الأمويون وكرة السلة

، بقلم بكر أبو بكر

عندما جلس يفكر لم يستطع أن يزيل من ذهنه حوادث الليلة الفائتة ، ولم يستطع أن يقتطع وقتا مريحا صباح اليوم التالي ليستوعب ما حصل ... كان الضغط شديدا فالمطلوب منه أن يُنجز حسابات الشركة في خلال ساعات، لاسيما وأن المدير المباشر يلاحقه باتصالات تستحثه على الانتهاء.

جلس يفكر في آلية عمل يستطيع من خلالها أن يتخلص من ضغط رئيسه، إذ لم يكن بالمستطاع أن ينجز المطلوب في مدى ساعات وإلا لحصل خلل، لأن الحسابات ناقصة وتحتاج لفواتير ومراجعات واتصالات لتكون دقيقة... ما قاله لمديره ولكن لا مجيب ، وهو في ذلك لم يستطع أن يتخلص مما حصل له في الليلة الماضية.
يعاني الآن من ثلاثة ضغوط رئيسة، الأول: إلحاح المدير المباشر، والثاني: إنجاز عمل لا يمكن إنجازه في المدة المقررة، والثالث: توارد وتدافع الأفكار السلبية لما حصل معه بالأمس مما يقطع حبل تفكيره ويشدّه بعيدا ... امتلأ رأسه بالتقاطعات وهو إذ لم يستطع أن ينظّم الأفكار في عقله، أو ينظم فترات زمنية لتعاقبها أو يدفع تلك الأفكار الثانوية منها وراء ذات الأولوية فإنه قرر أن يترك كل شيء.
خرج من المكتب نحو الشارع ليصادف مجموعة من الأطفال تلعب كرة السلة، على سلة منصوبة في فناء موقف السيارات الذي كان خاليا في مثل هذا الوقت من المساء فاستأذن الأطفال المشاركة ، وهذا ما حصل.
دخل المدير الى غرفة طالب عدة مرات فلم يجده ، فطلب من سكرتيرته البحث عنه ولكن دون جدوى ، ولما يئس، أمرها الاتصال بهاتفه النقال الذي كان يرنّ بلا طائل.
كان العَرَق يتفصد غزيرا من جبين طالب وهو يلعب مع الأطفال مبتسما بل وضاحكا بصوت عال بل وعالٍ جدا الى الدرجة التي أسمع فيها الموظفين في المكتب المجاور للموقف أو بالأخرى من تواجد منهم في هذا المساء وكان منهم المدير وسكرتيرته.
نظر مدير طالب من نافذة مكتبه المطلة على الشارع الرئيس المواجه لمصف السيارات فرأى طالب يلعب كرة السلة فرفع حاجبيه تعجبا وزمّ شفتيه وغضب ... حاول أن يجد تفسيرا لما يرى فلم يستطع، فرغبته في أن يرى ما طلبه متحققا قد تجاوزت امكانية فهمه لحجم الضغوط التي يمارسها على طالب وتفوق طاقته في الزمن المقرر.
وقف بإزاء النافذة واضعا يده اليمنى تحت ذقنه متأملا ، ومازال الغضب يفتك به فهو أيضا تحت إلحاح المدير العام للشركة لا يعرف ما العمل ، والعمل لا يقوم به إلا طالب ذو الاختصاص والهمّة.
فكّر مليّا أن يفتح النافذة ويصرخ به، إلا أنه طرد الفكرة ، جانبا لأن هذا الفعل سيؤثر في هيبته كما ظن ، ثم فكر أن يرسل المراسل ليعيده الى المكتب، بل فكر أن يطرده ولكنه سرعان ما طرد هذه الفكرة لسببين الأول هو أن طالب الموظف تحت إمرته صديقه، والثانية أنه صاحب اختصاص و يتقن عمله.
باختصار لم يستطِع أن يقرر ماذا يفعل، ولم يبقَ من الوقت الذي حدّده مدير الشركة إلا ساعة أو أقل ... بدأت الدقائق تتلاحق والمدير يذرع المكتب جيئة وذهابا لا يدري ماذا يفعل! ... تنازعته مختلف الأفكار بما فيها أن ينزل اليه شخصيا ويصرخ في وجهه بل وأن ... لا..لا..لا يمكن أن تصل الأمور لهذه الدرجة أبدا.
تفصله عن الموعد المقرر 15 دقيقة فقط وهو جالس على مكتبه واضعاً وجهه الكظيم المتألم بين كفيه، نازعا نظارته واضعا إياها جانبا.
يرن جرس الهاتف ولا يجيب ، ويقرع باب مكتبه ولا يسمع كما يبدو.
انتبه من غفلته هذه، مع دخول أحدهم عليه بصحبة سكرتيرته التي بان في وجهها الفزع... إذ نظر اليها بدون نظارة فعرفها من ملابسها، ولم يتعرف جيدا عمّن يرافقها والذي جلس بعيدا بعد أن شاهد منظر أحمد البائس، وكان هذا أسمه، الغارق في حالة من الشرود لم ير لها مثيلا.
في اليوم السابق كان أحمد وطالب جالسين في مقهى العبّارة الشهير الذي يؤمه كبار الموظفين والمثقفين والاقتصاديين في البلد ، وخلال حوار طويل بينهما تطرق للسياسية والشؤون الاجتماعية واختفاء الطائرة الماليزية، وبين عدد من النكات التي يطلقها حول أحداث طريفة وقعت في العصر العباسي أو الأموي مما قرأه مؤخرا في كتاب (التذكرة الحمدونية) إلا أن زميلهما الثالث بدلا من أن يضحك أو يعلّق مبتسما ما كان يتوقعه طالب.... فلقد قطّب جبينه وغضب بل وصرخ في وجه طالب أنك تشوّه وجه الحضارة الاسلامية والإسلام؟!
وما دخل الحضارة والإسلام؟! فيما قلت، وفي ممارسات خاطئة لأشخاص في فترة زمنية محددة تطرحها كتب التراث كطرائف؟!... رد طالب.
لا يجوز أن تظهرها وتبرزها وكأنك تنشرها قاصدا الإساءة للإسلام... قال زميلهما الثالث
أنشرها!! ... إنها منشورة على الشابكة، بل وفي مواقع تسمى نفسها إسلامية أيضا لأنها ضمن كتب تراث إسلامي بما حوته من حوادث جليلة، وأخرى رقيعة ، وهكذا كل مجتمعات الدنيا فيها الصالح والطالح.
وقف زميلهما الثالث غاضبا يصرخ،،، بل ويشتم... ما أثار العجب والألم و الاستغراب معا لدى طالب
تصدى أحمد للمواقف يهدئ الرجل لا سيما أنه ذو مركز مرموق في شركة زميلة يتعاملون معها، وأبدى أسفه واعتذاره بالنيابة عن طالب الذي فُجع بهذا الموقف غير المتوقع.
خرج زميلهما مسرعا من المكان، غير متقبل لما سمع سواء من طالب، أو من أحمد، ولِمَا أبداه من أسف واعتذار بالنيابة عن طالب الذي ظهر حانقا ...
عمّاذا يعتذر عنه! وهو لم يخطئ أبدا؟ ولم يقصد الإساءة أبدا، وإلا لكان علينا حرق كل الكتب التاريخية والتراثية التي تعج بالقصص والروايات المتناقضة، ومنها السيئة والقبيحة تحت دعاوى غريبة مما قاله زميلهما.
كان من الواضح أن الجلسة قد توترت كليّا، فمشاعر الثلاثة متباينة بين مستغرب وحانق وهذا حال طالب، وبين وسطي معتدل أو متهاون، حاول كسب الطرفين وهو أحمد وبين ثالث اشتعل غيظا وخرج مغضبا.
لم يتحدث الصديقان كثيرا، إذ خرجا من المقهى كل إلى سيارته وكأن حبل الودّ قد انقطع بينهما.
لم يستطع طالب أن يفهم كليّا كيف يتركه صديقه هكذا وهو لم يخطئ مطلقا، وكيف يلقى به فريسة لزميلهما الثالث! بدلا من أن يؤيد وجهة نظره التي بدت في غاية المنطقية والعقل ما قاله له أحمد بينه وبينه وهما يخرجان من المقهى، ولكن ما الفائدة ؟ هكذا حدث طالب نفسه مضيفا بنظرته المحيرة الى أحمد قائلا بعتب شديد و دون أن تنبس شفتاه : أما كان الأجدر أن تقول ذلك له؟!
شعر أحمد وهو يضع يديه كمسند الرأس على مكتبه، وكأنه قد فقد صديقه ومرؤوسه الذكي في نفس الوقت ، وشعر أن عصبيته في الصباح وكأنها ردة فعل عما فعله به بالأمس، وما جعل طالب ربما يحتج ويتضايق ويشرد، وذهب ليلعب كرة السلة.
انتبه متأخرا الى الرجل الجالس قبالته في المكتب ، وتشكك به، فهو لا يرى والنظارة ليست على عينيه، إلى أن قالت له السكرتيرة أن مدير عام الشركة يجلس قبالتك من عشر دقائق، وأنت في عالم آخر!
فارتبك للتو ووضع نظارته على عينيه فرآه أمامه يضحك... إعتذر منه أحمد فطيّب خاطره وظل مبتسما، وهو يضع يده على ظهره بمودة أعادت شيئا من الهدوء لقلب أحمد لكن عقله ما زال مشغولا كما هو عقل طالب على ما يبدو.... وبأحداث الليله الماضية.... وبطلب المدير العام إنجاز الحسابات فلا بد أنه قادم لتأخر التقرير.... فيا ويلي يا ويلي!.
ظلاّ واقفين هما الإثنان... والسكرتيرة قد جلبت لهما القهوة، دعا أحمد المدير العام متاخرا...ليجلس مكانه، فشكره وأشار له أن يجلس قبالته... والأفكار تروح وتجئ في رأسه كيف سيبرر التأخير والأوامر كانت مشددة فصمت؟ لا يلوي على شيء مترقبا التقريع مالم يظهر في معاملة المدير العام.

جئت أعتذر منك قال المدير العام
أنت من يعتذر! قال أحمد
نعم ، ولا تؤاخذني قال المدير العام
وعلى ماذا؟ (وكاد يقول أنه من يجب أن يعتذر فكتم ذلك في آخر الأمر )
قال أحمد
على أنني ضغطت عليك، وعلى طالب لإنجاز عمل أسبوع في يوم ما قدّرته لاحقا
قال المدير العام
كأنه جبل وانزاح عن صدر أحمد ، فانشرح صدره وان مؤقتا فما زال جبل ما حدث في الليلة الماضية يقبع على الجزء الأيمن من صدره .
ولقد سمعت عن زميلنا في الشركة المجاورة وما دار بينكما من حوار بالأمس.
قال المدير العام.
ولكنني حاولت أن ... قال أحمد
أعلم ما فعلت وكيف غضب، ولكن كان طالب على حق، فناقل الكفر ليس بكافر هذا أولا، وثانيا فالرجل مغلق التفكير ومتخلف نعرفه جيدا، ولا يفهم غير ما ورثه عن أبيه فهو شخصية صعبة جدا حتى في شركته قال المدير العام .
الحمد لله ، إذن. لم يكن طالب مخطئا وهو ما قدرته بالطبع لكنه غضب مني لأنني لم أقف معه. قال أحمد
ولم لم تفعل ذلك؟ قال المدير العام
لأنني حاولت استرضاء الرجل رغم خطئه على حساب صديقي كي لا نخسره
قال أحمد
أنه لا يستحق ... قال المدير العام
ثم وقف وأمسك بيد أحمد، قائلا له لنذهب إلى طالب ، أليس هو من يلعب كرة السلة الآن مع الاطفال في الشارع؟
وقفا يرتشفان بقية القهوة ويستعدان للخروج.... ليدخل عليهما طالب بالتقرير المطلوب قائلا : أعتذر عن التأخر، وصمت...
ثم وقف متحيرا... إذا أبصر مديريه معا... يبتسمان، ما لم يكن يتوقعه ... نظرا اليه متحيرا ثم ضحكا طويلا.