التقرير...

، بقلم فيصل سليم التلاوي

كانت سويعات هانئة تشرح الصدر وتجلو الهمّ تلك التي نمضيها في أُمسيات الخميس والجمعة، نفترش كثيباً رملياً في ضواحي هذه البلدة الموغلة في أقاصي الجنوب على تخوم الصحراء.

كانوا رفقة طيبة، شباب في مقتبل أعمارهم، حديثو عهد بالغربة، في مثل سن أبنائي، فكنت بينهم " شيخ الشباب " كما تقول الصفة الشعبية. تتنوع أحاديثنا وذكرياتنا بين طموح الشباب وآمالهم العراض، التي يحلمون بها بعد أن يغادروا هذا البلقع المنقطع في أقرب فرصة, كما تُزين لهم أحلامهم ذلك وتقربه لهم، وبين خيبات الشيوخ التي أضاعت العمر في كثرة نَطٍ وقلة صيد. حتى كان يوم رغبتُ فيه أن أُداعبهم وأختبرهم بسؤال يُعجزهم فقلت:

- أود أن أختبر ذكاءكم ومقدرتكم على حُسن الإدارة خاصة المالية منها، فما أظنكم تجشمتم عناء المجيء إلى هنا إلا من أجلها.

أصاخوا أسماعهم وأرهفوا آذانهم انتظاراً للسؤال، وقد جذبهم بريقه المالي، فقلت:

- أريد من كل منكم أن يفترض أنه من أبناء هذه البلاد، وأنه مدير مدرسة أو مؤسسة وغالبية موظفيه من الأجانب أمثالكم، وأن عليه أن يتفنن في ابتكار أساليب تحرمهم من علا وتهم السنوية المقررة، والتي هي 5% من الراتب لمن كان تقدير أدائه ممتازاً، و4% لمن كان تقديره جيد جدا، و3% لمن كان تقديره جيدا.

على كل منكم أن يَبزّ الآخرين، ويبتكر ألوانا من صنوف التعجيز التي تتنافس في حرمان هؤلاء من العلاوة، على أن يجد لها مخرجاً قانونياً وصياغة مهذبة في ظاهرها، ومن يهتد لأفضل وسيلة فسيكون الفائز وينال جائزة قيمة.
أطرق القوم مفكرين، وكل منهم يحاول أن يتفوق على رفاقه في الدهاء وحسن الإدارة المالية، لتوفير ما يمكنه توفيره من مرتب موظفيه، الذين وفدوا إليه من كل فج عميق، لكنهم لم يأتوا على كل ضامر، فالضمور مستوطن في جيوبهم وأجسادهم، وهو الذي أرغمهم عل مفارقة الأهل والولد، وألقى بهم على وجوههم في هذه البوادي المنقطعة.
رفع أحدهم رأسه وقال:

- وجدتها

- تفضل يا أرخميدس.

- أقترح ضمن ما أقترحه من أمور لإعادة الهيكلة واختصار الإجراءات وتقليص الروتين، أن يعاد تصنيف العلاوة إلى مستويين:الأول ممتاز وعلا وته 5% والثاني جيد جدا وعلاوته 3%، وما دون ذلك مُرضٍ لا علاوة له، أو غير مُرض يستحق لفت نظر أو إلغاء عقد. صفق الحاضرون للتصنيف الجديد وامتدحوا براعة صاحبه في شطب الجيد وتوفير فئة أل 4%.

- ولكننا نريد المزيد من الإبداع. ابتكروا جديدا آخر.

أنا أقترح أن نرفع الحد الأدنى لتقدير ممتاز إلى ما فوق 95% ونبقي ذلك الأمر سرا، لا يعلم به أحد حتى المشرفين الذين يضعون الدرجات، إلا في نهاية العام وبعد أن يفرغوا من وضع درجاتهم.
- لقد أبدعت في التحايل رغم أن ذلك مخالف لروح القانون وللأعراف الدولية في تقدير الممتاز، لكنه اقتراح وجيه يستحق التقدير.
أما أنا فسأجعل الممتاز في حرز مكين لا ينفذ إليه أحد.
هات أسمعنا لنرى حرزك المصون.

أجعل مجموع الدرجات في تقرير الأداء 99درجة، ثم أطلب أن يكون الممتاز حاصلا على درجات مجموعها 101 على أقل تقدير.

فقهقه الجميع من عجبهم واستغرابهم.

ومن أين يأتي بالدرجتين الإضافيتين زيادة على اكتمال تقريره؟ لقد جعلتها أصعب من أمل إبليس في دخول الجنة.
لا. سأضيف بندا آخر أُعطي فيه المدير صلاحية إضافة ست درجات من خلال تقرير يكتبه عن الموظف الممتاز، يعرض فيه نقاط تميزه وقوته في ثلاثة جوانب رئيسية، ولكل نقطة درجتان، والحد الأدنى أن يتميز في واحدة ليصل إلى 101%، وبذلك لا أغلق الباب في الظاهر، وإن كان إغلاقه مؤكدا في الواقع اعتمادا على عزوف المديرين عن الكتابة وتحمل المسئولية، بل وعدم إلمامهم بنقاط قوة تضاف إلى ما اشتمل عليه التقرير.

لقد أوثقت العقدة وما تركت للحل موضعا.

بل أضيف إلى اقتراحه اقتراحاً آخر يوصد الباب تماماً، بأن أجعل الممتاز هو الحاصل على 100% دون نقاط قوة وإمكانية تدخل مدير ليحابي شخصا دون آخر، ومن ضمن هذه الدرجات أجعل عشراً لمستوى الطلاب. فهل وجدتم فصلا مستوى طلابه10/10؟

أنا أريحكم من هذا التعب وكد الذهن مرة واحدة. أحدد راتبا وسطا يبلغه المدرس بعد حوالي عشر سنوات أُسَميه سقفا, تتوقف عنده العلاوات نهائيا وتبقى التقارير بعده معنوية فقط.

وماذا ستفعل بالذين تجاوزوا السقف قبل صدور قرارك وما أكثرهم؟

أعيدهم إليه, أخيرهم بين العودة إلى السقف الجديد أو الاستقالة في نهاية العام.

- أعتقد أن ذلك غير لائق، وسيحدث ضجة إعلامية، خاصة أن أعدادهم كثيرة، وإن استقالوا دفعة واحدة سيحدثون لنا إرباكا وبلبلة.

الأنسب أن نشتتهم في البوادي والقرى النائية، التي لا يوجد فيها خدمات ولا مدارس ثانوية لأولادهم و بناتهم مما يضطرهم للاستقالة من تلقاء أنفسهم.
لن يستقيلوا ولو وزعتهم في قلب الربع الخالي، ولن يغادروا طواعية. إنهم في سباق بين أن تنضب آخر قطرة نفط في هذه البلاد، أو تجف آخر قطرة دم في عروقهم.
إذاً نمهلهم إلى أجل قريب ثم نضع خطة لاستئصالهم على مدى عام أو عامين، نقول:
- نريد تجديد شباب العملية التعليمية، نستغني أولا عمن أمضى عشرين عاما فأكثر، وفي العام التالي عمن أمضى عشر سنوات فأكثر، وهكذا ينتهي الأمر وبغطاء تربوي هادف.

بل و نسوق الأمر في صورة تعاون وثيق مع بلدانهم، نستبق به ضجيجهم واحتجاجهم على الاستغناء عن هذا العدد الكبير، فنحاصرهم في مواطنهم بالتعاقد مع ضعف العدد من المدرسين الجدد من مواطنيهم وبراتب جديد، وهذا سيثلج صدور المسؤولين في بلدانهم، ويخفف عنهم جزءاً من البطالة المحكمة الخناق على رقابهم، ونكون قد كلناهم صاعاً بصاعين.

لكننا نحتاج لكثير من القدامى لخبرتهم ودرايتهم بطلابنا، ولقدرتهم على التعامل مع مجتمعنا بشكل أفضل من القادمين الجدد.

نعرض عليهم التعاقد من جديد، وبراتب مبتدئ، فنصيب عصفورين بحجر، نوفر ثلثي رواتبهم ونحتفظ بخبرتهم، بل ونتكرم عليهم. ستجدهم ينتظرون شهورا وهم يراجعوننا أملا في عودة من أي نوع، وبأي راتب. ألا تعرف ظروفهم وما ينتظرهم من بطالة في بلادهم؟

هل أفرغتم كل ما في جعبكم من حيل شيطانية تبتزون بها هؤلاء المساكين -الذين هم أنتم ولا أحد سواكم؟- ذلك أن الموظف من أبناء هذه البلاد لا علاقة له باجتهاداتكم، فهو يتقاضى علاوة سنوية دورية تعادل أربعة أضعاف علاوة المتعاقد، ولا تخضع لتقرير من أي نوع.

- نعم لقد ألقينا ما عندنا، واجتهدنا في ذلك غاية الاجتهاد، فمن الذي فاز منا بجائزتك
لا أحد منكم على الإطلاق.

وهل كنت تسخر منا إذاً؟

كلا. لقد فاز بها شخص آخر، جهة واحدة غيركم، فكرت بكل ما فكرتم به مجتمعين، ونفذته بحذافيره عاما بعد عام، وهي وحدها التي تستحق الجائزة. إنها وزارة المعارف.