رُؤى ثقافيّة «١٠٣»

المؤامرة على المرأة!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

إن الإنسان لا ينبُتُ إلّا في أحشاء أُنثى، ولا يتخلَّق إلّا من دم أُنثى، ولا يعيش إلّا بفضل أُنثى! ومع ذلك، ويا للمفارَقة، تنقلبُ الآيةُ، فيكفر الذكرُ ذلك كلَّه، بل يرَى له على الأُنثى الأوَّليَّةَ، والفضلَ، والهيمنةَ، والسموَّ، وما هو إلّا صنيعتها، في البدء والختام؛ لولاها ما كان، ولا وُجد، ولا عاش، ولا استمرّ. إن آية (عيسى بن مريم) لدليلٌ على أن سببيَّة الأب يمكن أن لا تكون، فهل يمكن أن لا تكون الأُنثى الأُمُّ سببًا في الخلق؟! ذلك ما لم يكن في دنيانا قط، والله على كلّ شيءٍ قدير!
على أن قضيّة نيل المرأة مكانتها، أو هضم حقوقها، ليست مرتبطة بمستوى الحضارة العمرانيّة بالضرورة. وإنما بمبادئ العدالة الروحيّة والعقليّة في مجتمع حضاري أو بدائيّ. فلقد كانت المرأة في كثير من المجتمعات الشرقيّة القديمة- بدائيّة أو لها نصيب من حضارة، في الجزيرة العربيّة والعراق والشام ومصر- حاكمةً وملكةً، بل عُدَّت لدى أولئك الأقوام إلاهةً أحيانًا. وفي العصر الحديث وصلت المرأة في العالم الإسلامي- الذي ينعته الغرب بأنه ضدّ المرأة- إلى الحُكم في عددٍ من الدول، (كالباكستان، أندونيسيا، تركيا، وحتى بنغلادش)، ولم تصل إلى ذلك في (الولايات المتحدة الأمريكيّة)، التي تسعى بحماس إلى تلقين العالم الديمقراطيّة، وكأنها تحمل براءة اختراعها.

وكثيرًا ما يُلحظ في العصر الحديث أن حقّ المرأة يُختزل في التعرِّي جسديًّا وقيميًّا، باسم الحُريّة. وذلك ابتزاز حفيد من الذكَر للأنثى، قد تستجيب له ببلاهة. وكأن شخصيَّة الجارية (المحظيّة) ما زالت تقبع في شخصيّة المرأة الحديثة، الزاعمة التحرّر. لأن التحرّر لديها لا يعدو التحرّر من الثياب، أو من الأنوثة الاجتماعيّة، أو الأُمومة والحياة الأُسريّة الطبيعيّة. وهذا بالضبط ما يبغيه الذكَر في كلّ زمانٍ ومكانٍ من الجارية! ومن ثَمَّ فهي، باسم التحرّر، تستعبد نفسها أكثر من المرأة الأخرى (المحافظة). ونحن نعلم تاريخيًّا أن الجواري، في العصر العباسي مثلًا، كُنّ أكثر تحرُّرًا، بهذا المفهوم الابتذالي، وربما حقَّق لهنّ ذلك غير قليل من الانفتاح والتعلُّم، وتنمية القدرات الإنسانيّة والمهارات الطبيعيّة، قياسًا إلى الحرائر، بالمعنى الاجتماعي. لكنهنّ في النهاية جوارٍ، يُبعن ويُشترين، ماديًّا ومعنويًّا، وإنما يُمتّعن بما اكتسبنه الرجالَ، تمامًا كما يدرِّب الإنسان حيوانًا ليكتسب بعض الخصال، ليستمتع به هو، وليستخدمه في مصالحه، لكنه في كلّ حالٍ يظلّ حيوانًا. وهذا هو الوعي النسوي القاصر بمعنى الحُريّة في العصر الحديث، وبخاصة في الشرق. إنه مسخٌ لطبيعة المرأة، واسترقاق لها من جديد، أكثر من أيّ أمرٍ آخر. فحين تتساءل بموضوعيّة- وبغضّ النظر عن الانتماء الدِّيني أو الثقافة الاجتماعيّة- ما دافع امرأة إلى أن تتزيَّن بمبالغة وتتبرّج لغير زوجها؟ ما هدفها سوى نتيجتين:

- إرضاء شهوات الذكور، للاستمتاع بها، وهي تعرض عليهم نفسها في أبهى صورة، تشهق لها الغرائز. فيا لذكاء تلك المرأة، ويا لتحرُّرها! وإنْ كان يحقّ لنا هنا أن نتساءل ببراءة: وما الفرق بينك وبين جواري العصر العباسي؟!
- الهدف الآخر، تبعًا لذلك، إرضاء نزوعها نحو إطراء الجَمال فيها. وأنها مثاليّة الحُسن، لا تقل عن ملكة جمال (الأعشى)، التي قال في وصفها:

رُعبوبَةٌ فُنُقٌ خُمصانَةٌ رَدَحٌ ** قَد أُشرِبَت مِثلَ ماءِ الدُرِّ إِشرابا

وكثيرًا ما يتضخم هذا الهدف لدى مَن تحمل مركَّب نقصٍ نفسيٍّ أو اجتماعيٍّ أو جمالي. فتلهث وراء أنْ تقال فيها كلمة، وإنْ كاذبة، أو حتى من رجلٍ أعشى أو أعمى.

تلك المرأة إنما تُرضي بذلك السلوكِ الرجالَ. تبتذل نفسها وبنات جنسها، وهي تحسب أنها تنتصر لهما. تحوِّل ذاتها إلى دُمية في معرضٍ عامٍّ لفُرجة النظّارة، من الجنس الآخَر طبعًا، كي تسمع كلمة. ولو كان غَزَلًا كغَزَل (أبي الطيِّب المتنبّي)، الذي لا شأن له بالغَزَل، إذ يقول لمحبوبته:

يا وَجهَ داهِيَةَ الذي لَولاكَ ما ** أَكَلَ الضَّنَى جَسَدي ورَضَّ الأَعظُما

ويا لها من محبوبةٍ محظوظةٍ بهذا المتغزِّل اللَّبِق، الذي جعل وجهها «وجه داهية»! لا يهمّ، المهمّ أن تثير غَزَلًا أو ثناءً؛ «والغواني يغرّهن الثناء!». وقد فطن إلى ذلك الشعراء عبر الدهور، ربما باستثناء المتنبّي، الذي يكاد لا يقارب الغَزَل حتى يهجو المرأة، كما رأينا! أمّا شعراء العاميَّة، فحدِّث ولا حرج عن التهالك، والتبذُّل المراهِق في استثارة الحساسيّة الذكوريّة، وإنْ في رومانسيَّة أكثر إثارة من التصريح. وتلك سُوقٌ ما تزال تمتح اليوم من بئر (الأعشى) و(امرئ القيس). تفعل ذلك بالمستوى نفسه من الاهتمام بالتفاصيل الحسِّيَّة، وتحويل المرأة إلى محض دُمية، أو لُعبة يُلهَى بها، كما كان يعبِّر جدّهم الشاعر القديم. وهي سُوقٌ تضمّ بعض الشواعر كذلك، اللائي يَذُبْن سماجةً تشبيبيَّةً، لا تليق بإنسانٍ ناضجٍ في هذا العصر، بل بإنسان البلهنيّة البلهاء، في عهودٍ كان الذكَر ينزو على أنثاه كما ينزو الذئب على الظبية. ولا حياء في ذلك لدى هؤلاء على الإطلاق! والعجيب أن هؤلاء لا يجدون تناقضًا في ذلك مع ما يزعمونه من الشِّيَم العربيَّة، ولا مع مظاهر المحافظة القِشريّة، والتديُّن الطقوسي والشكلاني. لا نريد هنا العودة إلى الشِّعر العامّي وقِيَمه اللغويّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة، لكنها نفثة مصدور ممّا يروّج من هذا الوباء الثقافي، متوسِّلًا أحدث الوسائط لنشره بين الناس وتعميمه، كيف ينعم العربان ببحبوحته اليانعة. وهو يستهدف المرأةَ دائمًا، في شرفها، وعقلها، وكرامتها الإنسانيّة، لا الرجلَ، بطبيعة الحال. ذلك أن الرجل هو البطل، ولا يعيبه شيء، حسب أعرافنا السقيمة. فيما المرأة هي الفريسة، والضحيّة، والمستسلمة، بل ربما المُسهمة في إهانة نفسها، وإغراء الرجل بابتزازها، أكثر فأكثر، وبكلّ الصور واللغات.
تُرى لماذا تفعل امرأة ذلك؟

لا تفسير إلّا بأن رأسها فراغ، ونفسها هواء. والخطاب الذُّكوري العالمي يحشو رأسها عادةً، ويشحن نفسها، بضِدّ ما يقتضيه العقل والتحرُّر والتحضُّر. يحشوهما بشِعار الحُريَّة، وهو يبتغي جعلها جارية، وبالنسويَّة، وهو ينشد إرضاء فحولته، وبالعَصريَّة، وهو يهدف إلى إنشاء سُوق نخاسةٍ معاصر، وبالتقدُّم، وهو يريد تقدُّمها نحو مخادعه الشهوانيَّة. وفي المقابل يزهِّدها في نظام الحياة والأزياء والسلوكيّات التي كانت عليها أُمّها وجَدّتها، ناعتًا إيّاها بالتخلّف والرجعيّة والانغلاق. يفعل ذلك كأيّ ذئبٍ يُغوي حَمَلًا ليرتع في مرعًى أرقى وأشهى.

المرأة في الغرب وَعَتْ نسبيًّا ذلك التآمر عليها اليوم، والمرأة الشرقيَّة ما زالت تسعى إلى تكرار ما تجاوزته المرأة الغربيّة. وَعَتْه المرأة الغربيّة، وإنْ لم تتحجَّب أو تتنقَّب، أو تستر مفاتن جسدها بالضرورة؛ لأن مفاتن جسدها بعد تاريخٍ من تعريتها من قِبَل الرجل لم تعد مفاتن؛ ولأن الجسد في ذاته ليس بفاتنٍ، ما لم يُعرَض ليكون كذلك. ذلك أن الفتنة، أو الإغواء، أو الابتذال للمرأة ليس في كشف جسدها في ذاته، بل في كيفيَّة ذلك الكشف، وفي السياقات التي يأتي فيها. فكم من سافرةٍ جميلةٍ جليلةٍ مهيبةٍ؛ لأن ما في رأسها شيء آخر! وكم من محجَّبة، لا ترى منها شَعرة، مهينة الكرامة، تحوم حولها الحشرات البشريّة؛ لأن ما في رأسها شيء آخر! بل إن بعض التحجُّب هو أكثر فتنةً وأشدّ إغراءً، وبعض التكشُّف لا يبعث إلّا على النفور والتقزّز. مدار الأمر كلِّه على الوعي بما تريده المرأة وما يُراد بها. على احترام هُويَّتها، وشخصيَّتها، واستقلالها، وتحرُّرها الحقيقي من أهوائها وأهواء الآخرين؛ كي تكون إنسانًا كاملة الأهليّة، والثقة، والإرادة، والمعنى، والاستقلال عن تسليع نفسها، بنفسها أو برغبة المتاجرين.