وآلاف الديدان
فيها الأرانب البيضاء الميتة وقطعان الذئاب
والذئاب ..............!
كانت كلاب قريتنا فخمة تفهم لغة الحجارة
وإن أخطأ شخص الطريق تكون الدليل
أربعة أعوام مضت
وجراح اللوز لا يزيدها إلا الملح
في الغابة لا يخاف علي أحد من السيارات
حين أتجاوز الطريق
وفي الصباح لا أشرب الحليب
مثل عروس تستحم بحجر الخفان
يهطل الليل في الغابة
وأنا أنام على وسائد الريش مع ذلك لا تطير أحلامي
في الغابة
كراسٍ مدماة بالمسامير
من أينَ جاءت كل تلك السفن
حتى ملَّ الليل من أحلامنا سريعاً؟ ..
أبي
أنا لا أعودُ بدون حطب
أنا لا أعود
لا أعود
لذا أرسلُ لكم كل مرة عظمة متفحمة من جسدي
**
عندما تصنعُ أمي القهوةَ لا يبقى من الهمِّ هم
تبعث الدفء في البيت كطقم أبي المعلّق على دولاب الملابس
كرجل يطفئ أضواء المدينة
متلهفاً
يمضي إلى البيت ويحلم بوجبة الحساء
أمّي وقهوتها التي تشفي جروح الغيم
مهما طالت ذقن المطر
أمّي
إن شاء الحزن لا أشي بأسراره
وإن أشاء أقفزُ على أسواره
لكن عندما لا أجد جداراً أعلق عليه صورة جدّي
تحترق كل العكاكيز مبكراً
أصبحُ غصباً عني جريدة قديمة
تلك التي يأكل عليها الحزانى
وحيدون نحن جداً وحيدون
هنا في فرجة هذا العالم
كلص خائب أمام خزائن خاوية
**
التقيتُ بها
نحن موظفي الصباح المملين
قالت لي
لم أعد أقف على الشرفة وانتظر ابن الجيران
لا شيء في هذا الربيع يدثرني كاللحاف الذي كانت تحوكه جدتي
لا شيء يسندني كالوسادة المرتفعة وسط مجلس دارنا القديم
حدّثتها عن الذئاب الجائعة
وهي تبحث عن فريسة ترعى الحشائش في غير أرضها
حدّثتني عن جوربي الممزق
مرَّ بنا طفل يقتل الأحصنة بدراجته الصغيرة
أحصى كل القصور التي أمامي
أعطيته دفتر حساب
أهداني بعض الغبار
أنا في الربيع لا أذكر شيئاً مهماً
ذقني لا تطول لكني أذهب إلى الحلاق كثيراً
أحمل بيوت المدينة في جيب بدلتي الرسمية
يفوح منها رائحة اللحم المغلي
أنا في هذا الربيع شاحنة مليئة بالبلوط
أذكر جيداً تلك الفلاحة التي كانت ترضع طفلها خلف الشجرة
وتصنع باروكة للأرض الصلعاء
أنا لست شريراً كي أقول لها الشمس أيضاً شريرة
والخشب المهترئ لا يدفئ إلا المسافرين
لم يعد لصوتي نوافذ مفتوحة
الشرفات التي لا تفتح أبوابها في الشتاء تنغمس في الطين
***
لم يبق في المدينة عشاق
شجر العيد عطشان
من أين نسقي كل هذا الجفاف؟
أنهار الحب موصدة بألف سدٍ وباب !