ناجي نعمان يكرِّم أمين ألبرت الرّيحاني

كرَّم الأديب ناجي نعمان، في نهاية الموسم السادس لصالونه الأدبي الثقافي (2013-2014)، الأكاديميّ والباحثَ ورئيسَ مؤسَّسة الفكر اللبناني البروفسُّور أمين ألبرت الرّيحاني، فاستقبله في دار نعمان للثقافة ومؤسَّسته للثقافة بالمجان ضيفًا مكرَّمًا في "لقاء الأربعاء" السادس والثلاثين.

بعد النشيد الوطني، تحيَّةٌ من المُضيف، فكلامٌ في الضَّيف من الشَّاعر شوقي أبي شقرا، من أركان مجلَّة "شعر"، ومؤسِّس أوَّل صفحة ثقافيَّة في الصِّحافة اللبنانيَّة، جاء فيه: "كلما جئت مترفقًا الى مدخل إيوانه، الى عقر مؤلَّفاته، الى الأمين الثاني، أصادفُ العقدة الملونة والطريفة المولد والخلق، كما، من قبل، صنعها وصقلها عمُّه. وكذلك نصادف الرحيق المتناثر في شتى الثياب وشتى الأوراق. أي هو الربيع وألحانه، أي هو النحلة التي من العمارة الحلوة الجنبات، أي هو الملكة التي تريح وتشفي، ولو ثمَّة غمٌّ وثمَّة الأسف والمصاب، وثمَّة الامتلاء والحكمة والصبر على المكارِه وعلى الأفراح معًا. وعلى أن تكون الوردة هي الخلاصة وهي الزينة، تلبث ويدوم أمرُها في الأناء وفي زمن الاندحار والتساؤلات الصريحة، وحيث هي تتطلب أن نتسامح، وأن يجيء القلم كشافًا، وينصب خيمة العلاج، وكيف نصدُّ الكبش دون أن يصدم الأشجار وأن يهدم الجذوع وأن تهبط الخيمة عقابًا".

وتكلَّمت "العالمةُ في شؤون المتاحف، روسِيِّها وفرنسيِّها"، أستاذةُ تاريخ الفنون والآثار في الجامعة اللبنانية الدكتورة زينات بيطار، وممَّا قالته: "يليق التكريم بمن كُرِّمَ بنِعَمٍ ثلاث: نعمةِ المعرفة، ونعمةِ التفكر، ونعمةِ الكتابة. نِعَمٌ خضّبتها حسراتٌ في فؤادِك لكنّها زادتكَ جلالاً ورزانة وإبداعًا. قامةٌ سامقةٌ في منطقها وإدارةِ عمرها الخصب ورعايةِ الأمل. أراكَ مذهلاً في شموخك الإنسانيّ، متعاليًا على حالة التشرذم التاريخيّ التي تعيقُ خروجَ الأمة والثقافة من أزقّتِها الراهنة. لكأنّك لست من هذا الزمان، أنتَ نافذةُ ضوءٍ، مفتوحةٌ على أقاليم النفس والروح المتمادية، تنشغِلُ متجاوزًا حطام المرحلة، بعدّة اللغة والشعر والنقد، مؤتلفًا مع ذاتك، حيث يستوي العقل والقلب والحواس في مدارات هواجسِك المعرفيّة. أغبِطُكَ أيّها الأمين على هذا التوازن البائن، وإن كان جمرُ عمرِك يكاد يفرُّ من عينيك. فكلُّنا يرتعُ بين الظاهر والباطن في مقامات الجمر العربي. تصفعنا ريحُ جهلٍ من شرقٍ وريحُ مَكرٍ من غرب. ونلوذُ بأقبية الروح اتِّقاءَ التقهقرِ في الذوق والمقاييس، نلوذُ بالتأويل لنفقَهَ باطنَ الآيات، وصولاً إلى حقيقةِ الكونِ وثمرةِ العِرفان. وأن تكون عارفًا في هذا الزمان والمكان، فعِرفانُكَ مُرٌّ مذاقُه على حلاوةِ روح. أيّها الأمين، لطالما تعثّرنا بواقع الثقافةِ المكسورةِ الجانح، وطارت أحلامُنا بمجتمعٍ سَوِيِّ الثقافة وبسياسةٍ ثقافيّةٍ متأهّبةٍ للعصرنة. ولطالما تهشَّمت صوَرُ مثقّفين على أبواب الحياة. ذلَّلنا عقباتِ الصفح، ونزِلنا إلى قاعِ الروح، صعودًا نحو جبل التفاؤل. طحينُ اختلافِنا وخبزِنا المألوف. تاركين للوقت حسمَ طموحاتِنا بأمنٍ معنوي، يرعى ما تبقّى من زوادةِ القلق".

وأمَّا الدكتور ميشال كعدي، "خليل الكلمة ونبراسها"، فقال باسم الدَّار والمؤسَّسة: "خُيِّل إلي، وأنا أقرأ أمين ألبرت الريحاني الذي رجحت كفَّة فكره وعلمه وطوالع إبداعه وثقافته، أن ماردًا صاول الأيَّام، وواثبَ الليالي، ثمَّ أقبل من فوق، يدعو الأقزام إلى التمطِّي، لأنه يكره الضعة والضعف، وحضيض الذل، وهو الذي دعا إلى الطموح والتغيير والجديد الواعي، وأعراس الأبجدية في هيكل اللبنانية، والنهوض بالثقافة العربية من دون تعوُّج أو تردُّد أو لأي، فكان صُيَّابة في صاع القول واللقاح الفكري والنقد والشعر".

وكانت مداخلةٌ من الشاعر رياض عبد الله حلاَّق تناول فيها ذكريات والده مع أمين الرّيحاني الأوَّل، في حلب، وذكرياته هو مع أمين الثاني، في الفرَيكة؛ تكلَّمَ بعدها الضَّيف، وممَّا قاله تحت عنوان "علَّمتني الحياة": "الأدب الذي يكتفي بفن الكتابة ولا يلامس الفلسفة، يبقى أدبًا مقتصرًا على جمال اللغة وجمال التعبير الذي يأخذُكَ ببراعته وأناقتِهِ وحيويتِهِ البليغة، لكنّه يُبقيك بعيدًا عن جدليّات الفكرِ الإنساني والاحتكاكاتِ العقليّة التي تحمِلُكَ على اكتشاف بعض أسرار الوجود، أو على تفسيراتٍ جديدةٍ لتلك الأسرار. فالمادةُ الأدبيّةُ التي تمتاز بجمال صُوَرِها، وجديدِ استعاراتِها، وثراءِ بيانِها، ولا تنطوي على فكرٍ ثري، أو على مُقتربٍ ذهنيٍّ يدفعُك إلى التفكير؛ هذا النوعُ من الأدب يبقى في الحيّز الجمالي الأخّاذ الذي ينتهي مع قراءته الأولى أو الثانية. الأدبُ الذي يصمدُ هو ذاك الدفقُ الفكري، أو المشحونُ العاطفي الذي يُقدِّمُ للقارىء مادةً ثريّةً تلازمُه لفترةٍ طويلةٍ بعد القراءة، هو ذاك الذي يهزُّ منك المشاعرَ أو يحرّكُ فيك العقلَ، ويدفعُك إلى رِدّة فعلٍ تستجيبُ لما بدأ به الكاتب، أو تكمّلُه. فالآداب الصامدة هي تلك التي تستندُ، بوعيها أو بلا وعيها، على نتاجها الفكري والفلسفي لأنها تكتنزُ من ذاك النتاج وترتوي من معينِه، فيثرى نتاجُها الأدبي ويصمدُ مع الأيّام. والأمثلة عديدة، أكتفي منها بمَثَلِ الأدب الفرنسي المعاصر الذي اكتنز بأعمال ديكارت، وفولتير، وروسو، ثم غرف من أعمال برغسون، وسارتر، أو الأدب الألماني الذي استند إلى أعمال هيغل، وهيسرل، وهايدغر، أو الأدبَين، الإنكليزي والأميركي، وقد استندا إلى أعمال هيوم، وراسل، وإمرسون، وثورو، والسُّبحةُ طويلة. لذا أكتفي هنا بالإشارة إلى ما تعلّمتُه من أنّ الأدبَ المستندَ إلى الفلسفة، أغنى وأكثرُ صمودًا من الأدب الذي لا يكترث بها. الأدبُ الخالصُ قد يُصنَّفُ في مدينة الجمال، والفلسفةُ الخالصة قد تُصنَّفُ في مدينة الجوهر. وإن لم نبنِ بينهما جسر التواصل ظلّ الجمال منفصلاً عن الجوهر وظلّ الجوهر مفتقرًا إلى الجمال. وكما أنَّ الأدبَ بحاجة إلى الجوهر كذلك تراه بحاجة إلى الوجود، إي إلى السياسة، لا بمعناها الضيّق بل بأبعادها الرؤيويّة المستقبليّة التي تضعُ النصَّ الأدبي في خدمة المصلحة العامّة والمصلحةِ الوطنيّة. السياسة الخالصة قد تُصنّف في مدينة الوجود أو المدينة الفاضلة، من هنا تلتقي المدُن الثلاث: مدينةُ الجمال بمدينةِ الجوهر بالمدينة الفاضلة. والتقاء هذه المدنِ الثلاث قد يُفضي بنا إلى المدينة العُظمى".

وكانت مداخلة بالمَحكية من الشاعر الياس خليل، منها:

ذوقك يا ناجي نعمان/خمر معتَّق بجرارك/خربانه الحاله بلبنان/وعمرانه الكلمة بدارك/ يا أمين الريحاني/صيتك عطر الريحاني/بيَّك معجم إنساني/وعمَّك مُبدع لبناني/بقيس الأوَّل عاالتاني/بلاقي أمين بأمين/والريحاني بريحاني.

وتسلَّم الرّيحاني من نعمان شهادة التكريم والاستضافة، وانتقل الجميع إلى نخب المناسبة، وإلى توزيع مجاني لآخر إصدارات مؤسسة ناجي نعمان للثقافة بالمجان ودار نعمان للثقافة.

هذا، وتميز اللقاء بحضور نخبةٍ من مُحبِّي الثقافة والأدب والفن، من مثل الشعراء والأدباء والفنانين والدكاترة والأكاديميِّين والإعلاميِّين والأساتذة: الياس رحباني وعقيلته نينا، ريمون عازار، جوزف مهنّا، سمير خيّاط، إميل كَبا، موريس النجار، جورج مغامس، أنيس مسلِّم، جوزف أبي ضاهر، موريس معلوف، رفيق روحانا، ميشال جحا، أمين زغيب، أنطوان أبي سعد، نبيل بو عبسي، الياس زغيب، شربل عقل، حلوة أبي شقرا، سميرة الريحاني، إبراهيم وسليمة زود، سيزار نمُّور، غبريلاَّ شوب، رزق الله قسطنطين، نزيه شلالا، جوزف مسيحي، ريم الريحاني شرباتي، إلى الأب سهيل قاشا.