رواية «السّلك»

لعصمت منصور في اليوم السابع

، بقلم جميل السلحوت

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية «السّلك» للأسير المحرر عصمت منصور، والتي صدرت عام عن منشورات الرّصيف في رام الله.

أدب السجون:

الكتابة عن التجربة الإعتقالية ليست جديدة على الساحة الفلسطينية والعربية وحتى العالمية، وممن كتبوا بهذا الخصوص: خليل بيدس صاحب كتاب”أدب السجون” الذي صدر بدايات القرن العشرين، زمن الانتداب البريطاني، وكتب الشيخ سعيد الكرمي قصائد داخل السجون العثمانية في أواخر العهد العثماني، كما كتب ابراهيم طوقان قصيدته الشهيرة عام 1930تخليدا للشهداء عطا الزير، محمد جمجوم وفؤاد حجازي، وكتب الشاعر الشعبي عوض النابلسي بنعل حذائه على جدران زنزانته ليلة إعدامه في العام 1937 قصيدته الشهيرة” ظنيت النا ملوك تمشي وراها رجال” وكتب الدكتور أسعد عبد الرحمن في بداية سبعينات القرن الماضي(يوميات سجين)كما صدرت مجموعة قصص(ساعات ما قبل الفجر) للأديب محمد خليل عليان في بداية ثمانينات القرن الماضي، و”أيام مشينة خلف القضبان” لمحمد احمد ابو لبن، و”ترانيم من خلف القضبان” لعبد الفتاح حمايل ، و”رسائل لم تصل بعد” لعزت الغزاوي ، وقبل”الأرض واستراح” لسامي الكيلاني، و”نداء من وراء القضبان، وعناق الأصابع لعادل وزوز"و(الزنزانة رقم 706) لجبريل الرجوب، وروايات "ستائر العتمة" و "مدفن الأحياء"و"أمهات في مدفن الأحياء"وحكاية(العمّ عز الدين) لوليد الهودلي،و”رسائل لم تصل بعد” ومجموعة”سجينة”للراحل عزت الغزاوي و(تحت السماء الثامنه)لنمر شعبان ومحمود الصفدي، و”أحلام بالحرية”لعائشة عودة، وفي السنوات القليلة الماضية صدر كتابان لراسم عبيدات عن ذكرياته في الأسر، وفي العام 2005صدر للنائب حسام خضر كتاب”الاعتقال والمعتقلون بين الإعتراف والصمود” وفي العام 2007 صدرت رواية “قيثارة الرمل” لنافذ الرفاعي، ورواية”المسكوبية” لأسامة العيسة، وفي العام 2011 صدر”الأبواب المنسية” للمتوكل طه، ورواية “سجن السجن” لعصمت منصور، كما صدر قبل ذلك أكثر من كتاب لحسن عبدالله عن السجون ايضا، ومجموعة روايات لفاضل يونس، وأعمال أخرى لفلسطينيين ذاقوا مرارة السجن. وفي العام 2013صدر كتاب"الصمت البليغ" لخالد رشيد الزبدة وفي العام 2014 رواية"العسف" لجميل السلحوت.

وأدب السجون فرض نفسه كظاهرة أدبية في الأدب الفلسطيني الحديث، أفرزتها خصوصية الوضع الفلسطيني، مع التذكير أنها بدأت قبل احتلال حزيران 1967، فالشعراء الفلسطينيون الكبار محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم تعرضوا للاعتقال قبل ذلك وكتبوا أشعارهم داخل السجون أيضا، والشاعر معين بسيسو كتب”دفاتر فلسطينية” عن تجربته الاعتقالية في سجن الواحات في مصر أيضا.

كما أن أدب السجون والكتابة عنها وعن عذاباتها معروفة منذ القدم عربيا وعالميا أيضا، فقد كتب الروائي عبد الرحمن منيف روايتي”شرق المتوسط” والآن هنا” عن الاعتقال والتعذيب في سجون دول شرق البحر المتوسط. وكتب فاضل الغزاوي روايته” القلعة الخامسة” وديوان الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم”الفاجوجي”.ومنها ما أورده الأستاذ محمد الحسناوي في دراسته المنشورة في مجلة”أخبار الثقافة الجزائرية” والمعنونة بـ”أدب السجون في رواية”ما لاترونه”للشاعر والروائي السوري سليم عبد القادر

وهي (تجربة السجن في الأدب الأندلسي- لرشا عبد الله الخطيب ) و ( السجون وأثرها في شعر العرب.. –لأحمد ممتاز البزرة ) و( السجون وأثرها في الآداب العربية من الجاهلية حتى العصر الأموي- لواضح الصمد ) وهي مؤلفات تهتم بأدب العصور الماضية ، أما ما يهتم بأدب العصر الحديث ، فنذكر منها : ( أدب السجون والمنافي في فترة الاحتلال الفرنسي – ليحيى الشيخ صالح ) و( شعر السجون في الأدب العربي الحديث والمعاصر – لسالم معروف المعوش ) وأحدث دراسة في ذلك كتاب(القبض على الجمر – للدكتور محمد حُوَّر)

أما النصوص الأدبية التي عكست تجربة السجن شعرا أو نثرا فهي ليست قليلة، لا في أدبنا القديم ولا في الأدب الحديث: نذكر منها ( روميات أبي فراس الحمداني ) وقصائد الحطيئة وعلي ابن الجهم وأمثالهم في الأدب القديم. أما في الأدب الحديث فنذكر: ( حصاد السجن – لأحمد الصافي النجفي ) و (شاعر في النظارة : شاعر بين الجدران- لسليمان العيسى ) و ديوان (في غيابة الجب – لمحمد بهار : محمد الحسناوي) وديوان (تراتيل على أسوار تدمر – ليحيى البشيري) وكتاب (عندما غابت الشمس – لعبد الحليم خفاجي) ورواية "خطوات في الليل – لمحمد الحسناوي".
كما يجدر التنويه أن أدب السجون ليس حكرا على الفلسطينيين والعرب فقط ، بل هناك آخرون مثل شاعر تركيا العظيم ناظم حكمت، وشاعر تشيلي العظيم بابلونيرودا، والروائي الروسي ديستوفسكي في روايته”منزل الأموات” فالسجون موجودة والتعذيب موجود في كل الدول منذ القديم وحتى أيامنا هذه، ولن يتوقف الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وعودة الى رواية "السّلك" لعصمت منصور.

بدأ النقاش مدير الندوة ابراهيم جوهر فقال:

أسلاك قائمة، أسلاك تقوم تنتظر من يلتقط الكلام

هنا في (السّلك) البحر سلك، والسّلك الحدودي سلك، والفوارق بين الناس سلك، وبين الفصائل والتنظيمات سلك، وبين الماضي والواقع سلك....تتعدد الأسلاك في واقعها القائم وفي مفهومها ونتائجها النهائية الفاصلة.
البحر سلك فاصل كما يراه الكبار بما يحيط به من روايات وتحذيرات، لكن الطفل يشير إلى أنه ليس كذلك، فيسأل بهدوء واستنكار: طيب والسمك!! ولا تخفى الإشارة الذكية هنا وهي تصدر من طفل لاه مشغول بلعبته يقول ما غاب عن تفكير الكبار.

في لغة الكاتب وصف خارجي يعتمد أساسا على وصف الحالة النفسية والثقافية للشخصية، وينتقل من شخصية إلى أخرى، وإن ظلت شخصيات غير مرئية في عمقها، والكاتب يكتفي بأسمائها وحضورها العابر، ليركز على بعض الشخصيات التي أقام روايته عليها.

وقد لفت انتباهي كثرة الصفات التي أسبغها الكاتب على بعض المواقف والأحداث والشخصيات، فحملت الرواية أوصافا عديدة، يمكن التوقف عند دلالاتها ومبرر إطلاقها في السياق الفني... وكذا مع الاستشهاد النصي بشهادات من كتاب (ستون عاما – رحلة في الصحراء) لسلمان ناطور.

تطل الأفكار الفلسفية المحملة بالمواقف من بين السطور تارة، ومن السطور نفسها في المقاربة الأولى تارة أخرى، فلا تكاد تجد حدثا أو شخصية إلا ووراءها فكرة؛ الشخصية- الفكرة - النموذج، والحدث – الفكرة- النموذج.
الكاتب هنا يبني عالما روائيا، ينتقد الخلاف السياسي القائم في الحالة الفلسطينية، ويشير إلى قوة التحمل الكامنة في الناس، وإلى الظلم الواقع على القضية وناسها وانكسار أحلامهم.....

وتبدو ثقافة الكاتب وعمق مخزونه اللغوي في إثباته عددا من المقولات ذات العمق المعرفي والفلسفي. يقول على لسان الجندي الدرزي وهو يرفض الحديث بالعربية:(لغتك هي اللغة التي تحبها) ص59، ومعلم التاريخ (عبدالله القعيد) الذي أحيل على التقاعد لأن (التاريخ يروى على قدمين وهو لا يصلح لهذه المهمة مع إعاقته):" لا يجوز أن يهدر الكلام مثل عين ماء سائبة وأن ينثر في الهواء دون وجهة، على أحد ما أن يلتقطه وأن يدير ناصيته" صفحة10 .
... السلك قائم بيننا وفينا، مع الأب، مع المفاهيم، مع (هنا) و (هناك)، البيت هنا في المخيم وهناك في البلد.
مع السلطة، والناس، ومع الذين "سادتكم في الجاهلية سادتكم في الإسلام."

أسلاك، وحواجز؛ حاجز نفسي. حاجز قيم ومفاهيم ورؤى.
كلّ (سلك) يسلم إلى (سلك) آخر. تذكرت رواية (الحاجز) لعزمي بشارة، ففي كل حاجز يقوم حاجز آخر، تتعدد الحواجز والإنسان واحد.

في رواية (السّلك) يقدّم الكاتب (عصمت منصور) خلاصة فكرته ورؤاه للواقع الجغرافي والإنساني والفلسطيني بتعقيداته المتشعبة، ولا ينسى التعريج على واقع المرأة، الأمّ والزوجة والمعشوقة، والحرية.
"السّلك" رواية مفهوم، رواية فكرة. هذه هي (السّلك) بعمقها وعبثية أحداثها واستغلال عمالها ولؤم أعدائها. لذا طال حديث الراوي فيها، واختلط بالسرد إلى حد كبير اقترب من المقالة المستقلة أحيانا كثيرة، وتقديم معلومات عن بدء العمل في الأنفاق وكيفيته.

"السّلك" أثارت ألما، وأسئلة، وقدّمت نماذج، وأشارت إلى خلل في المسيرة والرؤية والحياة... فليس عبثا قول الكاتب على لسان شخصيته: "لا يجوز أن يهدر الكلام مثل عين ماء سائبة... على أحد ما أن يلتقطه..."

وقال جميل السلحوت

رواية"السلك"والتراجيديا الفلسطينية

القارئ للرواية سيجد تطورا ملحوظا ولافتا في أسلوب الكاتب عن روايته الأولى، وهذا يعني أن الكاتب يطوّر أدواته الكتابية بشكل متصاعد.

ورواية السّلك استمدّت اسمها من السّلك الحدودي الذي يرسم حدود ما يسمّى بالخط الأخضر، عمّا تبقى من فلسطين بعد النكبة الأولى في العام 1948، والمعروف باسم الضفة الغربية وقطاع غزة.

وهذه الرواية تأخذ عدّة جوانب من معاناة الفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة، خصوصا بعد انقلاب حماس واقامتها لإمارتها في القطاع الذي يعاني الحصار الشديد منذ ذلك التاريخ. وقد ارتأى الكاتب أن يكون السرد في الرواية على لسان بطلها الرئيس"وليد"بضمير "الأنا" وهذا أضفى على أحداث الرواية مصداقية وحميمية عالية، خصوصا وأن "الكثير من أحداث هذه الرواية مستوحاة من تجارب واقعية، تخص أشخاصا حقيقيين، قاموا بسرد مقاطع من سيرتهم الذاتية وذكرياتهم الحميمة، لتشكل جميعها خلفية هذه الرواية"ص134. ومع ذلك فالرواية ليست تسجيلية، وان ارتكزت على أحداث حقيقية، فأسلوب الكاتب صاغها في قالب واحد ومتداخل، لينقل معاناة عدّة أشخاص كنموذج للمأساة الفلسطينية التي تتلاحق يوما بعد يوم، بل وتزداد تعقيدا، وتأخذ أشكالا متعدّدة ومتداخلة ومتشابكة، وكأنّي بالرواية تطلق صرخة مدوية ترتكز في قاعدتها على بحث الفلسطيني عن رغيف الخبز المرّ، وما يكلفه ذلك من دماء وعذابات وسجن وتعذيب. فالسّلك "الحدودي"الذي كان الفلسطينيّ اللاجئ يحلم باجتيازه ليعود الى دياره التي شرّد منها في النكبة الأولى، أصبح حاجزا قاتلا يحلم ويعمل على اجتيازه بحثا عن رغيف الخبز، خصوصا بعد انفصال قطاع غزة، وما ترتب على ذلك من حصار تجويعي شارك فيه العالم جميعه. حتى أن الخروج من جحيم القطاع المحاصر أصبح أمنية للكثيرين بعد أن ضاقت بهم السبل، ومن يستطيع اجتيازه فانه يتعرض للاعتقال والتعذيب والسجن، واعادته من حيث أتي اذا ما نجا بحياته، واذا ما نجح باجتيازه فانه سيتعرض الى النصب والاحتيال، وربما على أيدي العملاء الذي ارتضوا خيانة شعبهم ووطنهم. حتى وصول أبناء قطاع غزة الى الضّفة الغربية المحتلة بوساطة التصاريح على قلّتها وصعوبة الحصول عليها، كانت تتبعه مشاكل تحول دون استمرارية اقامتهم فيها، فمجرد ارتكاب واحد من أبناء القطاع لجنحة معينة في مكان اقامتهم، يعتبر سببا كافيا ليكونوا جميعهم متهمين، وليتعرضوا لشنّ حملات عليهم تجبرهم على مغادرة المنطقة، مثلما حصل مع وليد في طولكرم، حيث هرب من طولكرم الى الرملة.

وتتطرق الرواية الى قضية الأنفاق التي حفرت بعد الحصار لتربط القطاع مع الجانب المصري، حيث يتم تهريب البضائع والأسلحة وحتى المخدرات عبر هذه الأنفاق، وأن التحالف القائم بين أصحاب الأنفاق وبين الحكومة المقالة في قطاع غزة، هو على حساب أبناء القطاع، مع أنه يتدثر بلباس ديني" نور على نور" والحديث عن تقوى الله وغير ذلك، لكنه ومع ذلك يتم فيه استغلال العاملين في هذه الأنفاق، حيث خسر الكثيرون منهم حيواتهم، أو لحقت بهم اعاقات وتشوهات، فهم بين عدة نيران، فالطيران الاسرئيلي يقصف الأنفاق من الجوّ، وانهيار الرمال والتربة أثناء الحفر أو بعده، ونقص الاكسجين في الانفاق، وما يترتب على ذلك من أمراض لمن ينجو بحياته.

وللمرأة معاناتها هي الأخرى، فأم وليد استشهد ابنها الطفل أحمد، وأصيب ابنها رفيق باعاقة شلّت نصفه السفلي، وزوجها أصيب بالجنون، ونتالي ابنة يافا كانت مستلبة قوميا وجسديا، وتعيش في متاهة.

ويظهر في الرواية تكامل البناء الروائي فيها، ومنطقية ربط أحداثها مع كثرتها ببعضها البعض، وجزالة لغتها، وحبّذا لو أنها خلت من بعض الأخطاء النحوية واللغوية والمطبعية.

والقارئ لهذه الرواية سيجد نفسه أمام ملحمة تراجيدية ترسم معاناة شعب، والعهر السياسي في هذه المرحلة من حياة الشعب الفلسطيني.

وقال عبدالله دعيس:

لا يمكننا أمام تضحيات الأسرى إلا أن نقف مجلين محترمين لهم، فمن ضحى بجل حياته داخل معتقلات الظلم والاستبداد لهو جدير بالاحترام والتبجيل، ولا يفوقه في عطائه إلا الشهداء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل حرية الآخرين، وأولئك الذين يرابطون ليل نهار ليصدوا هذا العدو الغاشم حاملين أرواحهم على أكفهم.
والأسر هو امتحان لإرادة الإنسان وقهر له. فمن مرّ به تصقل مواهبه، وتتجلى قدراته، ويعطي أفضل ما تجود به قريحته، فمن يصبر على القيد لا تعوقه صعوبات الإبداع. لذلك فإننا نجد الكثيرين ممن عانوا من ظلم الأسر قد أبدعوا في شتى المجالات، وكثير منهم عبر عن تجربته المريرة في الأغلال بكتابات أدبية رائعة. والكاتب عصمت منصور ليس غريبا عن هذا المجال، فهو بلا شك أحد هؤلاء المبدعين.

لقد كان قدر فلسطين أن تتقطع أوصالها ويفصل بين أهلها سلك وجدار وحواجز، بأشكال شتى، تفنن المحتلون بابتداعها؛ ليفرقوا بين هذا الشعب الذي ما فتئ يرتل آيات الصمود والبطولة منذ حطت عليه غربان الظلم والاستبداد. فهذه العقلية اليهودية التي تقوم على العزل والحجر، والمتأصلة في تاريخهم، ظهرت بأسوأ ما يكون في تعاملهم مع الشعب الفلسطيني الذي كان قدره أن يقع تحت أغلالهم، فلم يكتفوا أن شتتوه في كل أصقاع الأرض، بل تفننوا في تقطيع أوصال من صمد منه على أرضه.

ولكل أبناء الشعب تجربة مع الأسر أو مع جدار العزل والأسلاك الشائكة التي تشتت شمل وطنهم، فالطالب يجتازها ليصل إلى مدرسته، والعامل يعبرها ليصل إلى مكان عمله، والمجاهد يراغم العدو خلالها. فلكل منا حكايات مع الجدار أو السلك أينما كان.

والسلك لا يقتصر على ذلك الجدار أو الأسلاك الشائكة التي تفرّق الأخوة والأقرباء، بل يتعداها إلى تلك الحواجز النفسية والفكرية والاجتماعية التي خلقتها ظروف العيش تحت ظل الاحتلال بين أبناء الشعب الفلسطيني. فوجودنا تحت نير الاحتلال كان يمكن أن يوحدنا في مواجهته، لكن واقع الأمر يقول أننا لسنا متحدين، فلقد خلقنا بيننا حواجز وأسلاك تفوق أسلاك العدو تعقيدا، فسادت بيننا فرقة مهد لها العدو وجذرناها بأنفسنا، عندما اختلفت أهواؤنا وتضاربت مصالحنا. وهذه الرواية تسرد قصة الشعب الفلسطيني مع السلك – ذاك الذي وضعه العدو والآخر الذي اصطنعناه لأنفسنا.
والكاتب، الذي عانى من الأسر لسنوات طويلة داخل أسوار المعتقلات، لم ينس بقية الشعب الفلسطيني الذي هو أيضا يعاني من الأسر في معتقلات واسعة، فهي وإن كانت تطل عليها الشمس وتهب فيها الرياح، إلا أنها ليست أرحم من ذلك المعتقل الذي يقبع فيه الأسرى - فالكل مقيد بطريقة أو بأخرى. ولكل حكاياته. والكاتب هنا لا يكتفي بقص معاناة الأسرى في السجون، وإنما ينقل عمن عاشوا خارج المعتقل معاناتهم باجتياز السلك، ذلك الحاجز الذي يفصل قطاع غزة عن بقية فلسطين. فالكاتب انتقل من سرد تجربة الأسر الفردي إلى تجربة الأسر الجماعي.

تبدأ الرواية مع وليد الذي يغامر بحياته ويقطع البحر المتوسط من شاطئ غزة سابحا في ليل هاج فيه البحر وماج؛ ليصل إلى عسقلان، ويجد الأعداء في انتظاره هناك، ليضعوه رهن الاعتقال. ويتساءل القارئ: ما الذي دفع هذا الشخص لخوض تلك المغامرة الصعبة؟ فيسترسل بالقراءة متطلعا لمعرفة السبب.

يقرر وليد المحاصر في قطاع غزة، داخل السلك الذي يفصل بينه وبين العالم الذي أتى منه والده - والذي هو بدوره يحاصره داخل هالة من الذكريات البعيدة من ذلك الوطن السليب - أن يغامر بعبور السلك والوصول إلى الجهة الأخرى من الوطن. فوليد يفر من حياة عنوانها الفقر والعوز داخل مخيم للاجئين، ومن والد يحمل ألم السنين وحرقة الندم لمغادرة أرض الوطن.

يختبر وليد العالم الآخر على حقيقته الجديدة، وليست الفردوس التي وصفها له والده وجده. يواجه الحياة بكل صعوباتها، حتى يستقر به الأمر في مدينة يافا. وهناك يتخلى عن أحلام والده وجده بالعودة، ليرتمي في أحضان نتالي التي باعت عفتها، قبل أن تجتذب ذلك الشاب الهارب من غزة، ليهودي روسي جندي في جيش الاحتلال. مفارقة تستحق الوقوف عندها. فذلك الشاب اختار الهرب من غزة، لا ليعود لأرض الآباء والأجداد ولا لمقاومة العدو ولا حتى لمساعدة عائلته التي هي بأمس الحاجة للمساعدة، وإنما للهرب من ذكريات أبيه الذي كان لا يفتأ يحلم بالعودة شادا يديه على كواشين أرضه التي سيورثها لأبنائه من بعده.

وبينما يتفنن وليد في الاستمتاع بجسد نتالي الذي دنسه اليهود من قبله، يستشهد أخوه الصغير أحمد وهو يواجه دبابات الاحتلال، ويصاب أخوه رفيق بإصابة تعيقه عن الحركة. ويعود وليد إلى غزة ليكون شاهد زور على كثير من الأحداث التي دارت بها، مغفلا تضحيات أهالي غزة وبطولاتهم، متناسيا تحرير غزة من أيدي الصهاينة ودحرهم خارجها وصمودهم في وجه عدو يحاصرهم حصارا مريرا. ويعود في النهاية ليرمي نفسه في عرض البحر لا ليعود لأرض الآباء والأجداد وإنما ليعود إلى أحضان امرأة في يافا.

لقد تصدى الكاتب في هذه الرواية لتاريخ غزة في فترة الانتفاضة الأولى والثانية، ودخول السلطة الوطنية ثم تحرير غزة فحصارها، معتمدا على روايات سمعها من أشخاص عديدين عاشوا في غزة، وأسروا في سجون الاحتلال، وبثوا له شذرات من معاناتهم الشخصية – كما أشار الكاتب في نهاية الرواية. وأجاد الكاتب في اظهار معاناة أهل غزة والتضحيات التي قدموها ووصفها بدقة رغم أنه لم يرها ولم يعايشها. وشمل وصفه فئات كثيرة من المجتمع الفلسطيني في غزة: الرجل والمرأة والطفل والفقير وحتى أولئك الذين انتفعوا من حصار غزة وامتلكوا الأنفاق التي ابتناها الغزيون لكسر الحصار الجائر. ولكنه أغفل جانبا مهما، هو الأبرز في تاريخ غزة وصراعها. أغفل المجاهدين الذين سطروا بصمودهم أسمى آيات العزة والكرامة، أولئك الذين مرغوا أنف اليهود وقهروهم على مدى سنوات طويلة ووقفوا شوكة في حلوق الأعداء ومرغوا كبريائهم وعنفوانهم في التراب عندما استخدموا كل سطوتهم وجبروتهم لإخضاع غزة وتدميرها وكسر إرادتها فلم يستطيعوا، ثم استخدموا الحصار الجائر لتجويع أهل غزة، فتفنن أهل غزة بكسر الحصار الذي شارك فيه القريب والبعيد. إن تاريخ غزة وتاريخ فلسطين لهو تاريخ مزيف إذا لم يشر إليهم، فالتاريخ الذي تكتبه الدماء لا يمكن أن تمحوه ريشة كاتب.

ولكل مرحلة من التاريخ محاسنها ومساوئها ولكل نجاحاته وإخفاقاته، ولكن لا يمكن أن يصنف تيّم الذي بدأ مشواره لصا، ثم أصبح شرطيا يحرس حدود العدو كشهيد، تماما مثله مثل من ضحى بدمه طائعا مختارا؛ ليذود عن وطن لم يتخل لحظة عن حقه فيه، علما أن شهداء غزة لم يذكروا في هذه الرواية إلا تلميحا. فمن يتصدى لتدوين التاريخ عليه أن يكون صادقا وموضوعيا، وألا يجره أي هوى أو انتماء إلى إغفال الحقائق الظاهرة للعيان. فتحرير غزة من الأعداء ليس سقوطا لغزة، كما أشار الكاتب في صفحة 102.
لغة الكاتب جميلة رصينة وأسلوبه ممتع
شيق. لكن اللغة والأسلوب في بداية الرواية تفوق تلك في نهايتها، حيث يعمد الكاتب في الربع الأخير من الرواية إلى السرد السريع للأحداث ويبتعد عن الإسهاب الذي ميز بداياتها وأثراها.
ورواية السلك هي إبداع حقيقي، وتشخيص رائع لحكاية شعب نقشت تضحياته صفحات في سجل الخالدين. عمل يحسب للكاتب عصمت منصور، وإضافة قيمة للمكتبة الفلسطينية، وتوثيق لمرحلة هامة من تاريخ الشعب الفلسطيني من وجهة نظر الكاتب.

وشارك في النقاش صلاح الزغل وراتب حمد.