عار الحرية!

، بقلم عـادل عطية

في منتصف السبعينيات، قامت الفنانة الصربية «مارينا ابراموفيك»، بتجربة فريدة؛ لكي تتعرّف أكثر على تصرفات البشر، إذا مُنحت لهم الحرية المطلقة دون مقاومة، فقررت أن تقف لمدة ستة ساعات متواصلة دون حراك، واتاحت للجماهير أن يفعلوا بها ما أرادوا، بعد أن تركت لهم على طاولة بجانبها، العديد من الأشياء، التي يمكن أن يستخدموها: سكين، ومسدس، وازهار،...

في البداية، اكتفت الجماهير بالوقوف امامها، ومشاهدتها. وعندما تيقنوا، انها لن تجابههم باي رد فعل انتقامي، مهما كان نوع تصرفهم تجاهها؛ أصبحوا أكثر شراسة، وعدوانية: فقد وجه أحدهم المسدس إلى رأسها، وكاد أن يطيح به، وقام آخر بتمزيق ملابسها، وآخر بالتحرّش بها، وآخر قام بنكزها ببطنها، بأشواك الأزهار، وتصرفات أخرى مشينة، ومؤلمة!
لقد تحمّلت، هذه الفنانه، بآدائها الجسدي الحافر عميقاً في ذاته، وعلاقته بالآخر، وبالتاريخ الراسخ، هذه الهمجية المتوحشة، بصبر وجلد عجيبين، إلى أن انتهت الساعات التي حددتها، فتحركت من مكانها، دون أن تتخذ أي موقف عدائي ضدهم!
لكنها كانت قد اثبتت: أن الذين نتعامل معهم يومياً، مهما اختلف عرقهم، وسنهم، وخلفياتهم، لقادرون على ارتكاب أفعال شنيعة، إذا اتيحت لهم الفرصة، دون رادع من قيم، ومن قانون، ومن نظام!

وفي مصرنا، ومع مخاضات الثورة "الخريفيّة"، انفلتت الحرية عن مساراتها المقدسة، وأصبح الاندلاع الاحتجاجي، الذي كاد أن يصبح يومياً، محاولة يائسة؛ لتمرير اسطورة: "الحر الفوضوي الثائر"!، وكأن القوانين الملزمة، في اعتقادهم الخاطيء، تحدد حريتهم، مع انها تتيح للحرية الحقيقية إمكانية أعظم، وتجعلها قريبة لهؤلاء الذين يتبعون القوانين، والضوابط الاخلاقية!

ذلك لأن على الإنسان أن يفهم الحرية قبل أن يطالب بها، ويعتصم من أجلها، ويحرق المؤسسات، ويقتل الابرياء في سبيلها!

قالت الفنانة "مارينا ابراموفيك"، وهي تلخص فلسفتها الآدائية: "على الفنان أن يتألم؛ فمن الألم تأتي أحسن الأعمال".
ويمكننا أن نضيف إلى مأثورتها هذه: "وأحسن العبر"؛ فلا نعطي للبشر حرية أكثر مما يستحقون!...