الأموال المنهوبة من مصر

، بقلم عادل عامر

لا تزال الأموال المصرية التائهة خارجها حتى الآن؟ هذا السؤال كان لسان حال كثيرين من المصريين الذين علقوا كثيراً من آمالهم في تحسين أوضاعهم المعيشية بعد ثورة 25 يناير بعودة هذه الأموال، فالصورة الذهنية التي رسمها إعلام الأنظمة المتعاقبة بعد الثورة، عن سهولة استرداد هذه الثروات لدى القطاع الأوسع من الشعب، جعلتهم يظنون بأنها قادرة على إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد المصري، أن ثروة آل مبارك وشركائهم تبلغ 70 مليار دولار مودعة في بنوك خارج مصر.ان صعوبة استرداد الأموال دون أحكام قضائية جنائية بشأن الأموال المنهوبة، لافتاً أن الجانب السويسري يخشى من مقاضاة محامي مبارك للجهات السويسرية بما قد يمكنهم من استرداد الأموال، ولا سيما بعدما اعترضوا على إطلاع الجانب المصري على جزء من التحقيقات الجارية، وهو الأمر المهم لإدانة القضاء في مصر لمبارك ورموز نظامه
فإن الأموال لها مسارات متعددة وبأسماء كثيرة، وهو ما يعني أن مبارك ورموزه كانت معهم فرق من المحامين والخبراء في إخفاء مسار أموالهم، ومن ثم لا يوجد أمام البنوك أسباب تعوق استقبالهم لهذه الأموال ولا سيما مع عدم وجود دليل على الأموال الصالحة من الفاسدة.

وتكمن خطورة عدم استقلالية اللجنة المكلفة باستعادة الأموال المهربة، وتبعيتها للجهاز التنفيذي (الحكومة المصرية ممثلة في وزارة العدل) في خضوعها للتفاهمات والاعتبارات السياسية التي تتم بين رموز النظام الحالي والسابق، وصفقات التصالح المعلنة وغير المعلنة، وكذلك استمرار سيطرة بعض المنتمين إلى دوائر النظام السابق على الجهاز التنفيذي، وتوغل شبكات مصالحهم الأمر الذي من المتوقع أن يعيق عمل أية لجنة تابعة للجهاز خصوصا فيما يتعلق بجمع وتقديم أدلة ومعلومات بخصوص فساد نخبة مبارك الحاكمة وأماكن إخفاء أموالهم في تلك الدول، وذلك في ضوء الأداء المتواضع للجان التابعة لوزارة العدل وجهاز الكسب غير المشروع في خلال العامين الماضيين.

ومن المهم أيضا إدراك مدى تأثير عدم استقلالية لجنة استرداد الأموال على سير عملية استرداد الأموال في الخارج، فعلى سبيل المثال قضت الحكومة السويسرية في ديسمبر 2012 بعدم جواز إطلاع الجانب المصري على ملفات الإجراءات الجنائية المتعلقة بأموال المصريين المجمدة لديها، بعدما أعطى النائب العام السويسري المصريين هذا الحق- كما حدث مع الجانب التونسي في مايو2012 - بشرط ألا تقوم السلطات المصرية باستخدام هذه المعلومات بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أية إجراءات جنائية أو مدنية أو إدارية. واستند قرار المحكمة الفيدرالية السويسرية إلى أن الحالة المؤسسية في مصر لا تضمن قيام الجهات المسئولة بالحفاظ على سرية المعلومات، بالرغم من توقيع الجانب المصري على اتفاقية تلزمها بحماية المعلومات قبل الانتهاء من المحاكمات التي تجرى حاليا في مصر.

ويمكن إرجاع قرار المحكمة السويسرية بعدم قبولها معاملة مصر كتونس بالأساس إلى أفضلية الوضع المؤسسي في تونس على نحو لا يجعل مجالا للمقارنة بين الدولتين . ويشير رئيس إدارة القانون الدولي في وزارة الخارجية السويسرية فالنتين زيلفيجر في رسالة إلى المبادرة المصرية في 4 فبراير 2013 إلى أن قرار المحكمة قد يبطئ من التعاون المصري السويسري في تحديد مصدر الأموال المجمدة في سويسرا، ولكنه أكد على التزام الجانب السويسري بإعادة أية أموال منهوبة إلى مصر في أقرب وقت ممكن. فعدم استقرار هذه المؤسسات في ظل الوضع السياسي السائد في مصر يُصعِّب من فرص التعاون والدفع قدما بهذا الملف. وأكدت وزارة الخارجية السويسرية على حق مصر في تقديم طلبا جديدا للاطلاع على ملفات الإجراءات الجنائية في حالة تحسن الوضع المؤسسي في مصر واستقراره، مما يؤكد مجددا على أهمية تشكيل لجنة مستقلة ذات مصداقية بداخل وبخارج مصر لا تتبع الجهاز التنفيذي ولا تتأثر بالاضطرابات التي تحدث بداخله حتى يستطيع الجانب المصري المضي قدما وتقديم طلبا جديدا للاطلاع على ملفات الأموال المهربة. ويظهر التخبط جليا في تغيير مسئولي اللجان التابعة لوزارة العدل، والذي غالبا ما يطرأ نتيجة التغييرات الوزارية، والتقلبات الكثيرة في الموازين السياسية التي شهدتها مصر بصورة شبه مستمرة منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير. فعلى سبيل المثال كانت اللجنة الأساسية التي تعمل على هذا الملف هي اللجنة التابعة لجهاز الكسب غير المشروع بوزارة العدل برئاسة المستشار عاصم الجوهري، والتي تشكلت بقرار من المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مارس 2011، واستمرت في العمل إلى ما يقرب من العام ونصف العام. وبعد نجاح الدكتور محمد مرسي في انتخابات الرئاسة، وتشكيله لحكومة جديدة برئاسة الدكتور هشام قنديل، تم تنحية المستشار عاصم الجوهري جانبا في سبتمبر الماضي من قبل وزير العدل الجديد المستشار أحمد مكي، وتعيين المستشار يحيى جلال فضل بدلا منه. وشاعت أنباء في سبتمبر الماضي عن إصدار الرئيس محمد مرسي قراراً بتشكيل هيئة مستقلة عن وزارة العدل برئاسة المستشار محمد أمين المهدي والدكتور حسام عيسى نائبا له، ثم لم تلبث أن تراجعت هذه الأخبار، ولم يتم تشكيل اللجنة المستقلة بدون إبداء أي أسباب. وفي المقابل استمرت "لجنة يحيى جلال الفضل" في إدارة هذا الملف، بيد أن الأمر لم ينته عند هذا الحد، إذ أن محكمة القضاء الإداري تنظر في دعوى تطالب بندب قضاة مستقلين يتولون ملف استرداد الأموال المهربة في الخارج، وقد ورد في الدعوى نقلا عن جريدة المصري اليوم في عددها بتاريخ 1 يناير 2013 ، أن: "هذه الهيئة يجب أن تتضمن قضاة مستقلين بمعزل عن وزارة العدل، يتولون تنفيذ السياسات التي نصت عليها (اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد(والتي من شأن إعمالها عودة الأموال المهربة إلى خارج مصر قبل وبعد ثورة 25 يناير".

ذا كنا جادون حقا لا يجب الإبطاء أكثر من ذلك، خاصة في المسار القضائي، الذي يجب أن يكون المقدمة، فقضية غسيل الأموال التي تحقق فيها النيابة العامة حاليا، والمتهم فيها مبارك و13 آخرون من رموز نظامه قد تكون بداية جديدة لاستعادة الأموال المنهوبة، خاصة مع تسلم مكتب التعاون الدولي نسخة من مستندات القضية لإرسالها إلى النائب العام السويسري للنظر في إمكانية اعتمادها كدليل لتسليم مصر نحو 700 مليون فرنك سويسري (800 مليون دولار) أرصدة مجمدة لمبارك وعائلته وبعض أفراد نظامه عقب ثورة 25 يناير. ويجب تقديم هذه المستندات أيضا إلى كل من السلطات البريطانية والإسبانية اللتين تجمدان أرصدة تعود إلى مبارك وعائلته وأركان نظامه، حيث أن تقرير لوكالة الأسوشيتدبرس يشير إلى أن لندن جمدت أرصدة قيمتها 160 مليون دولار، بينما جمدت مدريد نحو أرصدة قيمتها 28 مليون يورو (38.9 مليون دولار)، وفقا لما ذكرته صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية.

وقد يحتاج التعاون مع بريطانيا في هذا الملف للكثير من الجهد، فعلى الرغم الالتزام العلني للحكومة البريطانية بمساعدة مصر، من المحتمل وجود أرصدة أخرى لأركان النظام الأسبق في بريطانيا لم يتم تجميدها، وفقا لما أكده تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لمدة ستة أشهر بالتعاون مع صحيفتي الجارديان البريطانية والحياة السعودية التي مقرها لندن، ونشر قبل عام ونصف تقريبا. وعقد المسئولون المصريون والبريطانيون 3 اجتماعات لبحث 10 ملفات لعدد من المسئولين من النظام الأسبق، وفقا لما نشره موقع إخباري قبل أيام. وقال مصدر مطلع إن رجل الأعمال والوزير الأسبق رشيد محمد رشيد أكثر المتهمين لدية مبالغ فى لندن تقدر بأكثر من 250 مليون دولار، مقابل 150 مليون دولار لرجل الأعمال المحبوس أحمد عز، و150 مليون دولار أخرى تعود إلى جمال وعلاء مبارك، مؤكدا أن هذه الأموال فى صورة شركات وسندات تأمينية وحسابات مصرفية وممتلكات عقارية.

أن مصر أهدرت 65 مليون جنيه من أجل استرداد الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج.ان هذه الأموال أنفقت على سفريات وأتعاب الوفود والخبراء الذين سافروا من مصر إلى دول أوروبا لأجل تحصيل أموال مصر التي هربها رجال نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك.

إننا لن نحصل على دولار واحد منها لأننا لم نسلك السبل القانونية السليمة بالاعتماد على اتفاقية مكافحة الفساد وآلياتها، واعتمدنا على من لا خبرة لهم من العاملين بجهاز الكسب غير المشروع، وتطوعنا بتقديم معلومات ثمينة للحكومة السويسرية بسذاجة، فقامت سويسرا بتجميد هذه الأموال دون أن تعطينا منها سنتًا واحدًا.

أن مجموع ما تم نهبه وتهريبه خارجاً إبان ثورة الشباب في 11 فبراير في اليمن يقدّر ما بين 50 - 70 مليار دوﻻر.. وقد تم تهريب هذه الأموال إلى دول أوروبية كسويسرا وبريطانيا ودول خليجية على رأسها الإمارات العربية وبالذات دُبي. حالة النهب هذه لم ينفرد بها نظام صالح فحسب بل اشتركت فيها كل الأنظمة العربية التي قامت فيها ثورات الربيع العربي؛ وهي تونس ومصر وليبيا ..وقُدِّرت الأموال التي تم تهريبها منها ما بين 32 - 134 مليار دوﻻر.. الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى تعيين محامٍ خاص تابع لها لمتابعة هذه الأموال واستردادها وهو النائب العام القطري علي المري، الذي أكد في مقابلة مع الجزيرة في 11/11/2013أن هذه الأرقام المقدّرة من البنك الدولي يمكن ضربها في 2 أو 3 .. أي أن مقدار ما هرب ونهب هو أضعاف ما أعلن عنه في تقديرات البنك الدولي.

ولعل كثيراً من الدول التي هُربت إليها هذه الأموال استفادت من أموال شعوبنا المقهورة لتفك بها أزمتها الاقتصادية الخانقة التي كانت تعيشها، وذلك يتعارض مع الأخلاق المتعارف عليها عالمياً. وعلى رأس هذه الدول اﻻمارات العربية. من باب "مصائب قوم عند قوم فوائد"، ولعل هذه الفوائد هي من الأسباب التي تجعلها -أي الإمارات- تُقاتل لإسقاط الربيع العربي وإعادة الأنظمة المستبدة التي منحتها هذه الأموال إلى سُدة الحكم من جديد لكن إرادة الشعوب لن تقهر.. ثم إننا في مقابل ذلك لم نجد من حكومتنا أي مؤشرات حقيقية من أجل استعادة هذه الأموال.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف