المنظور الصهيوني لشبة جزيرة العرب

، بقلم عادل عامر

تأتي أهمية (شبه جزيرة العرب) ضمن المنظور الصهيوني المبكر الذي اتسع لأفق استراتيجي بعيد المدى، في بؤرة العالمين العربي والإسلامي، التي ينبغي إعادة تشكيل ملامحها، ضمن المخطط الرامي لإعادة رسم خرائط المنطقة ككل، لحساب الكيان السياسي الصهيوني المتعاظم الشأن، وهو ما عبرت عنه صراحة مذكرات مؤسس الحركة الصهيونية (تيودور هرتزل)، حين حدد الأخير مساحة الدولة، التي طالب السلطان العثماني التصريح له بها، من نهر النيل إلى نهر الفرات، والتي شملت شمالي (شبه الجزيرة العربية)، وهو ما دعا (هرتزل)، في العام 1904، لوضع المنطقة الواقعة غربي (السعودية) ضمن حدود الكيان الصهيوني، والتي بدت فيها خريطة (إسرائيل الكبرى) وقد شملت نافذة على الخليج العربي، وكان (هرتزل) قد عزا توجهه هذا إلى أهداف حددها، بقوله: ’’ما يلزمنا ليس الجزيرة العربية الموحدة، وإنما الجزيرة العربية الضعيفة المشتتة المقسمة إلى عدد من الإمارات الصغيرة الواقعة تحت سيادتنا والمحرومة من إمكان الاتحاد ضدنا’’، بحيث تجيء ’’ الدولة اليهودية ’’ ـ كما تصورها (هرتزل) ـ في سياق ارتباط مع (شبه الجزيرة العربية)، وذلك عبر علاقة هيمنة على النمط الاستعماري التقليدي، الذي قوامه التفتيت والإخضاع. ومع السعي الصهيوني الحثيث لوضع هذه الأهداف موضع التنفيذ، وجدت الحركة الصهيونية في أحداث الحرب العالمية الأولى، بخاصة وما تمخض عنها من انتصار ’’للحلفاء’’، ما يشجعها على مخاطبتهم بشأن تحقيق هذه الأهداف ضمن الإستراتيجية التي قرر ’’الحلفاء’’ الأخذ بها، ما بعد الحرب، فبعث طبيب صهيوني روسي ـ كان يقيم في (باريس)، ويدعى (م.ل.روتشتين) ـ برسالة إلى الحكومة البريطانية، عبر سفيرها في (باريس)، ويدعى (ف.بارتي)، يقترح فيها على الحكومة البريطانية أن تتعاون مع حليفتيها (فرنسا) و(روسيا) لتدريب وتسليح ’’جيش صهيوني’’، تتشكل عناصره من الشباب في (أوروبا الشرقية)، ليصل قوامه إلى مائة وعشرين ألفاً، يوضع تحت قيادة (روتشتين)، ويتخذ من (البحرين) قاعدة له، تمهيداً لاحتلال (الإحساء) التي تكون جزءاً من ’’دولة يهودية’’، تمتد على الجزء الشمالي من منطقة الخليج العربي، وأنه فور إعلان تلك ’’الدولة’’ تعترف بها (بريطانيا) وحليفاتها، وستبادر حينها ـ أي هذه الدولة ـ بعقد معاهدة صداقة مع الحلفاء، تتضمن قيام جيشها بحماية منطقة الخليج العربي وثرواتها من أي خطر يتهددها، سواء جاء ذلك عبر حملات عسكرية تشنها الدولة العثمانية أو (ألمانية)، أو عبر اضطرابات وقلاقل داخلية يثيرها سكانها من العرب...

والملاحظ أن تشكيل الجيش الصهيوني المزمع قد وجد طريقه إلى الوجود الفعلي، حيث حاربت عناصره ـ بشغف تحسد عليه ـ مع قوات ’’الحلفاء’’ ضد قوات ’’المحور’’، خلال الحرب العالمية الثانية، وهو الجيش الذي قوبلت فكرته، من قِبل ’’بريطانيا’’ في نهاية الحرب العالمية بتعبيد الطرق أمام إنشاء (إسرائيل) على الأراضي الفلسطينية، وإعلان الاعتراف بها، الذي اكتسب مشروعية دولية غير مسبوقة لدولة مصطنعة، من جانب أول هيئة دولية، جرى إنشاؤها بعد الحرب، هي ’’الأمم المتحدة ’’ .‏ وقد لاحظ الدارسون للأحداث الواقعة بين الحربين تعمد الحركة الصهيونية الترويج لخريطة تبين حدود الدولة، التي كانت هذه الحركة تتطلع إلى إقامتها، فنشرت مجلة ’’التبشير اليهودي’’، في العام 1923 أصول هذه الخريطة، والتي جاءت بعد خمس سنوات فقط من صدور ’’وعد بلفور’’ ومع بدايات الانتداب البريطاني على (فلسطين)، وهي الخريطة التي أعادت نشرها صحيفة ’’اللواء’’ اللبنانية، بعد نحو خمسين سنة، وتحديداً في 8 نيسان 1973، وتبين أراضي (شبه الجزيرة العربية) وقد علتها أسماء ’’أسباط بني إسرائيل الاثني عشر’’ إلى جانب رموز يهودية شهيرة مثل ’’القربان المقدس’’ و’’تقديم الذبيحة’’، وتحتها ’’علامة يهوذا’’ ، وجمل توراتية حتى الخريطة، مثل: ’’وعينت مكاناً لشعبي إسرائيل وغرسته في مكانه ولا يضطرب بعده ولا يعود بنو الإثم يذلونه كما في الأول’’ (صموئيل) 7 :10 ، وتحتها مباشرة جاءت عبارة بين خطين تقول: ’’بلادك يا عمانوئيل’’ (أشعيا 8). وقد علق المحرر المسؤول عن المجلة على فحوى هذه الخريطة، بالقول: ’’إن بعض اليهود يعتقدون أن إسرائيل يجب أن ترث شبه الجزيرة العربية’’، وذلك بعد أن وصلت أطماع الصهيونية إلى (تبوك) و(المدينة المنورة)، بدعوى أن قسماً من هذه المناطق كانت من الأملاك اليهودية القديمة، مما يستدعى ـ بنظرها ـ مد النفوذ الصهيوني ليشمل دول الخليج العربية ككل، وذلك في الوقت الذي كان يتحدث فيه عدد من الكُتاب الصهاينة إلى صحيفة (دافار) الإسرائيلية حول الطاقات العالمية اليهودية، فيما لو تيسر لها الانطلاق، عبر البحر الأحمر صوب الكنوز الدفينة في (شبه جزيرة العرب)، وما وراءها من عوالم الشرق الواسع، وهي أحاديث سادت، قبل نحو عشر سنوات فقط من قيام (الكيان الصهيوني).

لقد أدى قيام كيان سياسي، ذي صفة دولية، باسم (إسرائيل) على الجانب الأكبر من أراضي (فلسطين)، في العام 1948، إلى وضع المطامح الصهيونية في (شبه جزيرة العرب) قيد التحقق، حيث صارت ’’الدولة الصهيونية’’ تقف على مرمى حجر منها، ومن رموزها الإسلامية المقدسة في (مكة) و(المدينة)، ناهيك عن (القدس)، وهو وضع ارتأت الحركة الصهيونية أن يكون موقعها فيه مسايراً للإستراتيجية البريطانية في منطقة (الجزيرة العربية)، بعد أن وجدت هذه الحركة أن حلفها مع الإنجليز قد اتسع ليشمل سلطة (عبد العزيز آل سعود) في منطقة (نجد) وملحقاتها ضد الخليفة العثماني، قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، وذلك عبر معاهدة (دارين) الموقعة بين (ابن سعود) والحكومة البريطانية، في العام 1915، فمعاهدة (جدة)، في العام 1927، إذ رضي (ابن سعود)، بموجب المعاهدة الأولى، أن تصير مملكته ’’محمية بريطانية’’، ولمدى زماني غير محدد، بينما عززت المعاهدة الثانية من سلطة (ابن سعود) على منطقة (الحجاز) وملحقاتها، ولأبنائه من بعده، وذلك في ضوء أطماع (بريطانية) في إرث الخلافة العثمانية، وأهم ما فيه قلبه العالم العربي الإسلامي من وادي الفرات إلى وادي النيل، محفوفاً بالشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وهو ذات العنوان الجغرافي الشهير، كما ورد في الخرائط الصهيونية المتعددة حول ’’الدولة اليهودية’’ المبتغاة. وبذلك جاءت تلك المنطقة لتحتل بؤرة الاهتمام البريطاني ـ الصهيوني، وهو ما يفسر حرص الحركة الصهيونية على التنسيق، بل التحالف، مع (بريطانيا) في هذا الصدد، ودخول (ابن سعود) وبقية مشايخ الإمارات الخليجية طرفاً في هذا الحلف، خصوصاً بعد ظهور مواقع خصبة بالثروة النفطية في (شبه جزيرة العرب)، وهي مصدر الوقود الذي كان الأسطول البريطاني قد تحول إلى استخدامه، بديلاً للفحم، منذ العام 1912، وهو الأمر الذي كان رأس المال اليهودي قد انتبه إلى أهميته، مبكراً، حين عمل المليونير اليهودي (روتشيلد) على تحويل حماية الامتيازات النفطية لشركة (شل) الهولندية في (إندونيسيا) من الحماية الهولندية إلى الحماية البريطانية، وهو ما أعطى لـ ( بريطانيا ) ـ عبر الدور اليهودي ـ نوعاً من المشاركة في البترول الإندونيسي، ليوجه الأنظار البريطانية إلى ضرورة أن يكون لهم بترولهم الخاص، الذي يملكونه دون شريك. وهو ما يفسر أسباب تأخر (بريطانيا) في إبرام أول معاهدة حماية مع (ابن سعود) حتى العام 1915، رغم إلحاح (ابن سعود) على إبرام تلك المعاهدة ما بين عامي 1902 و 1906، وبعد أن تبين لـ (بريطانيا) مدى الولاء الذي يكنه (ابن سعود) وذلك بحسب ما عبر عنه المعتمد البريطاني (فيلبي)، في أحد تقاريره، إلى وزارة خارجية بلاده، بالقول: ’’إن ابن السعود نصير لبريطانيا في تنفيذ سياستها وحماية مصالحها في الوطن العربي لأنه رجل المستقبل القادر على التنفيذ’’. وبذلك صارت (شبه جزيرة العرب) جزءاً من حلف بريطاني صهيوني، يتم من خلاله تداول مقدرات هذه المنطقة، ومصائرها، ومن بينها النفط، الذي حظي بنصيب وافر من الأهمية لدى الدولة الصهيونية منذ سنوات ميلادها الأولي بحسب ما جاء في الخطة الإستراتيجية للجيش الإسرائيلي لعام 1956ـ1957، تحت عنوان: ’’أهمية أراضي العدو التي ستغتصب’’ ومنه’’"الأهمية الإستراتيجية لمنطقة شُهَّر ستمكن إسرائيل من اغتصاب حقول النفط العربية السعودية، وتنقل الحدود إلى مسافة أبعد من مناطق إسرائيل الجنوبية’’، في حين ورد ضمن فقرة ’’الحد الأدنى لمطامعنا الإقليمية’’ أن ’’اغتصاب المنطقة التي تحدها قناة السويس ونهر الليطاني والخليج... ذو أهمية بالغة لإسرائيل’’ ذلك هو التاريخ لمن أراد أن يقرأ واقعة لقاء أولمرت بالملك عبد الله في سياقها التاريخي الصحيح والمؤلم .‏.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف