الأقصى بين المطرقة والسندان

، بقلم محمد محمد علي جنيدي

أشغلونا بأنفسنا، وصنعوا منا وفيما بيننا خصوما متناحرة، واختفوا من مشهد العداوة تماما، فلم نعد نرى حبيبا إلا منا ولا عدوا إلا فينا، تمزقت الأسر حتى أصبح الحليف أبي والخصم أخي، باعوا لنا الداء ووهم الدواء، أصبحنا سوقا لأسلحتهم ومرتعا لتجاربهم، تحولوا من مغتصبي الأرض ومهدري العرض إلى أصدقاء اليوم وتحولنا من البنيان المرصوص الذي كان يشد بعضه بعضا إلى الذي أصبح على شفا جرف هار يكاد أن ينهار به في نار الدنيا والآخرة.

كانت القدس يوما مدينة العروبة المغتصبة وكان الأقصى هو مسجد المسلمين الأسير، كانت لنا قضية واحدة وعدوا واحدا، تفضحه أشعة الشمس كل صباح ويعريه ضوء القمر كل ليلة، كنا أبناء مصر والوطن العربي وكأننا على قلب رجل واحد، واستطاعوا بمكرهم وكيدهم أن يدخلوا أرضنا تحت دعاوى السلام الوهمي ولم ينسوا يوما أو ساعة بأننا هدفهم الوحيد، فلم يكلوا ولم يملوا حتى يخرجوا من مشهد العداوة وأن يصنعوا عدوا من أنفسنا فنقتتل بسلاحهم ونطعم أنفسنا بثمار أمراضهم، فأورثوا عقولنا التغريب والتجهيل بديلا عن ثقافة ديننا ولغتنا وأرضنا فأصبحنا لقمة سائغة إن أرادوا أكلوها أو لفظوها، فتاهت قضيتنا الأم ولم يعد لها في قلوبنا ذكرا.

والآن وقد سقط الأقصى الأسير بين مطرقة العدو وسندان الجهل والعداوة فيما بيننا، هل يمكننا أن نفيق من غفوة طالت بنا أم لا نفيق إلا على يقظة تكاد أن تطيح بتاريخنا كله على نار لن تبقى ولن تذر.