أمومة غائبة

، بقلم مروى هديب

في صغري كان ينام على سريري ما يربو على العشرين دمية

كان اهتمامي بها يأخذ جل وقتي وكثيرا ما استمعت لتعليقات ساخرة من أخوتي .. على اهتمامي الزائد بالدمى غير أني لم أكن أنصت إليها مطلقا و كبرت وبقيت تلك الطفلة في داخلي بعواطفي واحاسيسي المرهفة وبكل شيء يحويني
أضحك قليلا و أبكي كثيرا أهرب أركض نحو المستحيل أشاكس الطرقات أتمرد على القوانين و الطلبات لاتعب في نهاية المطاف فأجلس في زاوية تضمني لتواسيني وتغني وتبكي على حالتي علني استيقظ في اليوم التالي على شمس يوم جديد لا ادري ما يحمل لي في طياته .

استيقظت في صبيحة هذا اليوم وفي داخلي شعور غريب لا اعلم ماهيته كل ما كان يسيطر على ذهني هو شوقي لرؤية اطفال شقيقتي انهيت عملي وذهبت لزيارتهم وهناك لا ادري ما الذي جرى لي ما ان رايتهم حتى غلبتني الدموع وانهكت قواي فلقد عرفت ماهية ذلك الشعور الذي راودني فما كان يسيطر علي هو رغبتي بان اكون اماً لطفل صغير .. !!!
منظر اطفال شقيقتي وهم حولي اثار غريزة الامومة المدفونة في داخلي منذ سنوات كم ارغب الان بأن اكون اما لطفل صغير او لطفلة صغيرة كم اشتاق أن أفجر تلك الطاقات التي تختبئ في صدري بهم اريد طفلا لي يخصني وحدي اقوم على تربيته واطعامه وتلبية كافة شؤونه اريد ان اشعر بانتفاخ بطني شيئا فشيئا اريده ان يسكن ذاتي .. ويعيد إلى روحي نبض الحياة والقها اريد طفلا يبحر وينير دربي ويحتضن مدمعي وينمو في احشائي اريد ان امر باطراف اصابعي على بطني كل يوم لاسمع حركاته اريد ان استيقظ ليلا على ركلاته وهو يمنعني من النوم .. كم اتوق لاعيش هذا الشعور فاهتمامي وعشقي للأطفال يزداد يوما بعد يوم مجرد رؤية طفل يبكي أو يتألم كان كفيلا بجعلي أبكي فمشاعر الأمـــومـــه تذغدغ خيالي لا بل أصبحت أفـــكر فيها بــشكل كبــير على الرغم من انني و طوال سنوات حياتي لم اتمنى ان احظى بزوج كما تمنيت في ذلك اليوم لكن الشهور والايام والسنوات تمضي ولا تحقق لي هذا الأمـــــل حتى انني خفت للحظة من أن افقد أغلى ما يمكن أن تملكه امرأة خفت بأن يصبح حلم الأمومة سرابا يستحيل الوصول إليه ابدا فلم تنفع محاولات عقلي المتكررة في ابعاد هذا الهاجس عن قلبي بت اعيش حالة رهيبة من الالم والخوف فلا احد يستطيع تصور إحساسي ورغبتي وحلمي في أن أكون أما لطفل صغير ..

تلقيت مؤخرا عرضا للزواج بدا لي هذا العرض بمثابة الحل الوحيد لاحقق رغبتي فالعرض كان قد جاء في وقته والفرحة التي غمرتني حين تلقيت هذا العرض أكبر من أن توصف بعدة كلمات فالحلم الذي عشت عليه طويلا .. يقترب مني كثيرا "الشيء" الدافئ الذي كنت ألجأ إليه وألمحه قريبا قريبا جدا والشعور الذي كنت أغرق نفسي فيه باستمتاع أشعر بانه سيغرقني هذه المرة فأنا ساكون اماً ..كل ما يتوجب علي هو ان اقول له نعم ولكن المشكلة تكمن في انه يصغرني بسنوات كثيرة فهناك سبع سنوات تقف بيينا كما انني لا اشعر بشيء تجاهه على الاطلاق مع انني وفي قرارة نفسي اعلم جيدا انه يحبني ويرغب بي كزوجة له ولكنه بنظري ليس سوى شاب صغير لم يتجاوز عمره الاثنان وعشرين سنة فكيف اقترن برجل لا اراه انا رجلا بنظري فهو ليس اكقر من مجرد وسيلة ارسلها القدر الي لاحقق حلمي !! فهل استغل هذه الفرصة التي قد لا تتكرر واجعله يمنحني ما تتوق اليه نفسي ؟؟ دخلت منذ فترة في صراع نفسي كبير بين القبول او الرفض بات هذا الامر هاجس يؤرقني ويقض مضجعي فانا لست تلك الانسانة الاستغلالية الدنيئة التي قد تستغل ذلك الشخص البسيط ليحقق لها رغبتها وامنيتها في هذه الحياة فثقافته في هذه الدنيا بسيطة حتى انه لم يكمل تعليمه وقد يبدو للوهلة الاولى شخصا مناسبا لاستغله واتزوجه واجعله يمنحني طفلا حتى لو تركني بعدها لا يهم المهم ان انال مرادي واصبح اما .

الألم الذي اعيشه في هذه الفترة عظيم ومهما حاول احدهم ان يشعر بي لن يستطيع ان يتفهم حجم الالم في داخلي مهما بلغت درجة تعاطفه معي سيبقى كل الألم لقلبي ولي وحدي .. كنت اقول لنفسي كيف استطيع ان استغل احدا بمثل طيبة ذلك الانسان ليحقق لي مطلبي ؟ كيف ابني حياتي على تلك الكذبة الكبيرة وذلك الوهم سأعيش فيه معه ان وافقت على الارتباط به ؟؟؟ ذلك الوهم سيكون أخطبوطاً يلفني من جميع الاتجاهات وساقف انا في النهاية عاجزة أمامه وساكون بهذا قد جنيت على نفسي وعلى ذلك الانسان الذي لا ذنب له سوى انه وقع في حب انسانة استغلالية مثلي لا هم لها سوى ان تتزوج لتنجب ولو طفلا .... كنت أشعر بأني اقترف بحقه جريمة عظيمة فهو يراهن على رغبته في الزواج بي وحلمه بالسكينة معي بينما انا كل ما يسيطر علي هو رغبتي في تحقيق حلم الأمومة من خلال رجل أو بالأحري ذكر .. يخصب ثم يرحل كما في مملكة النحل !!! كم كنت اشعر بالفرق من نفسي عندما افكر بتلك الطريقة ولكن رغبتي في ان تدب الحياة في داخلي وأغلب نظرات الشامتات بي حين أحضن طفلي الصغير وفمه يلثم صدري تستحق التضحية كنت أعيش حرباً ضروسة بداخلي وناراً تغلي في دمي وقلبي ، حتى ان احد اصدقائي نصحني بتبني طفل صغير والتكفل بكافة مصاريفه !! المشكلة ليست في تبني اي طفل المشكلة تكمن في انني ارغب ان امر انا شخصيا بتلك التجربة العظيمة اريده ان يحتل كياني ويملا وحشة ايامي اريد ثمرة تعطي معنى لحياتي اريد لجسدي ان يكون جسرا يعبر من خلاله الى الحياة طفلا ً يملأ وحشة أياميأربيه ... أنميهيغيرني ... ينمينيإلهيلا أريد طفلاً أعجوبةأريد طفلاً فبطأي طفللأنني منذ غرسة الحب الأولىوحتى اتحادي بمن أحبأبحث في أعماقي عن ثمرةتعطي معنى لحياتيتعيد للحب ألقهمنذ لحظة الحب الأولىوأنا أرسم ملامح طفلييا ترى ما شكل عيناه ؟؟يا ترى ما شكل يداه ؟؟كل ما أريدهضحكة طفلدمعة طفلهديل طفلصوت يناديني ( أمي)صوت يبعث فيا الأنسان حيا ً ..لأنني ياربكامرأةأحترف طريقاً واحداً للحبهذا الطريق يمر حتماًمن الأمومة ...ربي :أعطني طفلاًلن أتملكهلن اطلب منه ان يكون الأوللن أطالبه أن يكون الأفضلسأحبه كما هوسيكون في عيني الأفضلجل ما أريدطفل يوقظني في الليلطفل أخاف عليهيكبر فيخاف عليأريد أن أعاين حبه الأولأريد ان أراه يكبرأن أرى اطفالهيعيدون لشيخوختي امومتهاربي :أهدني طفلاًدعني أشاركك في خَلقِكَ الرائعاستعمل جسدي جسراًلتمتد به الحياةلأنني أشعر أنيدون جدوى ..وسنين القحط قد اقتربتوالبشائر التي عددتها يوماً دليل خصبهي اليوم علامة الخيبةالأنثى التي في داخليبدأت تجفبدأت تموت اريد أن ألقنه أولى كلماته التي تتعثر عند فمه الصغير وهو يقول لي ماما ....

لكنني وفي هذا اليوم تحديدا وعندما استيقظت صباحا توصلت الى قرار خطير رغم انني استغرقت وقتا طويلا وانا افكر به الا انني توصلت اليه اليه بعد عناء ووقت طويل رغم انني لا أملك إلا أن أكتم عبرتي وأجتر الألم بصمت وانا اتوصل اليه فانا لن استطيع ان اقبل عرض الزواج الذي تلقيته قبولي به معناه انتحاري لذا يجب أن أضع حدا لهذه الدراما الساخرة التي تحدث معي حتى لو كان الثمن أن افرض على نفسي ما لا تطيقه فنحن تقابلنا في ظروف لم تكن لنا اليد فيها ولم نسطر أحداثها ولم نختر شخصياتها أو أبطالها فهذا هو واقعنا المرير الذي نعيشه وانا من وضعت نفسي في أسوار تلك الورطة التي لن أستطيع الخلاص منها الا برفض طلبه فانا لن اكون عادلة او منصفة بحقه اذا ما وافقت على طلبه كما أنني لست مستعدة لأن أقحم نفسي في تلك المغامرة التي لا أدري ما هي نهايتها فانا كنت اعتقد انني قادرة على تحقيق حلمي الجميل ذاك بمنأى عن الجميع ...لكن وبعد هذه التجربة المريرة ...علمت أن رغبتي بأن اكون اما ستبقى غائبة الى اجل غير مسمى فهذا الحلم لم يخلق لي لذا سامحي كل ذكرى لذلك الشعور من داخلي وسالغي اي نداء يصدر من اجله في داخلي وساصم اذني عن سماع اي صوت يمزق أجنحتي الضعيفة، فحلم الامومة من الآن فصاعدا سيكون شيء دافئ ألجأ إليه كلما ضيق الزمن خناقه علي فما إن أغرق نفسي بــ تفاصيل ذلك الشعور" حتى تتلاشى كل ذرات الشعور السيء لدي...