أجمل من تحررك احتلاك!

، بقلم فراس حج محمد

لعلكم تتمنون عودة الوطن، أما أنا فلا أتمنى أن يعود! أتدرون لماذا؟

لأننا سنبكي أكثر ونحزن أكثر، ونتعب أكثر! لأننا سنلمّ الوجع والمرض والجهل والفقر والعتمة والبؤس، لأننا سنكون طعاما للحيتان «الوطنية»، كيف لا وهم أذاقونا في ظل هذا الضياع أصنافا مصنفة من القهر والعذاب، حتى غدا العاقل يكره الوطن وحروف الوطن أينما وجدها فهي أولى بالنكران والسباب والشتيمة!!

لماذا أتمنى أن يعود الوطن؟ وسيستولي عليه جماعة المتآمرين والزعران، وسيجندون ظلي ليتجسس على ظلي، وسينصبون الثعالب لتحكم وترسم، لتُشرِّع شرائع الغاب لتكون قسمتها "القسمة الضيزى"، ولنكون مضطرين لصياغة مقالات المديح في عدلها المطلق!!

لماذا أتمنى أن يعود الوطن؟ وأنا لن أجد فيه "مقعد صدق" من مقاعد النواب والوزراء والمسؤولين، أمراء يتقنون فن المراوغة والكذب والنفاق وجهلاء يتفنّون في تدبيج خطب الدكتاتور لنرقص في أفيائها ما شاء للحن أن يكون خادعا ومضللا!!

لماذا كل هذا البكاء المتكاثر على ضياع الوطن؟ ها هي أوطان كثيرة ضاعت، وكأن شيئا لم يكن، بل على العكس من ذلك وضعها "الأسياد الأقنان" في فم الغول وهم يشربون نخب دم نازف وعرَق أجيال استماتت وهي تضحي، "وما بين غمضة عين وانتباهتها" سلموه إلى من سلموه!!

لماذا كل هذا العويل المتهالك المجنون؟ ولماذا هذا الصراخ الطويل؟ ولماذا كل تلك المسرحيات الخاوية من الفكرة الطريفة واللحن الفريد، ولماذا هذه الدراما ذات الإخراج الرديء والسناريو العقيم؟ لماذا تتمنون رجوع الهمّ والغم؟ أتدرون ماذا يعني أن يكون لنا وطن؟!

أحاول أن أعدد لكم بعض المزايا:

سيزداد الفقراء عددا، وسيصبح المسؤولون أكثر إجراما وتوغلا وولوغا في دمنا، سنحرم من لقمة العيش الحاف والجاف، وسيحرم أبناؤنا من التعليم، ليكون حكرا على أبناء المسؤولين وأصحاب رؤوس الشر والفساد.

سيصبح المسنود والعقيد ورجل الأمن مختار حارته وقريته ومدينته؛ سيضع القانون الذي يتلاءم وهواه ليغرد مع ليلاه على هواه، سيسهر مترنما على أوجاع المرضى وأناتهم، إذ لم تستقبلهم المشافي لأنهم لن يدفعوا، فليسوا ممن يملك ثمن العلاج، وسيعد جلاوزة النظام وشياطينهم حفلاتهم الساهرة مستمتعين بأفلام الرعب، وهم يعذبون سجناء الرأي والسياسة، وستتفتق عبقريتهم وتتجلى في خلق الأسباب ليكونوا برءاء من دم طفل مات وهو يبحث عن حليب منتظرا شعاعا من نور!!
أتدرون لماذا لا أريد أن يعود الوطن، لأنه الآن أجمل، أجمل وأنظف وهو حلم، وهو فردوس مفقود، نتمناه جميلا، ولكن عندما ترى اليوم السيارات الفارهة والفساد المستشري في كل خلية من وطن ما زال على الورق، ستقول حتما هكذا أنت أجمل يا وطني، فما زالت الحجة موجودة لأحبك لأنك محتل!!

أتمنى لك أن تتحرر من احتلالك الداخلي وهمك الذي أودى بنا وبك في "مهاوي الردى"، لأراك "سالما منعما" خاليا من أمراض السرطان والفشل الكلوي وشلل العقول المعشعش في نفوس أصحاب الكراسي السرطانية التي أكلتك لحما ورمتك عظما باليا، أخشى أن نصل إلى قناعة "أجمل من تحررك احتلاك"، وأن تكون هذه الحالة هي حالة الوطن الأجمل!!

يا ليتني أكون على ضلال!


فراس حج محمد

ناقد وشاعر فلسطيني

من نفس المؤلف