صلاح أبو لاوي

المال السياسي يقتل الإبداع

، بقلم توفيق عابد

ربما يكون صلاح أبو لاوي أول شاعر عربي يتزوج قصيدة هي«المهر» المنشورة في ديوانه الثاني «الغيم يرسم سيرتي» كما أن كنيته أبو طارق جاءت من قصيدة أيضاً « طارق بن حجر» أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى وقبل زواجه فصار أصدقاؤه ينادونه أبي طارق حتى ولد هذا «الطارق» عام 1991.

وفي حديث معه قال أن بوصلته الشعرية لم تغير اتجاهها وبقيت تحمل الهم الإنساني انطلاقا من وعيها بقضيتها المركزية مؤكدا أن المطلوب من المبدع في مرحلة تمر امتنا بظرف استثنائي يعصف بثوابتها الوطنية والقومية رسالة جمالية لرفع سوية الذائقة وتوجيهها لخدمة الأمة.

وقال: انه يكتب للحب والوطن والمرأة ومناصرة فقير ومناجاة النجوم ساعة ثمل شعري لكنه استدرك القول أنه يحاول منذ ثلاثين عاما أن يكتب الشعر ولم يكتب قصيدته بعد.

ونوه في حديثه إلى أن المال السياسي قتل الإبداع.

وفيما يلي تفاصيل الحوار:

قصائدي .. والهم الإنساني

*يقال أن وعي القصيدة يشير لوعي الشاعر .. في ظل الظروف الحالية أين تتجه بوصلتك الشعرية؟
بوصلتي الشعرية لم تغيّر اتجاهها منذ بدأت الحبو على رمل الشعر فهي تحمل الهمّ الإنساني بالدرجة الأولى انطلاقاً من وعيها بقضيتها المركزية وحلمها أن تكون عشبة نافعة تضيف إلى الشعر العربي اسماً جديداً له سماته التي تختلف عما سبق ، وفي ذات الوقت له رسالته الواضحة التي تصل المتلقي بصورة فنية ناضجة.
إبداع الرفاهية .. وإبداع المعاناة

*امتازت قصائدك بتوظيف التراث " الموروث الشعبي " فما رأيك تجاه الذين يعتبرون التراث معوقا ويدعون للانفكاك منه ومحاكاة الآخرين؟

في ختام إحدى قصائدي القصيرة أقول:

لا يزرع الورد

من يردم الساقية

وانطلاقاً من إيماني بهذه المقولة فإنني أتكئ على الموروث العربي بكل أطيافه كونه المغذي الرئيسي لقصيدتي غير غافل عمّا يدور من حولي من مقولات حداثية منتقياً منها ما يفيد الشعر العربي لافظاً ما قد يحاول نسف التراث الشعري فلا أتخيل شاعراً عربياً لم يقرأ المتنبي أو المعري أو أبا تمام أو البحتري كيف لشاعر أن يكتب الشعر ولم تفتنه لامية الشنفرى ولم يشرب خمر الشعر مع امرؤ القيس!!.

كذلك فإن الهمّ الذي يعانيه المواطن العربي نتيجة القمع السياسي أو التجهيل أو الأمية أو الجوع لا يعانيه نظيره الغربي وبالتالي فلا يمكن أن يتساوى إبداع الرفاهية بإبداع المعاناة فالحداثة بناءٌ على موروث وليس نسفاً لقرون من الإبداع.
حراك شعري

*يقال بأن الشعر لغة الضالعين بالصمت .. بصراحة كيف تقيم الحالة الشعرية في الأردن؟

يوجد في الأردن حراك شعري كبير وخاصة الشباب سواء من يكتبون قصيدة التفعيلة أم النثر وبحكم موقعي في لجنة الشعر في رابطة الكتاب الأردنيين لأكثر من دورة فإنني على اطلاع على الحراك ولكن للأسف ليس هناك حركة نقدية موازية ومساوية لذلك فكلٌّ يغني على ليلاه دون ضوابط أو تقييم لهذا الحراك.

إنّ كثيراً من الشعراء الشباب في الأردن يبشرون بمستقبل جميل للحالة الشعرية أتمنى أن تسنح لهم الفرصة للإنطلاق نحو آفاقهم المنشودة ونحن لا ندخر جهداً للأخذ بيد من يستحق منهم.

أما الشعراء المكرّسين وجلّهم أسماء كبيرة ومحترمة فهم صامتون في السنوات الأخيرة وغائبون عن الحركة الشعرية ولا يقومون بواجبهم أيضاً تجاه الشعراء الشباب.

رسالة جمالية

*المبدع في ظل مرحلة ما يسمى الربيع العربي.. ما دوره؟

استكمالاً للسؤال السابق يأتي هذا السؤال لنكون أكثر تحديداً لما هو مطلوب من المبدع اليوم والأمة تمرّ بظرف استثنائي يعصف بثوابتها الوطنية والقومية وحتى الدينية.

فدور المبدع لم يكن يوماً الإبداع بحد ذاته بل رسالة جمالية من أجل رفع سوية الذائقة وتوجيهها حيث يجب أن تكون في خدمة الأمة ككل وخدمة المتلقي الذي يردد هذه المقولات الإبداعية بوعي أو دون وعي وخدمة ثقافة أمته والإضافه لها وللأسف فإن المال السياسي قتل كثيراً من المواهب الإبداعية أو سرقها وجعلها تتخلى عن ثوابتها بل وتسير عكس إرادة شعوبها وتُستغلّ لتغييب العقل.

إن شراء ذمم المثقفين والمبدعين لأشد خطورة من أي شيء سواه وهو استكمال للحرب التي تشن على هذه الأمة لهدمها ومعرفة من يملك هذا المال وتأثير المثقف على محيطه العام وبالتالي فإنه يمرر مخططه ليكون أكثر إقناعاً.
وصايا أمي

*في ديوانك الأخير " يدور الكلام تعالى" هناك وصية لأمك .. بماذا أوصتك؟

أنت تشير بالتأكيد لقصيدة "اعتذار متأخر جداً" التي وردت فيها وصايا أمي تلك الفلاحة البسيطة الأمية التي تعادل في وعيي كل ما قرأت من كتب وخاصة فيما يتعلق بقضيتي الأولى القضية الفلسطينية وما أجملها وهي تقول لي

"رضايَ عليك يا ولدي
بلادك جرحك العالي
نزيفك
فابقها جرحا"

إن كل ما ورد في أعمالي الشعرية من مقولات على لسان والدتي أو والدي رحمهما الله هو في الحقيقة وصاياهما لي وإخوتي من خلال حكايات الليل أو حديثهما الذي لم ينقطع عن البلاد بكل ما تركت في نفسيهما من جراح حاولا أن يزرعاها في أطفالهما لتبقى فلسطين حية في الأجيال القادمة.

الكلمة والصورة

*من مزايا القصيدة أنها تعيد تشكيل مفردات اللغة وتكوينها بشكل يثير الدهشة والانبهار..فما مفرداتك ..وبأي روح تكتب؟

يقول الشاعر والناقد حميد سعيد في كتابه الموسوم "عن الشعر""إنّ النص المغاير هو الذي يفتح باباً واسعاً على الحوار والإختلاف وتعدد الرؤى"والنص المغاير هو ذلك النص الذي لا يكرر الآخر بين كلماته أو من خلال صوره والصورة في رأيي هي الشعر والشعر هو الصورة فلا قيمة لكلمات مرصوصة لا تثير دهشة القارئ ولا قيمة لصورة مكررة حفظها القارئ أو السامع لكثرة ترددها في الشعر العربي.

إذن فالشاعر الجيد هو الخالق الجيد لصورته الخاصة تلك التي يتلقفها القلب قبل الأذن عند فرارها من فم القصيدة.
الشعر .. البوابة الأجمل

*في أي جنس أدبي هناك فضاءات للبوح .. كشاعر ملتزم بماذا يمكن أن تبوح؟

الشعر هو البوابة الأجمل والأسرع عبوراً للروح لما يحمله من موجات موسيقية ترغبها النفس العربية تحديداُ ولا اكتب إلا للحب.. فالوطن حب.. والمرأة حب.. والدفاع عن فقير في مخيم أو قرية منسية حب.. ومناجاة النجوم ساعة ثمل شاعري حب.. الحب هو القاسم المشترك لكل ما أكتب.

ومن الجدير ذكره أن صلاح أبو لاوي أصدر أربعة دواوين شعرية هي " ليتني بين يديك حجر"و" الغيم يرسم سيرتي"و" إني أرى شجرا"و" يدور الكلام حولي".


توفيق عابد

صحافي أردني

من نفس المؤلف