المشهد الأندلسي للشاعر محمود درويش صالح خليل سروجي

صدر قبل عدة أيام في باريس كتاب نقد أدبي باللغة الفرنسية للدكتورة الباحثة رابعة حَمو بعنوان"المشهد الأندلسي للشاعر محمود درويش" عن دار النشر ليه فوايير دي مير في فرنسا، والكتاب من الحجم المتوسط ويحتوي على 240 صفحة.الكاتبة والناقدة الفلسطينية رابعة حَمو من مواليد مدينة دمشق، وأصل عائلتها من مدينة يافا. حصلت د. حمو على لقب الدكتوراة من جامعة السوربون في باريس، وتعمل حالياً كمحاضرة للّغة العربية وآدآبها في في المعهد العالي للّغات والحضارات انالكو في باريس، وهي متخصصة للأدب العربي الحديث بشكل عام والأدب الفلسطيني بشكل خاص.

إن التقسيم العام للكتاب هو كالتالي: كلمة وتمهيد وتحليل وخاتمة.

كلمة: للفليسوف الفرنسي ايف لوتورنور

المقدمة: للكاتب والمحاضر صالح خليل سروجي من جامعة بايروت في ألمانيا.

التمهيد ينقسم الى جزئين:

الأول: بعنوان التطور التاريخي للشعر الفلسطيني منذ النكبة عام 1948 وحتى الانتفاضة الأولى 1987.
الثاني: مقدمة عن الشاعر محمود درويش.

التحليل : يتناول الكتاب تحليلاً للقصائد الست لديوان أحد عشر كوكبا للشاعر محمود درويش على ضوء المنهج التّناصّي. وفي هذا السياق قسَّمت الدكتورة حمو باب التحليل الى فرعين رئيسيين: في القسم الأول تقوم د. حمو بتحليل قصائد محمود درويش في ديوانه أحد عشر كوكباً، والصادر عام 1992، بالإتّكاء على النظرية السيمولوجية وبالتالي على نظريات التناصّ النقدية المختلفة في الأدب الحديث، والتي شكّلت بنهاية الستينات من القرن الماضي المرجع الأساسي للدراسات السيميائية للشعر. ومن رواد هذه النظريات، نخص بالذكر، الناقدة البلغارية الفرنسية جوليا كرستيفا، والنقاد رولان بارت، جيرارد جانيت، ميخائيل باختين وغيرهم.

أما في القسم الثاني من الدراسة تُسلِّط د. حَمو الضوء على "مفهوم الهوية والغيريّة" لشعر درويش في الديوان المذكور أعلاه، مُنوّهةً الى عدة مواضيع بسياق تحليلها للقصائد، مثل علاقة التاريخ بالشعر، فقدان الأرض وصورة الهوية المفقودة، قضية المنفى والشتات وأبعادها النفسية على الانسان الفلسطيني، صراع الأنا والآخر من خلال تصوير علاقة حب لم تكتمل بسبب تشويه المكان والزمان، التركيز على المشاعر الانسانية وتضاربها، اختلاط الأزمنة وتداخلها ببعض، ومأساة فلسطين التي تحتل المكان الرئيسي في هذا الديوان، وكذلك سؤال الهوية العربية المُهدَّدة بالضياع في العصر الحديث.

ورؤية درويش للمستقبل هو ضياع الهوية الفلسطينية لأرض فلسطين كما ضاعت الهوية العربية والاسلامية للاندلس وضياع الهوية عند الهنود الحمر. وهذا يُذكِّرنا بالدور المهم الذي يحتله الشاعر في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي. فقد أُعتُبر الشاعر كالنبي في قبيلته والرائي لمستقبلها، ومحمود درويش ليس استثناءاً عن هذه القاعدة، فقيمته الادبية تشبه الى حد كبير دور اجداده الشعراء في العصر الذهبي للشعر، حيث كان الشاعر مُعبِّراً عن هويتهم مُتبصِّراً لمستقبلهم ومُبشِّراً لانتصاراتهم أو مُحذِّراً لهزائمهم.

إن أهمية هذه الدراسة الاكاديمية تنبع بالدرجة الأولى بكونها من الدراسات النقدية الأدبية النادرة، ولربما الوحيدة، في الساحة الفرنسية والتي تعالج شعر محمود درويش بشكل تفصيلي ومُتشعِّب الاتجاهات. لا تعتمد د. حمو في تحليلها لقصائد درويش فقط على الادوات العلمية والتقنية المحضة، والتي تستعملها بمهارة وقدرة بارزتين، انما تغوص عميقاً في النصوص الشعرية وفي دهاليز المعنى المقروء والمستتر، تكشف باسهاب عن تداخل الاصوات المختلفة في القصائد، تبحث عن النص داخل النص وتشير الى أوجه التشابه، أي التفاعل النصّي، ولكن بنفس الوقت تُخرِج النصّ "الدرويشي" من لعبة التّناصّ وتشير الى صوته الخاص والمُتميز في التعبير عن الهمّ الوجودي للانسان الفلسطيني، وخصوصاً في هذا الديوان، بلغة شعرية أشبه بالملاحم التراجيدية اليونانية القديمة.

ومن خلال اعتمادها على نظريات التناصّ تشير د. حَمو الى العلاقة الجدلية لفهم شعر محمود درويش من خلال ربطها لتداخل المستويات الفنية والتاريخية والنفسية والاجتماعية والسياسية المختلفة فيما بينها وانسجامها مع بعض في كلٍّ متكامل. وبهذا تُقيّم عمل درويش هذا بموضوعية وتضعه بالفعل وبصدق في عداد الشعر العالمي الذي اخترق حدود الجغرافيا وحدود التاريخ ليصبح إرثاً حضارياً انسانياً. فتصبح فلسطين عند درويش، كقطعة فسيفساء، هي النصّ: د. حَمو تُنوِّه الى هذا البعد بلغة أكاديمية راقية وشاعرية، وتنفخ فيه حسّاً مرهفاً، وبِتمكُّن من أدواتها العلمية، دون الخلط مع المشاعر الذاتية والانتماء الشخصي. ومن خلال القراءة المُتمحِّصة لدراسة الدكتورة حَمو يتضِّح للقارىء مدى وعيها لهذه الاشكالية الحسّاسة، المُنوّه اليها، وقدرتها الاكاديمية العالية في اظهار البعد الفني والجمالي لشعر درويش في هذا الديوان. وبهذا تربط د. حمو في تحليلها الشَّيِّق بين العام والخاص في شعر درويش: فهي تُحلِّل وتشرح للمُتلقّي بأن: "الأنا-الكاتب" ما هو الا صوت ال "الأنا- القارىء" الواعي، برغم اختلاف المرجعية الثقافية لكليهما، وهذا يعني، "ال- "نحن الجماعية"، وبالتالي تَتَداخل الذاكرة الفردية للكاتب وللقارىء، على حدٍ سَواء، مع الذاكرة الجماعية، التي تَتَّخِذ بالمُحصِّلة شكل الحنين الى الماضي "والفردوس المفقود" - فلسطين التاريخ والأرض.

و"الدكتورة حَمو-القارئة" لشعر درويش تصبح جزءًا فاعلاً من "لعبة" التناصّ التي استخدمتها في دراستها: فهي القارئة-الناقدة-الكاتبة، نعم هي هذا المثلث المتناسق، ومن خلال هذه الميزات المجتمعة في شخصها تصبح هي النص، بنفسها، من خلال عملية التماهي مع النصوص الشعرية ومحاكاتها، وبهذا تُوصل في هذا العمل الجدّي شاعرية درويش العالية الى القراء وتصبح بهذا صوت الشاعر- الكاتب-الكاتبة وصدىً للمشهد الأندلسي وصدىً أميناً للملحمة الدرويشية.
في احدى قصائده قال محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة "
وهنا أعتذر للشاعر وأقول:

هذا الكتاب القيِّم للدكتورة حَمو جدير بالقراءة ويستحقّ الحياة...