مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب !!- الحلقة الخامسة عشرة( الاخيرة)

، بقلم رواء الجصاني

62- الجواهري وزكي خيري، وخلاف الرأي
...
من بين ابرز الشخصيات السياسية الوطنية، والشيوعية، التي جذبت الجواهـــري، وتجاذب معه، كان زكي خيري، برغم عدم اتفاقهما في العديد من المفاهيم، والشؤون، وخاصة العراقية، ولعل مقولة "وخلاف الرأي لا يُفسد في الود قضية" ينطبق في هذه الحال تماما.

وأذكر هنا ان دعوة عشاء ضمت الرجلين، في شقتنا ببراغ أواسط الثمانينات الماضية، شهدت الكثير من الذكريات عن عقود وسنوات سالفة، عاشاها، وتعايشا معها سوية ، فكرا وسياسة وما بينهما كثير... ثم احتدم الحديث عن رواهن عديدة، جدالاً ساخناً، واكثر من المعهود، خاصة وان كلاً من الجواهري وخيري، معتدٌّ برأيه، ولحدود بعيدة.. أما محاور ذلكم الجدال، والسجال، فكانت اجتهادات ورؤى سياسية ، ولكن من أهمها: الموقف من الجبهة الوطنية في العراق إبان سبعينات القرن الماضي، والحرب العراقية – الايرانية، والموقف"الاممي" منه... ولأن هذه المحطات التي نؤرخ لها، وبعض عنوانها "بعيد عن السياسة" فلن نبوح بالمزيد !!!!

63- الجواهري عن بنت الشيطان.. وسميح القاسم

كتب الجواهري، قصيدة فريدة، بعد رهان مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، على الفوز بمطربة تشيكية فاتنة، في احدى مغاني براغ عام 1973ومن ابياتها:

يا بنت شيطان كفاهُ ان يكون اباك فخرا
كان التقربُ منه كفراً، وارى التغرب عنك كفرا
ما اوحشَ المغنى فان رقّصتِ منه فما احرّا
صيرته أنِساً، وكانت سوحه وحشاً تضرى..
وابحتِ "سرتك" التي ضاقت بما استودعتِ سرا
لم استطع صبرا، وهل غير الحمار يطيق صبرا...

وقد ردّ سميح القاسم ، ذو الثلاثين عاماً، معترفاً بفوز الجواهري - ابن السبعين في حينها – بذلكم الرهان قائلاً:

مهلاً فُُديتَ "ابا الفرات" فأنتَ بالحسناء احرى
اغريتُها شعراً، واغرتها شؤون منك اخرى ...
سحر ٌ– لعمري– ما صنعتَ ، وكان بعض القول سحرا

.. وبالمناسبة، حكى لي الجواهري، بالترابط مع الواقعة اعلاه، ان سميح القاسم وصديقه، ورفيقه، محمود درويش، "أقتحما" ودون مقدمات، غرفته في احد فنادق العاصمة البلغارية - صوفيا، ذات صباح من صيف عام 1968 وكانا مشاركين في مهرجان الشبيبة والطلبة العالمي هناك، والجواهري ضيف شرف عليه... وأصرا ان يتصورا معه، حتى وهو في ملابس النوم، صادحين بما معناه: انها فرصة العمر، وبدون صورة معك، لا تكتمل مشاركتنا في هذه الفعالية التاريخية.

64- الجواهري يتيه ساعة في براغ

حدث، ولظروف خاصة، أن استبدل الجواهري، مؤقتاً، "شُقيّقته" في منطقة براغ السادسة، بشقة صديقه عادل مصري" ابو سرود" في منطقة براغ العاشرة، والتي لا تبعد عن سكننا الا بنحو مئتي متر تقريباً، وكان قد تردد عليها اكثر من مرة. وجاء للعشاء لدينا ذات ليلة في عام 1987 وكنت حينها في موسكو بسفرة عمل.. وجرى ما جرى، بحسب ما تنقل نسرين وصفي طاهر، زوجة كاتب هذه السطور:

كنت مع أختي نضال، وولداها من نزار جلال البياتي: بشار ووصفي. وكانت عندنا سعاد الجزائري وزوجها صادق الصايغ، وأنتظرنا الجواهري لاكثر من ساعة، والطريق لا يستغرق أكثر من عشر دقائق، فبدأ القلق يساورنا، وخرجنا جميعا متوزعين في كل الاتجاهات، للبحث عنه. وقد كدنا ان نتصل بالشرطة للمساعدة، لولا ان نسمع صوت"وصفي" ابن العاشرة في حينها وهو يصيح بصوت عال: وجدته .. وجدته!!. ووصل الجواهري تعباً بعد ان سار طويلاً، ولنعرف بعدها أنه اختار اتجاها معاكسا تماما لموقع شقتنا، ويبدو انه كان غاصاً في عوالمه، بعيدا عن الدنيا...

.... وهكذا نتوقف عن الكلام المباح، وربما بعض غير المباح، عن شؤون خاصة وشخصية، للجواهري الخالد، ويوميات ومعايشات ظنناها- وما زلنا- تسلط ضوءاً اكثر حول ذلكم الذي "شغل الدنى والكون طراً، وآلى ان يكونهما، فكانا" وأقلاً على امتداد القرن العشرين. كما نحسب انها راحت تؤشر لجوانب من مواقف ورؤى جواهرية، بهذا الشكل او ذاك، ولمسارات من حياته المفعمة بالجديد والاستثنائي...

وأعترف هنا ان العديد من اللقطات والمحطات التي تم نشرها في الحلقات الاربع عشرة السابقة، حظيت بأهتمام محبين ومتابعين كثيرين، كما و"نقدات" من آخرين، بزعم ان بعض الخصوصيات لا يجوز النشر عنها. وبرغم ذلك فقد استمريت، مستلهماً ما قاله الجواهري عن نفسه ذات يوم:

خير الشفاعة لي بأني كاشفٌ حرَّ الضمير وقائلٌ: هذا أنـا

كما وأعترف ايضاً بأن حساباتي كانت الاكتفاء بحوالي عشر لقطات وحسب، وإذ بالذاكرة- ويا ويلها- تقود لاكثر من ستين موقفاً ومحطة ولقطة جواهرية، لم يُكتب، أو يُنشر عنها من قبل، ودعوني أشير هنا للتاريخ، بأن ثمة في الجعبة، ووريقاتي، الكثير الآخر من "المحطات" الخاصة، والشخصية، وكم اتمنى لو يسعف الوقت، لكي ترى النور كما يُقــــال..


رواء الجصاني

باحث عراقي

من نفس المؤلف