عَرُوسُ الجَنُوب

، بقلم حاتم جوعية

( ملحمة ٌ شعريَّة ٌمطوَّلة في رثاء الشَّهيدة «سناء محيدلي» - في الذكرى السنويَّة على استشهادِهَا ).

إيهِ لبنانُ أنتَ وَحْيُ نشِيدي
نبعُ إلياذتِي وَسِحرُ خُلودِي
 
أنتَ تُذكي في عمقِ ِ ذاتي ألهًا
يتحدَّى اللَّظى وهولَ القُيُودِ
 
ويَراعي ما زالَ ينطِقُ بالأمْ
جَادِ والشِّعر ِ فوقَ كلِّ صَعِيدِ
 
وَأغانيَّ لم تزلْ تُلهبُ السَّا
حَاتِ نارًا تدوي دَويَّ الرُّعُودِ
 
علَّ شعبي يَصحُو مِنَ النوم ِ والإرْ
هَاق ِ يخطُو لنيلِ حقٍّ شَريدِ
 
عَلَّ شعبي يَصحُو مِنَ النوم ِ والإرْ
هَاقِ ِ يصبُو لأجل ِ عيش ٍ رَغيدِ
 
كم نثرنا على ثرَى الوطنِ الغا
لِي نفوسًا كانت منارَ الوُجُودِ
 
إيهِ لبنان أيُّهَا الوطنُ المِعْ
َطارُ ... لم تنحَنِ ِ جبَاهُ الصِّيدِ
 
أنتََ تشكُو وأهلُنا في نضال ٍ
مُسْتمِتٍ .., يخطُونَ مثلَ الأسُودِ
 
في المتاريس ِ يكبرُونَ شُمُوخًا
لم يبالوا الرَّدَى وكلَّ السُّدُودِ
 
يا تُرابَ الجنوبْ
أنتَ أغلى وطنْ
 
ألهبَتكَ الحُرُوبْ
وَطوَتكَ المِحَنْ
 
سأغنِّي هَوَاكْ
قبلَ ضَمِّي الكَفنْ
 
ما أحَيلى سَمَاكْ
في ليالي الشَّجَنْ
 
ففؤَادي فِدَاكْ
للعُلا مُرتهَنْ
 
لبنانُنا يبقى مَدى الأزمان ِ
نبعَ الوَفاءِ ونزهة َ البُلدَانِ ِ
 
لبنانُ في القلبِ الجريح ِ مُقدَّسٌ
وَحْيُ الخيال ِ وقبلة ُ الأوطان ِِِ
 
قد فاحَ عطرًا فيي دَمي ولواعِجِي
ذكراهُ في قلبي وفي وجدَاني
 
لبنانُ جنَّة ُ خُلدِنا فسماؤُهُ
مِثلُ اللُُّجَين ِ بنورهَا الفتَّان
 
جاؤُوا يُعيثونَ الفسَادَ بأرضِهِ
كم يقصفونَ روائعَ البنيان ِ
 
لكنَّ لبنانَ الأشمَّ على المَدَى
يبقى قويًّا شامخَ العُنوان ِ
 
هَزَّتْ شعُوبَ الأرض ِ هِمَّة ُ شعبِهِ
فيرَونهُ صلدًا على الحدثان ِ
 
لبنانُ أرض ُ المجدِ فخرُ عروبتي
بصُمودِهِ ... برجالِهِ الشُّجعَان ِ
 
زَحَفَ الغُزاة ُ على ثراكَ تقدَّمُوا
فالقصفُ يهوي والقُرَى تتهدَّمُ
 
ضَنُّوكَ سهلاً فابتغَوكَ مَطِيَّة ً
خابَ الغُزاة ُ على ذراكَ تحطَّمُوا
 
هذي حُشُودُهُمْ تعُودُ بخِزيِهَا
نحوَ الجليل ِ، وعارُهَا لا يُكتمُ
 
كم مرَّ غزوٌ قد علتْ راياتُهُ
رجعَ الغُزاةُ بخيبةٍ وتبرَّمُوا
 
تبقى عرينا ً للتَّحَرُّر والفِدَا
شَهِدَتْ لبَأسِكَ شَمسُنا والأنجمُ
 
"بيرُوتُ" تاجُ المَجْدِ أغنيَة ُ الفِدَا
" بيرُوتُ" وَحْيِي والخَيَالُ المُلهِمُ
 
" بيرُوتُ " تبقَى للشُّعُوبِ منارَة ً
عرَبيَّّة ً بيروتُ مَهما هَدَّمُوا
 
يا أمَّتِي سيري على دربِ اللَّظى
دربي تعَبَّدَ بالجَمَاجم ِِ فاعْلمُوا
 
فأنا "سناءُ " المجدِ أفدِي أمَّتِي
بدَمي ... بروحي ... للفِدَا أترَنَّمُ
 
يا رَوَابي العُلا
إنَّنا لم نَمَلْ
سوفَ يأتي ... غدًا
لا تقولي ارتَحَلْ
فجرُنا يَجتلي
وَستَسجُو المُقَلْ
سَيزُولُ الدُّجَى
إنَّ شعبي بطلْ
قلبُهُ مُترَعٌ
بالمُنَى والأمَلْ
 
إيهِ ريحَ الجَنوبِ
فََحَيِّي سَناءْ
إنَّها حُرَّة ٌ
قد مَضَتْ للفِدَاءْ
فارتوَتْ غضبًا
وَهْيَ رمزُ الإبَاءْ
يا بني أمَّتِي
فلتَصُنوا الوَلاءْ
كُلُّنا في اللَّظى
يا بلادِي سَوَاءْ
فارفعُوا صوتكُمْ
طابَ طعمُ الفِدَاءْ
 
لن نترُكَ الطغيانْ
حتَّى يمُرَّ الليلْ
فَهَوَاكَ يا لبنانْ
يكوي ضُلُوعَ الصَّدرْ
قُلْ لي وَكمْ سَجَّانْ
مِنْ دَمعِنا يَجتَرْ
يَمضي إلى النيرَانْ
يُسقى لظى والجَمرْ
 
نارٌ على أوتادْ
في السَّهل ِ والوادِي
إنَّا على مِيعَادْ
كم طالَ مِيعَادِي
فلْيَرْحَل ِ الأوغَادْ
يا تُرْبَ أجدَادِي
 
دَربي أيَا لبنانْ
مُعَبَّدٌ بالشَّوكْ
وَصَعْبُهُ قد هَانْ
عَيني على عَينَيْكْ
وَأنتَ في الوجدَانْ
يا شعبَنا لبَّيْكْ
 
أنا بنتٌ جَنُوبيَّهْ
بنار ِ البُعدِ مَكويَّهْ
جبيني أسمَرٌ يسمُو
وَتَعلُو الرَّأسَ كُوفيَّهْ
لبستُ الحُزنَ مُرغمَة ً
فأرضُ الأهل ِ مَسْبيَّهْ
إلامَ الصَّمْتُ يا شعبي
فهَيَّا للرَّدَى هَيَّا
يطيبُ الموتُ يا أهلي "سناءُ" غَدَتْ ِفدَائِيََّهْ
أنا سَمرَا جنوبيَّهْ بنار ِ البُعدِ مَكويَّهْ
جُنوبي كلُّهُ نارٌ وَثُوَّارٌ لِحُرِّيَّهْ
 
جبيني أسمَرٌ كالقَمْ
ح ِ كم يَهْوَاهُ أترَابي
وَعُنقي تلكَ ما لانت
لعاصفةٍ وَحطَّابي
هزيعُُ الليل ِ أسهرُهُ
بلا أهل ٍ وأحبَابِ
وَغُصنُ الأرز ِ أحملُهُ
شعارًا فوقَ أهدَابي
 
سأمضي كلَّ مشواري
على جَبل ٍ وفي غابَهْ
سَيُذهلُ عَيْنَ أعدَائي
صُمُودي خلفَ دَبَّابَهْ
 
ألا لبنان ما برحَتْ
دِماءُ الأهل ِ كالنَّهر ِ
تسيلُ على الرُّبَى هَدرًا
ألا شُلًَّتْ يدُ الغدر ِ
 
يا دَمعَة َ الوجدانِ لا تتساقطي
خَلِّيكِ في سِرِّي ولا تسري لتفضَحَكِ العُيُونْ
كلُّ الجراح ِ تنطيبُ ، والعبراتُ لا تشفي الطعينْ
إنَّا سنبقى في الخنادق ِ صامدِينْ
إنَّا سنبقى شعلة ً وضَّاءَة ً...
سَتُضيىءُ دربَ الفجر ِ ... إنَّا في خُطانا سائِرُونْ
نمشي ولا نخشَى المَنونْ
هذي جذوري يا بلادي في هواكِ تعَمَّقتْ
في كلِّ شبر ٍ نحنُ مُنزرعونْ
سنعيدُ فردوسَ الحياةِ وتنرجعُ الآمالَ سكرَى
مثلما كانت بسمة ُ الطفل ِ الحزينْ
ويعودُ أهلي النازحونْ
 
لولا عشقتُكِ يا بلادِي كالإلهِ يُظِلُّ أكنافَ السَّمَاءْ
لولا أخذتُكِ يا بلادِي مَعبَدًا
وعشقتُ فيكِ الحُزنَ والآلامَ حتى الإرتواءْ
وأخذتُ من نهديكِ ألوانَ الحنان ِ وكلَّ أنواع ِ العطاءْ
وَرَضعتُ عطرَ المجدِ ثمَّ الكبريَاءْ
ما كنتُ أصبو للعُلا يومًا ولا
رَوَّيتُ لحني من ينابيع ِ الفدَاءْ
ما كانتِ الغيدُ الحسَان ِ تسيرُ في دربِ الشَّهادةِ ثمَّ ما كانتْ " سناءْ "
 
إنِّي سأرحَلُ يا بلادي خَبِّري الأحبابَ عَنِّي ... خَبِّري
أمِّي وأهلي ... خَبِّري كلَّ الصِّحَابْ
لا تذرفوا العَبرَات من بعدي ولا
لا ... لا تلبسُوا ثوبَ الحدَادْ
 
إنِّي أوَدِّعُكُمْ وعيني بالبُكَا لا تدمَعُ
إنِّي أوَدِّعُكُمْ ولي قلبٌ بصدري أروَعُ
عزمي يقدُّ الصَّخرَ والآمالُ ما
برحَتْ تشعُّ وَمِن جبيني تسطعُ
أهوَى الرَّدَى كم طابَ لي طعمُ الرَّدَى
وَأوَاكبُ الأهوالَ في عتم ِ الدُّجَى لا أفزَعُ
إنِّي أنا الطيرُ المُغَرِّدُ هَا هُنا
أمضي وذكري خالدٌ طول الزَّمانِ ويسطعُ
 
قُولوا لأمِّي إنَّهَا ذهَبَتْ
في دَربِهَا المَزروع ِ بالنَّار ِ
قولوا لهَا لا تعتبي " فَسَنا
ءُ " سَتُرجعُ الأمجادَ للدَّار ِ
فإذا قضَتْ فاهدِي الضَّريحَ أكا
ليلاً مِنَ النِّسرين ِ والغار ِ
 
تمشي على الأشواكِ داميَة ً
فالهَولُ واكبَهَا ولم تخَفِ
سارَتْ على عتم ٍ يُشَيِّعُهَا
عتمُ الدُّجَى قد مالَ كالسُّجُفِ
 
طابَ الرَّدَى فالرُّوحُ قد سئِمَتْ
إنِّي اشتَهَيتُ المَوتَ يا وطني
أاظلُّ في عيشِي مُعَذبَة ً
والأهلُ في خوفٍ وفي شجَن ِ
فالموتُ حقٌّ إنَّهُ حُلُمِي
سَأقولُها بُشراكَ يا كفنِي
 
إنِّي مَنَ الشَّعبِ الذينَ هُمُ هُمُ
لبُّوا نِدا الأوطان ِ لم يتثاءَبُوا
أمضيتُ ستَّة َ عشرَ عامًا كُلها
هولٌ شديدٌ إنَّ أرضي تُنهَبُ
لم يتركِ الأعداءُ شبرًا واحِدًا
كم دنَّسُوا هذي البلادَ وَأرهَبُوا
القصفُ يهوي،والبيوتُ تراكمتْ
أنقاضُها ... فربوعُ اهلي تندبُ
لا يحملُ الضَّيمَ المُعادي مَنْ لهُ
عزمٌ بأفكار ِ التَّحَرُّر ِ يُلهَبُ
فأنا سناءُ بعمر ِ ازهار ِ الرُّبَى
تعبُ الحياةَ بلادَهَا فلترقبُوا
سارتْ "سناءُ " فلا تقولوا إنَّهَا
بنتٌ " سناءُ" ومع دُمَاهَا تلعبُ
تمضي إلى دربِ الفدَاءِ صغيرة ً
والغيرُ في ثوبِ التَّزيُّن ِ يُعجَبُ
كلُّ العذارَى بالحُليِّ تفاخرَتْ
تبغي الزَّواجَ إلى نوالِه تطلُبُ
تطلي وبالمكياج ِ وجهًا كالدُّجَى
أحلامُهُم دونَ الحَضِيض ِ فأغضَبُ
وَيَرَوْنَ وجهي مثلَ شمس ٍأشرَقَتْ
لكنَّ نفسي عن غواهَا تَعزُبُ
كالقمح ِ لوني إنَّ قلبي أصلدٌ
تاهَ افتخارًا في إبائي يعرُبُ
أأُلامُ إن غنَّيتُ فجرَ عروبتي
وأبثُّهُ نجوى الحنان ِ وأطرَبُ
أتلامُ مَن تبغي الشَّهادَة َ سُؤدُدًا
وَتخوضُ أهوالَ الحُرُوبِ تُواكبُ
ما أجملَ الموتَ المُشَرِّفُ إنَّهُ
حُلُمي .. وَإنِّي للشَّهادَةِ اطلُبُ
فالقبرُ صارَ لغصن ِ قدِّي وردَة ً
وَتَرَونَ نعشي بالدِّمَا يتخَضَّبُ
ريحَ الصَّبَا يا ريحُ لا..لن تندُبي
قولي لأمِّي نخبَ مَجدٍ فاشرَبُوا
فترينها مثلَ الجنوبِ بحُزنِها
ثكلى على نار ِ الأسَى تتقلَّبُ
أمَّاهُ لا تبكِ فتاتَكِ إنَّهَا
في جنَّةٍ بينَ الخمائِل ِ تلعبُ
عيناكِ ،عيني، لا تسحِّي أدمعًا
لولا الفداءُ لما بلادي تُخصِبُ
هذا الطريقُ يظلُّ أنبلَ غايةٍ
دربُ النضال ِ إلى وُرُودِ فاقربُوا
إنِّي اشتهيتُكِ يا بلادي حُرَّة ً
تاجًا على هام ِ السُّهَى لا يُثقبُ
إنِّي أردتُك ِمِشعَلاً في شرقِنا
وَمَعينَ مجدٍ للعُلا لا يتضبُ
إنِّي أردتُكِ يا بلادي جنَّة
تزهُو على كلِّ البلادِ َوتَعجَبُ
إنِّي عشقتُكِ يا بلادي فاعلمي
لولا هواكِ لمَا حَياتي تُوْهُبُ
 
ليلٌ على " بيروت "
وَدَمٌ على " صَيْدَا "
المَوتُ في بيرُوتْ
يحلُو لهَا شَهدَا
كانتْ لنا ياقوتْ
قد زيَّنَ العِقدَا
ماتَتْ بلا تابُوتْ
فاسْتَخلدَتْ مَجْدَا
 
سَناءَ العُلا إنَّ قلبي اكتوَى
بنار ِ البُعادِ ونار ِ الجَوَى
سأمضي سأمضي لنيل ِ الاماني
لأجل ِ بلادي يطيبُ الرَّدَى
 
سمعتُ هتافكِ قبلَ الرَّحيل ِ
بأنَّ الشَّهادة َ ِبدْءُ الحياة
إذا كانَ لبنانُ يُغري بحتفٍ
لأجل ِ فلسطينَ يحلُو المماتْ
 
إلامَ العذاب فروحي تلاشَتْ
وجسمي طواهُ الأسَى والشُّحُوبْ
خُذيني .. خُذيني لدربِ الفدَاءِ
سأمضي إليكِ عروس الجنوب
 
وراءَ الضُّلوع ِ َترَيٍنَ فؤَادي
مِنَ الحُبِّ والعشق ِ كم يخفقُ
وتلكَ فلسطينُ تأبَى أذاهُ
فتطلبُهُ للفدَا يُطلقُ
 
غاضَ المُغيرُون عن لبنانَ وانحَسَرُُوا
فالحقُّ أقوَى على الطغيان ِ ينتصرُ
حُيِّيتِ "بيروتُ "أنهارُ الدِّماءِ زكتْ
عبيرُها فوقَ أرض ِ المجدِ ينتشرُ
حُيِّيتِ " بروتُ " كم ظلِّيتِ صامدَة ً
كم تهزئينَ ونارُ البغي ِ تستعرُ
ناداكِ شعبٌ أبيُّ الخلق ِ مُصطخبٌ
لبَّيكِ .. لبَّيْكِ أنتِ الحُلمُ والوَطرُ
وَإنَّهُ قسَمٌ بالدَّم ِ نَمْهُرُهُ
سنجعلُ الأرضَ تحتَ الظلم ِ تنفجرُ
حُيِّيتِ بيرُوتُ أرضَ المجدِ من بلدٍ
ما لانَ عودُكِ ماتَ الخوفُ والذعرُ
على جبينِكِ تاجُ الغار ِ مُنتصبٌ
قد تاهَت العُربُ مِن أشبالِكِ انبَهَرُوا
صُنَّا الكرامة َ لم نحفلْ بوارجَهم
فالشَّعبُ إن هَبَّ لا .. لا بُدَّ ينتصِرُ