قصة الموسيقى الغربية – شومان بقلم: محمد زكريا توفيق

، بقلم محمد زكريا توفيق

ولد «روبرت ألكساندر شومان» عام 1810م، في مدينة «تسفيكاو» بولاية «ساكسونيا». والده، بائع كتب. كان ضعيف البنية غريب الأطوار. حالم له خيال جامح. حساس إلى درجة، جعلت أبويه يحتارا في كيفية تعليمه. إلا أنهما اكتشفا مبكرا ميله الطبيعي للموسيقى.

مدينة "تسفيكاو"، لا يوجد بها موسيقيون سوى عازفي الأورغن والبوق بالكنيسة. عندما بلغ "روبرت" سن السادسة، سُمح له بأخذ دروس في الموسيقى على يدي عازف الأورغن.

لم يمض وقت طويل، قبل أن يجعل "روبرت" البيانو يتكلم ويزغرد بلمسات أنامله. كان أصدقاؤه الصغار، يتجمعون حوله وهو يعزف تنويعات مختلفة، وسط إعجابهم واستغرابهم الشديدين.

عندما بلغ العاشرة من عمره، أقام فريق أوركسترا صغيرا. يشمل 2 كمان، 2 فلوت، 1 كلارينت، 2 بوق. وكان هو المايسترو. عندما كان لا يجد موسيقى تروق له، كان يرتجل. إلى جانب ذلك، كان مغرما بآلة البيانو.

كان "شومان"، قارئا ممتازا. يقضي العديد من الساعات يطالع في دكان والده. لم يكن يقرأ الكتب التي يقرأها الأطفال عادة، إنما كان يختار منها الكتب الجادة، مثل أعمال "بيرون" و"هاينه" و"ريختر". "ريختر"، كان كاتبه المفضل.

عندما بلغ سن الرابعة عشر، بدأ في كتابة المقالات القصيرة. كان يعطيها لوالدته، التي كان يسميها "القارئ اللطيف". كان شومان صاحب فكر. من الطبيعي أن يرغب أبواه في أن يصبح محاميا. لذلك، أُرسل إلى "ليبزيغ" في ولاية "ساكسونيا" للدراسة.

هناك، قابل عازف البيانو الشهير "ويك" وشبان آخرين موهوبين. كان "شومان" يُدعى كثيرا إلى منزل "ويك" للمساعدة في إقامة عروض موسيقية، والعزف على آلة البيانو. كان يجد في ذلك متعة كبيرة، تفوق بالطبع دراسته للقانون ولباقي مواد الدراسة الجافة.

كان "شومان" في سن السادسة عشر، عندما توفى والده. الآن أصبحت أمه أكثر إصرارا على أن يصبح ابنها محاميا مرموقا. كان في الواقع، يريد تلبية رغبتها، بالرغم من كرهه لدراسة القانون.

ذهب "شومان" إلى "هيدلبيرج"، لكي يحاول مرة أخرى تحقيق رغبة والدته. هناك، كانت نافذة غرفته الجميلة، تطل على مناظر طبيعية خلابة، تشمل القلعة القديمة من بعيد. كان يقول بأن المنظر من النافذة، يناسب الأمراء، وهم لن يجدوا أجمل من هذا المنظر.

هنا، بدأنا نسمع القليل عن مواد القانون، والكثير عن الموسيقى. كان "شومان" يحتفظ في غرفته ببيانو صغير. يعزف عليه باستمرار. لم يستطع "شومان" تحمل أكثر من ذلك، فأرسل خطابا إلى والدته.

يرجوها فيه، السماح له بدراسة الموسيقى بدلا من القانون. لم تجد الأم بدا من الموافقة على مضض، والسماح لابنها بدراسة الشئ الوحيد الذي يحبه ويملأ عقله. الموسيقى.

بعد موافقة الأم، أصبح كل شئ من السهل تدبيره. بدأ شوما بالذهاب إلى "ليبزيك" للدراسة على يدي "ويك". مكث سنة كاملة، مارس خلالها الدراسة نظريا وعمليا.

إلا أنه وجد فجأة صعوبة في تحريك اصبع الوسط في يده اليمنى، مما جعل يده اليمنى عديمة الفائدة. هذا يعني شيئا واحدا، هو تبخر حلمه في أن يكون عازف بيانو.

أصيب شومان، وهذا شئ غير مستغرب، بخيبة أمل كبيرة. الأمل الباقي له، هو محاولة أن يكون مؤلف موسيقى، لا عازف بيانو. "كلارا"، ابنة الأستاذ "ويك"، طيبت خاطره، وشجعته قائلة: "ولا يهمنك. أنت تؤلف الموسيقى، وأنا أعزفها لك".

بدأ "شومان" يتصل ببعض الشبان البوهيميين الموهوبين مثله. كونوا جمعية فيما بينهم تحت اسم "دافيدز بيندلر". الإسم مستوحى من قصة "دافيد وجوليات"، التي جاءت بالعهد القديم.

دافيد هنا يمثل المعارضة لما هو سائد. قاموا أيضا بإصدار جريدة موسيقية. عن طريقها نشروا أفكارهم وأسلوبهم الجديد. المبني على أساس موسيقى "بيتهوفن" و"شوبرت" الرومانسية. "شومان" كان هو رئيس التحرير، وكان يستخدم قلمه بمهارة.

مع مرور الأيام، بات "شومان" مغرما بالرقيقة الجميلة "كلارا ويك". لكن الأب لم يوافق على هذه العلاقة. إلا أن عدم موافقة الأب، لم تغير من الأمر شيئا. وقاما الحبيبان بالزواج عام 1840م.

كان زواج "شومان" و"كلارا" زواجا ناجحا. عاشا معا وعملا معا. كانت قصة حبهما، قصة رائعة تتحدث بها الركبان. تضيف بهجة وانشراح لتاريخ الموسيقى المدون.

كانت "كلارا"، عازفة بيانو ساحرة. متعتها في الحياة، هي عزف موسيقى زوجها على البيانو. السنة التي أعقبت زواج "شومان"، هي "سنة الأغنية". لأنها السنة التي لحن فيها شومان أجمل الأغاني. 150 لحن تمثل أجمل ما أبدعه من ألحان موسيقية، ظهرت خلال هذه السنة.

بيت "شومان" في "ليبزيك"، كان مركزا للبهجة والذكريات الجميلة. لم يكن "شومان" يعاني من الفاقة والعوز. كانت له علاقات جيدة، كما يتضح من خطاباته المتبادلة، بكبار رجال الدولة في عصره.

ساعد "مندلسون" في شهرة "شومان" في "ليبزيك". وكان "شومان" دائم الإطراء والمديح والإعجاب ب"مندلسون". قال عنه يوما: "مندلسون هو الآن أعظم موسيقي في العالم".

اكتشف "شومان" موسيقى "شوبرت". بذل كل ما في وسعه لكي يجعل موسيقى "شوبرت" معروفه للعالم. يمكننا تتبع تأثير "شوبرت" في أغاني "شومان"، لكن "شومان" فاقه في تصوير الأحلام والأساطير. كلاهما لهما رقة وعذوبة الجنس اللطيف. هذا خير ما يمثل المدرسة الرومانسية.

"تروميري" ل"شومان"، فيينا عام 2010م.
https://www.youtube.com/watch?v=L2f-F_iUsc8

لحن شومان أوبرا وحيدة، هي "جينوفيفا". لحن أيضا "أوراتوريو"، وهي أعمال شبيهة بالأوبرا لكنها دينية. منها "فوست" و "مانفريد". كلاهما أعمال درامية. لحن أيضا "باراديز وبيري". وألف سوناتات وألحان دينية ورباعيات وترية، نالت إعجاب عشاق موسيقى الحجرة.

"جينوفيفا" لشومان، المقدمة:
https://www.youtube.com/watch?v=KanQTR6REGM

"فوست" لشومان:
https://www.youtube.com/watch?v=bHDFPkDNaaA

"مانفريد" لشومان، المقدمة:
https://www.youtube.com/watch?v=dhONU3pR02M

ألف شومان سيمفونيات، أشهرها السيمفونية الأولى (B Flat).
https://www.youtube.com/watch?v=kGoYaMatX6E

رباعية بيانو والوتريات، لشومان:
https://www.youtube.com/watch?v=iSiwMR3dBUY

البيانو والأوركسترا، لشومان:
https://www.youtube.com/watch?v=3jbHbDena_U

سمفونية "شومان" الأولى، كتبها بعد زواجه مباشرة، لذلك نجدها مليئة بالسرور والبهجة. قال عنها أنها كتبت في وقت نشوة وسعادة. الريشة التي كتبها بها، كان قد وجدها بالقرب من قبر شوبرت وبيتهوفن.

السيمفونية الثالثة (Renish)، المسماه على نهر الراين، تصف احتفالا كان قد حضره في كاثيدرائية "كولونيا".

السيمفونية الثالثة لشومان:
https://www.youtube.com/watch?v=DeJeGzyQ2wI

ترك "شومان" أيضا أعمالا كثيرة للبيانو. موسيقاه تتسم بالدسامة والغموض المبهر. ليس من السهل فهمها. لكن جمله الموسيقية القصيرة، وصيغه الميلودية العذبة، وخياله الجامح، هي متعة محبي الموسيقى الكلاسيكية في العالم اليوم.

مرت ب"شومان" أيام قلق واكتئاب، كان يختبئ خلالها عن العالم الخارجي. كانت زوجته الرقيقة الحبيبة، "كلارا"، تقف بجواره في أصعب أوقاته. كانت تدعو إلى بيتها أصدقاء زوجها، "شوبان" و"برامز" وآخرين، لكي تخرج زوجها من حالة الكآبة التي كان يمر بها.

كانت "كلارا" تشجعهم على القيام بعمل حفلات موسيقية بالاشتراك مع زوجها في عدة عواصم أوروبية. كانت هذه الحفلات تُستقبل بحفاوة بالغة، خصوصا في بلاط قيصر "سانت بيترزبورج". كان القيصر وزوجته، منبهران بموسيقى شومان وعزف "كلارا" زوجته.

لكن، بالرغم من صحبة الخلان والسفر بين العواصم الأوروبية، كانت صحة "شومان" النفسية في النازل باستمرار. عندئذ، نصحه الطبيب بالانتقال إلى مدينة "دريسدن".

هناك، وجد شومان نفسه بعيدا عن الأصدقاء والموسيقى. لم يجد بجانبه سوى زوجته الوفية. بدأت صحته تتحسن تدريجيا. لكن للأسف، بعد سنتين، بدأ المرض العصبي والاكتئاب ينتابه من جديد.

كان "شومان" يرى في المنام أرواحا موسيقية، في صورة "شوبرت" و"بيتهوفن"، تزوره وتهمس في أذنيه بألحان موسيقية. فينهض من نومه ويهرع لكتابة هذه الألحان. كانت زوجته الوفية تقف بالقرب منه وهي تحاول أن تخفف عنه آلامه.

أخيرا، في عام 1856م، توفى "شومان" في مصحة عقلية خاصة في بون. في جنازته، قامت مجموعة من الفتيات العذارى بتغطية قبره بكمية كبيرة من الزهور.

ماذا فعلت "كلارا شومان" وأطفالها الصغار بعد وفاة "شومان"، وهي شابة في عمر 37 سنة؟ كرست حياتها المديدة لإقامة الحفلات الموسيقية في العواصم الأوروبية، لكي تجعل العالم أجمع يتعرف على موسيقى زوجها المرحوم.

كانت تفعل ذلك بحرِفية وقدرة نادرة، جعلت الناس تتساءل، لماذا لم تكن تسمع هذه الموسيقى من قبل؟ الآن، عندما تغنِّ ألحان شومان، أو تعزف رباعياته الوترية، يجب أن نرجع الفضل، لا إلى "شومان" وحده، وإنما ل"كلارا"، زوجته الوفية، أيضا.

فيلم "أغنية حب"، يصور قصة حياة "شومان" وزوجته "كلارا". الفيلم أنتج سنة 1947م، تمثيل "كاثرين هيبورن" و "بول ريد".
https://www.youtube.com/watch?v=YhWdp1r63TY

ولقصة الموسيقى الغربية بيقية، فإلى اللقاء إن شاء الله.
zakariael@att.net