سلامة الفكرِ تكون بسلامة منهج التفكير

، بقلم صادق جواد سليمان

عالم الفكر ليس عالما راكدا وإن بدا أنه راكد إزاء ما نشهد من صخب عالم الحركة. في عالم الحركة يوجد كثير من زبد، وأقل من ذلك مما ينفع الناس. بمعنى آخر، قليل من الحركات الصاخبة يكون وراءها فكر نير، وحيث الحركات لا تنبثق من فكر نير، ولا تندفع بهديه، تكون أدعى إلى الإخفاق، وبالنتيجة أدنى أن تضير عوض أن تفيد. من هنا نرى أن كل وضع تقليدي راكد متمترس يخشى أثر الفكر النير الذي يتحداه أكثر مما يخشى صخب الحركة التي تنازعه. ذلك أنه إذ يستطيع مواجهة أيما حركةٍ بحركة أقوى، وأن يقابل أيَما عنفٍ بعنف أشد، فإنه لا يسنطيع مواجهة فكر إلا بفكر أرقى، وهو ما هو منه فقير.

تاريخ الفكر هو تاريخ الإنسان منذ أن وعى الإنسان على نفسه ومحيطه. الحضارات عامة، في انطلاقاتها الفكرية الأولى، أودعت أفكارها في صياغات دينية. جميعها في مسعاها لأجل فهم الذات، والكون، والسنن السارية في الكون، تعاملت مع الوجود بفكر متهيب من المجهول، الأمر الذي جنح بها نحو تأويلات غيبية في قراءة الطبيعة وتمظهراتها، في استقراء نشوء الحياة على الأرض وتطور أجناسها، في فهم وضعية الإنسان ضمن حراك الحياة، وفي تخيل مآل الإنسان بعد الوفاة.

إلا أن الفكر الديني، بعد ردح من الزمن، أمام تراجع اقتناع الناس بشروحاته الغيبية، لم يجد مناصا من أن يطرق باب المعرفةِ العلمية، فطرقه لكن بشديد حذر. في ذلك، بانتقائية غير عابهة كثيرا بمعيار المنهج المعرفي، صنع الفكر الديني سندا كلاميا زاخرا لتبرير تأويلاته - سندا متناغما مع المعرفة العلمية حيثما ناسبه، ومتفاديا التصادم مع مخرجاتها ما أمكنه. بذلك تصالحت الديانات مع المعرفة العلمية، لكن بارتياب مستتر، بعد أن كانت قد خاصمتها جهارا لأمد طويل، وتعاملت مع رادتها من العلماء والفلاسفة بإجحاف وإيذاء.

الفكر هو ما نشعر به بوجودنا، ونهتدي به إلى وجود ما حولنا، قريبه وبعيده، ظاهره وباطنه. هو ما ننطلق منه في تعاملنا مع كافة أمور الحياة، وما نحاول استنباطا به فهم خفايا الوجود. فإن كان فكرا سليما جاء نظرنا وأداؤنا سليما وفق نسقه، وإن كان فكرا معتلا جاء نظرنا وأداؤنا معتلا على شاكلته. من هنا ضرورة أن نحرص دوما على سلامة التفكير، وذلك باجتناب جميع مشوهات التفكير، أكانت عضوية الأثر، كمواد السكر والتخدير، أو نفسية الوقع، كالانفعالات التي تخرج المرء عن طور الرشاد، كما الغضبِ والغرور والحسد وكراهية الآخر ونزعة الانتقام، وكما الخوفِ والطمع والأثرة المجحفة بحقوق الآخرين.

هل يمكن تشخيص عناصر التفكير السليم؟ نعم يمكن: عناصره، على ما أرى وضوحا، ثلاثة: المعرفة العلمية، المنطق العقلي، الضابط الخُلقي. من ترافد هذه العناصر الثلاثة، وتلازمها، يتشكل المنهج المعرفي، الصائنُ سلامةَ التفكير.

لننظر مليا في كل من هذه العناصر الثلاثة.

العنصر الأول في المنهج المعرفي هو المعرفةُ العلمية ذاتُها، أي الإحاطةُ بالشيء أو الأمر الذي نتعامل معه إحاطة موضوعية. المعرفة في سياق تبلورها التاريخي نتاجٌ إنساني مشترك، تداورت على بلورته الحضارات من خلال تقابس متبادل مستدام. مضمار المعرفة مفتوح أبدا أمام الاستنباط: تحققا، وتوسعا، وتعمقا، في كافة المجالات. في عصرنا المعرفة تتضاعف أسياً في الرصيد الإنساني، بفضل أبحاث جادة وجريئة يقوم بها باجتهاد دائب علماء أجلاء من مختلف الأمم. في عصر سلف كان للأمة العربية الإسلامية شأن معرفي مشهود حين أنتج علماؤها وفلاسفتها أبحاثا معرفية رائدة على امتداد عدة قرون. ثم إذ انحسر المد المعرفي العربي الإسلامي أمام ممانعة أهل الكلام، تلقفت نتاجَه بعد حين أمم الغرب. بعملية اقتباس نشط وغزير، ثم باجتهاد ذاتي متواصل، بنى الغرب تراكميا الصرح المعرفي الذي من رحمه انبعثت الحضارة التي نعيش معطاها الثر في عصرنا مدار الأرض.

ثاني عناصرِ المنهجِ المعرفي، الصائنِ سلامة التفكير، هو المنطق العقلي. بالمنطق العقلي نتعامل مع التعالقات بين الأشياء والأمور: به نربط بين العلة والمعلول، بين السبب والأثر، بين التنظير والتجريب، بين الاستقراء والاستدلال، وصولا إلى اكتشاف الأوفق من الإمكانات المودعة في الطبيعة، واستنباط الأمثل من الخيارات المتاحة للإنسان لأجل حفظ ذاته، إنماء وعيه، وتدبير معاشه. بصرامة ذهنية، وبموضوعية لا تساوم، يبين المنطق العقلي الواقعَ كما الواقع عليه، فلا يدع مجالا لبناءات ظنية، أو شطط، أو تورية، أو تحريف. بالمنطق العقلي نُبطل تأثير الرضا والسخط، فلا تعود عينُ رضانا كليلة عن كل عيب، ولا عينُ سخطنا كفيفة عن كل فضل.

بالمنطق العقلي ندرك أن في أيما مجتمع، الظلم يؤدي إلى اضطراب سياسي فتفكك اجتماعي. التمييز بين الناس على أساس نسب أو جاه أو مال أو موقع سلطوي يخل بكرامة الإنسان. تفشي الجهلِ والفقر يكرس التخلف ويزيد المعاناة. التعصب، دينيا كان أو طائفيا أو قبليا، يولد الفرقة والخصام. ليكن لأيما مجتمع أيُما دين أو ثقافة أو عرق، أو موطن، إذا ارتضى تحكمَ هذه العواملِ السلبية في شأنه، فليس له أن يلوم سوى نفسه إذا تعثر سيره وتردى حاله، وانقطعت عليه سبل استدامة الأمن والنماء.

في المقابل: بالمنطق العقلي ندرك أن في أيما مجتمع العدل يؤدي إلى استقرار سياسي ووئام اجتماعي. المساواة بين المواطنين تعزز الانتماء للوطن وتحفز على خدمة الصالح العام. رسوخ شورى صادقة يوطد قاعدة المساءلة ويقي من مفاسد الاستبداد وشرور التسلط. نشر العلم واليسر المعيشي يخلق النماء ويثري خبرة الحياة. ثبات الوسط الوطني يستجمع الطاقات من كافة الأطراف وبتظافرها يمكن من انتهاض حضاري. هنا أيضا، ليكن لأيما مجتمع أيما دين أو ثقافة أو عرق، أو موطن، إذا حافظ على هذه العواملِ الإيجابية في خبرته، فإنه يشهد تطورا للأحسن ويجد ميسورا أمامه استدامةَ الأمن والنماء.

بالمنطق العقلي ندرك أن المباعدة بين المسؤولية والمساءلة تعطب أداء كل منهما، فلا المسؤولية تنجز بشكل صحيح وأمين، ولا المساءلة تمارس كما ينبغي أن تمارس لأجل تقويم الأداء وترشيده. ذلك أنه حيثما تحصر المسؤولية العامة في شخص، أو في نفر معين، دون طائل مساءلة، يحدث خلل في النظام العام، وتباعا يحدث صدع في الاستقرار السياسي ومن ثم بالوئام الاجتماعي. فإذا طالت هذه الحال فإنها تستولد ظاهرة الاستبداد التي، كاستتباع منطقي، تستولد ظاهرة الفساد.

احتراسا من حدوث هذا الخلل، لجأت الشعوب في عصرنا إلى أنظمة ديمقراطية تعمل بمنهاج المشاركة العامة مؤسسيا في إدارة الشأن العام. لأجل ذلك هي فرعت سلطة الدولة إلى سلطات رئيسة ثلاث: سلطة تشريعية، سلطة تنفيذية، وسلطة قضائية. ثم إنها فاصلت بين هذه السلطات، كيلا تتفرد أية منها بالقرار الوطني. من هنا نجد الدساتير العصرية عبر العالم تتبنى مبدأ المفاصلة والمشاركة معا بين السلطات الثلاث، وذلك بمنهاج متوازن محكم، مؤصَل دستوريا ومفصل تشريعيا باتساق مع الدستور.

بالمنطق العقلي ندرك أنه حيثما الشعب ينتخب من يرى في مواقع المسؤولية، فإنه يتحمل تبعة اختياراته. عندها لا يكون له أن يؤاخذ إلا نفسه إذا لم يحسن الاختيار. مع ذلك، تبقى للناخبين سلطة تصحيح الوضع بعزل المسيء أو المقصر، أو تبقى لهم فرصة انتخاب شخص أنسب في دورة لاحقة. بمثل هذه الممارسة الدستورية تنضج خبرة الشعوب ويصوب الاجتهاد الوطني في تطوير الأمور وتصحيحها حيثما يلزم. بتعطيل هذه الممارسة الدستورية يُعطل على الشعب التمرسُ في عملية إنتاج حوكمة رشيدة.

ثالث عناصر المنهج المعرفي الصائنِ سلامةَ التفكير هو الضابط الخلقي. الضابط الخلقي يرشد الغاية والوسيلة معا، وبذلك، يدفع الفرد والمجتمع سويا للارتقاء. مسعى الارتقاء كثيرا ما يتعرض لمزالق الهوى والحمق. الضابط الخلقي يحصن المسعى بتوطيد مبادئ العدل، والمساوة، وكرامة الإنسان، والشورى: المبادئُ الأربعة المؤصَلةُ قرآنيا، والتي منها تتفرع جميع حقوق الإنسان عالميا، ومنها تستمد، أو يجب أن تستمد، حقوقُ المواطنة في كل دولة. ذلك أنه حيثما توفى حقوق المواطنة توفى حقوق الإنسان، والعكس صحيح. من بعد ذلك، الضابط الخلقي يلزمنا بالصدق دوما، وباللاعنف ما أمكن: الثنائيُ الذي برهن مهاتما غاندي نضاليا في الهند نجاعة تأثيره في إحقاق الحق وإزهاق باطل عنيد.

الضابط الخلقي هو بمثابة جرس أودع في ضمائر البشر ليحذر من مغبة كل جنوح لعمل آثم أو تصرف مشين لا يليق بالإنسان كمخلوق كريم. فإن جافى المرء ضميره وأجرم عاد الضمير ليلومه ويقلق مضجعه حتى يكفر عن جرمه ويتوب. في ذلك رحمة، كي لا يستمر المرء في غيه فتتراكم تبعات إثمه، بل أن يتدارك ويصحح سريعا ما يكون قد بدر منه من خطأ أو تقصير.

في قناعتي، أيُما فكر لا يستند إلى المنهج المعرفي بعناصره الثلاثة مجتمعة، أي أنه لا يستند إلى المعرفة العلمية عمليا، لا يستقرء الأمور بالمنطق العقلي نظريا، لا يحتكم إلى الضابط الخلقي مرشدا عمومَ النظر والأداء، هو فكر غير قويم، أمورس على صعيد شخص أو جماعة، أو مورس في سياسة دولة أو من منظور دين.

بما وعيتُ عن الشأن البشري أستبنتُ أن ما يَصلح وينمو به حال فرد، يَصلح وينمو به حال أمة، وبما يَصلح وينمو به حال فرد وأمة، يَصلح وينمو به حال جميع الأفراد والأمم، بصرف النظر عن فارق دين، أو عرق، أو جنس، أو ثقافة، أو موطن. سنة الله قسطاس مستقيم: لا تحابي أحدا ولا تجافي أحدا. كما نزرع نحصد. لا عمل يصدر منا إلا ويرتد أثره علينا: خيرا بخير، وشرا بشر، هنا في هذه الحياة. فإذا شكرنا شكرنا لأنفسنا، وإذا أحسنا أحسنا لأنفسنا، وإذا ظلمنا ظلمنا أنفسنا، وإذا كدنا بالمكر السيء حاق بنا المكر السيء – تلك بصائر من الفكر النير للناس كافة نتدبرها في القرآن المجيد.

أخيرا، أفكارا ستة أوجزها كتلخيص لما يؤدي إليه العمل بالمنهج المعرفي – أفكارا أجدها مؤكدة في المعطى الحضاري العربي الإسلامي، ومؤكدة في الفكر الإنساني النير، بسواء: أفكارا أرى أنها بقدر ما تستقر في وعي الإنسان ووجدانه، فيفعلها في عموم نظره وأدائه، تصنع له حياة طيبة موفورة النعم، ظاهرة وباطنة. بمثل ذلك هي تصنع للمجتمعات عبر العالم، إذا هي عملت بها - حياةً مهيئة لانطلاق إنساني رشيد ونبيل.

*الفكرة الأولى هي فكرة وحدة الإنسانية: أن ما هو موحَد فطرة بين الناس أعم وأهم مما هو متفاوت ظرفيا بينهم.

*الفكرة الثانية هي فكرة الحرية: الحرية ليس بالمطلق، وإنما بالقدر الذي لا يضر بالآخر، شخصا كان أو جماعة، وكحرز أمان ضد الاستعباد.

*الفكرة الثالثة هي فكرة المساواة: أن القيمة الإنسانية في جميع الناس متساوية، وأن التفاوت بينهم يكون بالقيمة المضافة، أي تلك المكتسبة بجهد شخصي.

*الفكرة الرابعة هي فكرة العدل: أن كل تعامل بين الناس يجب أن يكون بميزان العدالة، على قاعدة لا ضرر ولا ضرار.

*الفكرة الخامسة هي فكرة كرامة الإنسان: أن لا يهان الإنسان أو يدان في ذاته، إنما يدان جرمه، فيعاقب عليه بما يتناسب مع خطورة الجرم.

*الفكرة السادسة والأخيرة هي فكرة الشورى الممكنة من المشاركة العامة مؤسسيا في تقرير الأمر العام، والرابطة بين المسؤولية والمساءلة، ومن ثم الواقية من توأم الاستبداد والفساد:

بهذه الأفكار المثلى على مر العصور ذكر الأنبياء، إليها ندب الحكماْء، عليها قامت الحضارات: وبهديها جرى تطور الإنسانية على مسار النماء المعرفي والمكنة العملية، وأكدت مكارم الأخلاق.

ختاما، بما أن هدف ملتقاكم التنموي هذا هو إنماء الفكر النير، الفكر الممكن من الارتقاء الحضاري، إذن ثابروا حثيثا على حض مفكرينا داخل الوطن، وعبر الوطن العربي الكبير، وحض نظرا ئهم من المفكرين في سائر الأمم، ليبث الجميعُ وسط الشعوب أفكارا تنبذ العنف، ترفض الاستبداد، تميت الفساد، تعمل بمبادئ العدل والمساواة وكرامة الإنسان والشورى، وتحتكم إلى المنهج المعرفي في التدبر الفكري والتدبير العملي.

ما عرضتُ عليكم هي منظومة أفكار صميمة تنشد تحقيق الصلاح والنماء في الحراك الإنساني في كل زمان ومكان. وهي أفكار تتسق مع ما يطمح ملتقاكم التنموي هذا إلى تحقيقه: إحياءً لكل أثر حميد، ومعاصرةً لكل تطور رشيد. هي، لذلك، أفكار جديرة بأن يتمحور اهتمام العالم حولها، ويتواصل سعي الأمم والشعوب في تفعيلها: في دساتيرها، في تشريعاتها، وفي مسلكياتها السياسية الاجتماعية. ذلك أنها، في المؤدى الأخير، أفكار تتحقق بها إنسانية الإنسان عروجا للأوفى والأمثل باطراد.