النمل الفارسي

، بقلم فتحي العابد

كنت متكأ على سدة حجرية ورجلاي في التراب أمام منزل والدي في الريف، أراقب عن كثب النمل الفارسي، وتصديه لطريقتي في قطع سبيله.. فقط أحاول تحويله عن وجهة حفرته، بأن أسد منافذها بالطين، ثم لايلبث أن يجد طريق آخر فيسلكها، وبعد أن يجف الحاجز تماما، يتمكن من إعمال آلاته الخاصة بالحفر فيه..

ولفت نظري هاته النملة التي كانت تجوب المكان من حولي تبحث عن شيء ما.. لا أظن أنها تعرفه.. ولكنها تبحث وتبحث.. لا تكل، ولا تمل..

وأثناء بحثها عثرت على بقايا وزغة كنت قتلتها البارحة ورميتها.. وبالتحديد ذيلها..

دنت منه، تحسست المكان وكأنها تريد أن تعرف هل يوجد غيرها من يريد تلك البقية، أو فقط لاتريد أن يراها أحد، وأعملت فيه قوارضها لتسحبه.. تحاول أن تحمله إلى حيث مطلوب منها في أن تضعه.. مجتهدة في عملها وما كلفت به..
تحاول.. وتحاول..

وبعد أن عجزت عن حمله أو جره ذهبت إلى حيث لا أدري واختفت..

وسرعان ما عادت ومعها مجموعة كبيرة من النمل.. فهمت أنها استدعتهم لمساعدتها على حمل ما صعب عليها حمله، فأردت أن أعرف رد فعلهم بإخفاء ذيل الوزغة..

فأخذت هي ومن معها من النمل بالبحث عن الذيل هنا وهناك.. حتى يئسوا من وجوده فتفرقوا.. أرجعت ذيل الوزغة في المكان نفسه.. عادوا بسرعة وكأنهم رأوه من مكان ما، وأخذوا يدورون حوله وينظرون إلي وكأنهم محذرين أياي المساس به، ومحاولة اللعب عليهم.. ثم حاولوا جره من جديد..

رفعته مرة أخرى وأخفيته رغم بقاء البعض منهم ملتصقا بالذيل..

استدار النمل حلقة وكأنهم يتشاورون في أمر ما.. ثم هجموا علي بسرعة شديدة.. وعملوا في أطرافي قرصا وعضا مما اضطرني إلى الهرب والإبتعاد عن تلك البقعة وصب الماء على رجلي ويدي اللاتي عملت فيها قوارض النمل عملها..
سبحان الله حتى أمة النمل لاتقبل الظلم، بل كبيرة يعاقب صاحبها..

فردد قلبي قبل لساني قوله تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم. حقا أمم أمثالنا، وأي أمم؟

فازداد إعجابي بها، وهي التي لم أرها يوما تخطط للتوسع على حساب الآخرين سواء في المنزل أو خارجه.. وقررت من ذلك اليوم التهاون مع تلك الكائنات التي لا تنازعني في شيء..