في عيد أمنا الأرض

، بقلم محمد زكريا توفيق

"إذا لم يكف العالم عن عادة تلويث البيئة، وقطع الأشجار، بالطريقة التي تحدث الآن، فإن فناء البشرية سيكون قريبا." عالم البحار - جاك كروسو

عندما قام السيناتور الأمريكي "جايلورد نلسون" ومساعده "دنيس هايس" بزيارة سانتا باربارا بولاية كاليفورنيا عام 1969م، تملكهما الغضب والذعر عندما شاهدا كميات النفط الكبيرة التى تلوث مياه المحيط الهادي بالقرب من السواحل الأمريكية لمسافة عدة أميال.

هذا التلوث له تأثير خطير على البيئة، يجعل حياة الأسماك والطيور والأحياء المائية مستحيلة. عندما عادا إلى واشنجطن، قام السيناتور بتمرير قانون يخصص يوم 22 أبريل من كل عام، عيدا قوميا للاحتفال بكوكب الأرض.

كارثة التلوث هذه، تسببت أيضا فى إنشاء مجلس البيئة الأمريكي، الذى بدأ عمله فى محاربة التلوث منذ ذلك الحين. لهذا تعتبر سانتا باربارا مهد جماعة أنصار البيئة. أول احتفال بيوم الأرض العالمي، كان عام 1970م. استمر الاحتفال بيوم الأرض منذ عام 1990م حتى الآن.

يعيش الإنسان منذ بداية الخلق فى وئام ووفاق تامين مع باقي الحيوانات والنباتات. فلا الإنسان أو الحيوانات تستطيع الحياة بدون النباتات، ولا النباتات تستطيع الحياة بدون الحيوانات.

النباتات تمد الحيوانات والإنسان بالغذاء وبغاز الأكسوجين اللازم للتنفس. والحيوانات تمد النباتات بغاز ثاني أكسيد الكربون اللازم لعملية التمثيل الضوئي. بدون عالم الحيوانات، الموجود من هذا الغاز لن يكفي النباتات أكثر من سنة أو سنتين على الأكثر.

إننا نمرض ونموت إذا شربنا فقط المياة المقطرة، الخالية من أملاح الأرض ومعادنها. ولا نستطيع هضم طعامنا بدون وجود أنواع من الباكتيريا فى أمعائنا.

كذلك، لا نستطيع أن نعيش بدون المخلوقات الدقيقة، وحيدة الخلية، العالقة فى مياة المحيطات، العوالق (بلانكتون)، التى لا ترى بالعين المجردة.

أولا، لأنها تمدنا بثلاثة أرباع حاجتنا من الأكسوجين اللازم للتنفس، الربع الباقي يأتينا من الأشجار والنباتات. ثانيا، لأنها تولد السحب التي تمدنا بالمياه العذبة للشرب والزراعة، وتحمينا من الأشعة الفوق بنفسجية الضارة. لكن كيف؟

في دراسة حديثة لمنظمة ناسا الأمريكة، جاء مايلي:
أثناء فصل الصيف، عندما تضرب الشمس بأشعتها الحارقة، الطبقات العليا لمياه المحيطات، تحاول العوالق حماية نفسها (هذا ما تقوله نظرية التطور)، بأن تنتج مادة كيميائية (DMSP)، حتى تقوي السطح الخارجي للعوالق.

مثل تأثير الشمس الحارقة على جلد سكان المناطق الاستوائية. هذه المادة التي تفرزها العوالق، تتحل بفعل الباكتيريا والماء، وتتحول إلى مادة كيميائية أخرى تسمى (DMS).

هذه المادة الكيميائية الجديدة، تتحلل في الهواء مرة الثانية، إلى جزئيات صغيرة تشبه ذرات الغبار. حجمها مناسب لكي تتكثف فوقها قطرات الماء. هذه هي بداية تكوين السحب.

صدق أو لا تصدق، أننا لا نستطيع الحياة على سطح الأرض بدون هذه الأحياء الدقيقة. لكنها بالتأكيد تستطيع أن تحيا وتستمر بدوننا. إننا لا يجب أن نكون في معزل عما يدور حولنا من اكتشافات حديثة. ولا يجب أن تكون لغة العلم حاجزا يمنعنا من معرفة أنفسنا والعالم الذي نعيش فيه.

فصل الإنسان عن البيئة والطبيعة مستحيل من الناحية الفسيولوجية أو من الناحية السيكولوجية. علاقة الإنسان بالبيئة هى علاقة توافق لا علاقة تعارض.

بمعنى أن الإنسان وباقي الكائنات شئ واحد لا أشياء مختلفة. توافق الإنسان مع البيئة هو أساس حضارة قدماء المصريين وفلسفة الرواقيين وديانات وفلسفات الشرق، الهندوسية والبوذية والشنتو وغيرها.

فى السنوات الأخيرة، حلت كوارث عديدة فى أنحاء كثيرة من العالم. لا نزال نذكر إعصار تسونامي بأندونيسيا، الذى أودى بحياة أكثر من 200 ألف نفس. وغيره من الأعاصير والكوارث الطبيعية فى جميع أنحاء العالم.

هذه الكوارث كانت موجودة من قبل، لكنها لم تكن تحدث بمعدل سريع على فترات زمنية قصيرة. أو بمثل هذا التكرار منذ آلاف السنين. كوارث الفيضانات والجفاف والتحاريق فى كل القارات. كذلك موجات البرد والصقيع التى تجتاح العالم من آن لآخر.

زيادة معدلات درجات الحرارة فى الصيف ثلاث درجات، وانخفاضها فى الشتاء ثلاث درجات. كل هذا نتيجة لتوزيع الضغط الجوي بطريقة مختلفة عما كان عليه منذ آلاف السنين.

قطع الأشجار يقلل من استهلاك غاز ثاني أكسيد الكربون. زيادة هذا الغاز فى الجو تحجز حرارة الشمس فى الغلاف الجوي، وتمنعها من التسرب إلى الفضاء الخارجي.

مما يخل بالضغط الجوي وتوزيعه، مسببا الكوارث التى أشرنا إليها. فضلا عن استمرار زيادة درجات الحرارة بهذا المعدل، سوف تؤدي إلى انصهار الثلوج بالقطبين ومن قمم الجبال.

مما يعرض الأرض إلى فيضانات لا مثيل لها. هذا يؤدي إلى إغراق مساحات كبيرة جدا من الأراضي المنخفضة بما عليها من مدن ومزارع وغابات. ويسبب الكوارث والمجاعات للأجيال القادمة.

التقدم العلمي والتكنولوجي بدون وازع أخلاقي، أطلق العنان للجشع المادي. الرجل الغربي الآن يتصور أنه خلق لكي يسيطر على الطبيعة ويقهرها. هذا التصور يتيح له تدمير الحياة والبيئة من حوله، بحثا عن الكسب السريع.

الشركات الكبيرة تقوم حاليا بقطع الأشجار فى مساحات شاسعة من الغابات وقتل حيواناتها، فى أفريقيا وأمريكا الجنوبية، طلبا للأخشاب ولصناعة الورق ومستلتزمات أخرى. لا يهتم الرجل الغربي بمصير الإنسان ومستقبله، ولا يعطي البيئة أدنى اهتمام.

فى بلادنا نقوم بقطع الأشجار من الحدائق، وردم الترع لتوسيع الشوارع، وتجريف التربة لبناء المنازل. أهملنا زراعة الأشجار والنخيل واستصلاح الأراضي. لوثنا الحقول بالسموم وبالمبيدات الحشرية. علت الأتربة شوارعنا وداخل بيوتنا ومكاتبنا.

خلت نوافذنا وشرفاتنا من الزهور، واختنقت مدننا بالغازات السامة والسحابة السوداء والضوضاء. انفصلنا عن البيئة واصبحنا نراها عدوا يجب قهره. بالرغم من وجود وزارة للبيئة وحزب للخضر فى بلادنا.

علاقتنا بأمنا الأرض هي علاقة مريبة ظالمة. لوثنا المياة وقتلنا أسماك نهر النيل وباقي البحيرات. قضينا على طيورنا صديقة الفلاح، الحدأة والصقر وأبو فصادة وأبو قردان.

ثم تحولنا إلى الهواء وجعناه هو الآخر فاسدا. هذا فى حد ذاته جريمة مع سبق الإصرار والترصد. جبل لبنان الذى كان مغطى كله بأشجار الأرز، لم يبق من هذه الأشجار سوى 400 شجرة فقط. غابات جزيرة كريت لم يبق من أشجارها شئ.

فى ولاية مساشوسيت، عندما جاء إليها المهاجرون الأوائل، كانت شجيرات الفراولة تصبغ أرجل ورؤوس الأحصنة باللون الأحمر عند المرور بينها من كثرتها وكثافتها. الآن لم يتبق منها إلا 1% أو أقل.

التلوث يأتى من زبالة المنازل والمزارع ونفايات المستشفيات ومخلفات المصانع بجميع أشكالها. ناهيك عن نفايات المفاعلات الذرية ومنها البوليتونيوم.

تنقسم نواة اليورانيوم داخل المفاعل الذري إلى أجزاء صغيرة مشعة. تصاحب هذا الانقسام حرارة وتنطلق أيضا نيوترونات. هذه النيوترونات تمتصها أنوية أخرى تنشطر بدورها، مولدة سلسلة من التفاعلات.

داخل القنبلة الذرية، تنتهي سلسلة التفاعلات هذه بالانفجار. لكن داخل المفاعل الذري، يمكن التحكم فيها وتنظيمها عن طريق قضبان من الكربون، تمتص هذه النيوترونات.

ثم تنطلق تبعا لذلك كميات هائلة من الحرارة، تستخدم فى غليان الماء وتحويله إلى بخار. يدير البخار محركات تقوم بدورها بتوليد الكهرباء.

كل مفاعل ذري لتوليد الكهرباء، ينتج سنويا أطنانا من النفايات، منها البلوتونيوم. هذه النفايات تظل سامة وضارة آلاف السنين. البلوتونيوم هذا، والمسمى باسم "بلوتو" إله الإغريق، والذى اكتشفته "مدام كوري" وزوجها، يعتبر أخطر المواد المشعة على الإطلاق.

يظل يشع البلوتونيوم السموم القاتلة ما يقرب من نصف مليون سنة. هى مدة تعادل مائة ضعف التاريخ المدون للإنسان، وخمسون ضعف الفترة من العصر الجليدى إلى وقتنا الحاضر.

هذه هى المدة التى يجب أن يُعزل فيها البلوتونيوم عن البيئة. ليس هناك علم أو تقنية تستطيع أن تبتكر أوعية أمان تعيش هذه الفترة السحيقة من الزمن. وليس هناك طريقة آمنة معروفة للتخلص أو تخزين هذه النفايات رغم ملايين الدولارات التى أنفقت على أبحاث خاصة بحل هذه المشكلة.

لمعرفة مدى خطورة البلوتونيوم على صحة الإنسان والحيوان، يكفي أن نعلم أن جزءا صغيرا لا يرى بالعين المجردة، يقدر بحوالى جزء من مليون جزء من الجرام، قد يصيب الإنسان بالأمراض أو يتسبب فى تشويه الجينات داخل خلايا الإنسان. مما ينتج عنه أجيالا مشوهة. رطل واحد من البلوتونيوم إذا وزع بالتساوى على سكان الأرض فإن نصيب كل فرد يكون كافيا لإصابته بسرطان الرئة.

لذلك من المروع أن نعلم أن كل مفاعل ذري ينتج ما بين 400 أو 500 رطل بلوتونيوم كل عام، بالإضافة إلى النفايات الأخرى. متى وجد البلوتونيوم، وجب عزله من البيئة إلى الأبد.

لأن إشعاع البلوتونيوم ينتقل من النبات إلى الحيوان، ثم يعود إلى التربة ثانية لينتشر فى المياة والجو مع هبوب الريح. يستمر هكذا إلى ما يقرب من نصف مليون سنة.

حاول كراسكي مستشار النمسا السابق دفن النفايات الذرية التى تنتجها بلده فى الصحراء الغربية أيام الرئيس السادات، لولا ستر من الله ووقوف بعض المسئولين بحزم فى وجه هذا المشروع. دفن النفايات الذرية فى الصحراء الغربية يعتبر كارثة قومية نظرا لما فيها من مياة جوفية صالحة للزراعة.

تلوث هذه المياة بالإشعاع الذري قد يقضي على كل أمل فى مشاريع إستصلاح الأراضي فى الوادي الجديد والصحراء الغربية. فأي حق لنا يسمح بأن نترك هذه المواد القاتلة إلى أجيالنا القادمة. إذا كانت النفايات تعتبر مشكلة ليس لها حل، فإن التخلص من المفاعلات الذرية نفسها عند إنتهاء عمرها الافتراضي يعتبر مشكلة ليس لها حل أيضا.

الصرف الصحي ومخلفات المصانع والمستشفيات تصب فى الأنهار والبرك والبحار. قد يتم معالجتها كيميائيا قبل إلقائها فى البحر، أو بهدف استخلاص المياة منها بغرض الزراعة.

هذه النفايات تترسب على قاع البحر أو البحيرة وتولد كمية حرارة كبيرة، تدمر معها كل النباتات البحرية والأسماك فى المنطقة. في حالة استخدام البرك، تتراكم المخلفات على القاع، وتفقد الطبقات العليا من البركة الأكسوجين، لأنه يستهلك بالباكتيريا التى تغذيها النفايات، مما يتسبب عنه القضاء على أسماك وحيوانات ونباتات البركة.

أيضا، إلقاء مياه الصرف فى البحيرات، يزيد كمية النيترات فى الماء. مما يتسبب عنه زيادة نبات الألجا أزرق اللون، الذى يستهلك كمية كبيرة من أكسوجين البركة اللازم لحياة الأسماك.

تلقي الناس والمصانع والمستشفيات مخلفاتها فى الأنهار، بسبب سهولة ورخص التكلفة. لكن هذه المخلفات تنشر الأمراض، وتقضي على كل أسماك الأنهار. الذى ينجو منها من الانقراض، لا يصلح للأكل. الآن من الصعب أن تجد أسماكا فى أى مكان غير ملوثة تصلح للأكل.

فى عام 1972م، ذكرت أحد الصحف الأوروبية أن نهر الراين، عند روتردام، كان مليئا بالمواد الكيميائية، التى رفعت درجة حرارة مياهه، بحيث يمكنك استخدامها فى تحميض أفلام التصوير.

نهر "التيس" البريطاني، وجد أن مياهه بها عناصر الكادميوم والنحاس والرصاص والزنك بنسب عالية. بالطبع هذا التلوث يقتل النباتات والأسماك والأحياء المائية التى تتغذى عليها. وجد أيضا، أن هولندا هى الأسوأ بالنسبة لتلوث نهر الراين.

عندما عبر "ثور هيردال" بقاربه المصنوع من سيقان نباتات البردي المحيط الأطلسي عام 1968م وعام 1969م، وجد التلوث ينتشر من الساحل الأفريقي إلى سواحل أمريكا، وما بينها.

بقع من النفط والشحم وجزيئات بلاستك صغيرة طافية فى الماء. النفط يقتل النباتات المائية، والكيمياء المستخدمة فى إزالة بقع النفط، هى الأخرى تقتل النباتات المائية. مع قتل النباتات، تموت معها الأسماك وكذلك الطيور التى تتغذى على الأسماك .

الزئبق هو أيضا سم قاتل بالنسبة للأحياء المائية، سواء كان فى الأنهار أو البرك أو البحار. فى اليابان يموت الناس وتشوه الأطفال من أكل أسماك الأنهار الملوثة بالزئبق، من نفايات المصانع التى تلقى فى الأنهار.

فى السويد وجدت آثار من الزئبق فى منتجات الصلصات المستخرجة من النباتات البحرية. خطورة الزئبق هو أنه حتى لو كانت درجة تركيزه فى الماء هي جزء زئبق إلى 10 ترليون جزء ماء، فإنه يؤثر على عملية التمثيل الضوئى للنباتات، وعلى تكاثر نباتات البلانكتون، العالقة بالماء، والتي تمدنا بالأكسوجين.

الزحف العمراني والغابات الأسمنتية، أى المدن، فى انتشار مستمر. فى إنجلترا مثلا، المدن تمثل 11% من مجموع الأراضي. بعد قرن من الآن، ستصبح المباني تمثل 25% من مجموع الأراضي. فى عام 2800م، سوف تصبح أراضي إنجلترا كلها مدن.

هولندا وألمانيا سوف تستخدم كل أراضيها كمدن فى زمن أقصر من إنجلترا. الدلتا في مصر، سوف تصبح كلها مدن وتختفي منها الحقول والغيطان، كذلك بلاد أخرى كثيرة.

تلوث الغلاف الجوي له تأثير ضار أيضا على النباتات. فى عام 1969م، فى غابات سان برنادينو بكاليفورنيا، عدد أشجار الصنوبر بلغ 1.3 مليون شجرة. ماتت منها 40 ألف شجرة، و200 ألف شجرة أصيبت بأمراض خطيرة بسبب تلوث الجو.

غاز الفلوريد المنبعث من المصانع يؤذي النباتات. كذلك الأوزون وخصوصا إذا اتحد مع عناصر تلوث أخرى. جزئ الأوزون مكون من ثلاث ذرات أكسوجين، أما جزئ الأكسوجين العادي، فمكون من ذرتين فقط.

مصانع الأسمنت ضارة جدا بالبيئة، كذلك مصانع التعدين. فهي بالإضافة إلى أنها ضارة بالنباتات، تجعلها سامة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي أو الحيواني.

التلوث الجوي يحجب أشعة الشمس عن الأرض. لهذا لا تستطيع النباتات القيام بالتمثيل الضوئي جيدا. هذا يترتب عليه زيادة الحموضة فى الهواء والماء.

الدول الإسكندنافية، كانت تتهم بريطانيا بالإفراط فى تلوث الجو بغاز ثاني أكسيد الكبريت، الذى يترسب فى التربة فى بلادهم. لهذا ارتفعت حموضة المياة فى الأنهار والبرك عندهم. هذا له تأثير خطير على توازن الطبيعة، وله تأثير مدمر على المخلوقات الدقيقة والبلانكتون، التى تمدنا بالأكسوجين، وكذلك الأسماك والطيور.

الزيادة فى غاز ثاني أكسيد الكبريت فى الجو، أكثر ضررا على صحة الإنسان من النباتات. كما أن حامض الكبريتيك (المسمى "مية النار" بالعامية والموجود فى البطاريات السائلة)، يلوث هو أيضا الجو.

يسقط بملايين الأطنان مع المطر على كل أوروبا والولايات المتحدة كل سنة. هذا بسبب عادم السيارات وحرق الزيوت والنفط والبنزين، ذات مركبات الكبريت العالية.

تلوث البيئة يؤدي إلى قتل النباتات والأشجار فى مساحات كبيرة، ويساعد على تصحر الأرض، فتصبح قاحلة إلا من الأعشاب الغير مفيدة. حتى الأشجار التى تنجو من الموت، نجدها ضعيفة هزيلة. نصف أشجار المطاط فى فيتنام تسقط أثناء العواصف بسبب ضعفها وأمراضها.

إذا كان الأمر بهذه البشاعة، فما موقف الدول والحكومات من مشكلة التلوث هذه؟ الدول المتقدمة بدأت تتنبه لخطورة الأمر. قامت بها جمعيات ومؤسسات وأحزاب كثيرة، لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

صدرت بها قوانين خاصة بصناعة السيارات والمصانع، للإقلال من التلوث. لكن للأسف فى البلاد الفقير، هذه الإجراءات والقوانين تزيد من تكلفة السلعة بها، فلا تسمح لها بمنافسة الدول المتقدمة. لذلك تحتل مشكلة التلوث بها مرتبة متدنية بالنسبة لباقي الأولويات.

فى عام 1851م، أجبر الرجل الأبيض الهنود الحمر على بيع 2 مليون فدان بمبلغ 150 ألف دولار. فقام زعيمهم "سيتل"، الذى أطلق اسمه على مدينة "سيتل" فى ولاية واشنجطن، بإلقاء الكلمة التالية:

"كيف تطالبوننا ببيع زرقة السماء ودفئ الأرض؟ الفكرة غريبة علينا. إذا كنا لا نملك عبير الهواء وخرير الماء، فكيف نبيعهما لكم؟ كل حبة رمل من هذه الأرض عزيزة على قلوبنا.

كل غصن يميل مع النسيم، وكل زهرة وكل فراشة وكل قطرة ندى، هى شئ مقدس عندنا. هذه الأشجار تحمل ذكرى آبائنا وأجدادنا.

أرواح موتاكم تصعد إلى السماء وتترك الأرض وتنسى كل شئ عليها، لكن أرواح موتانا لا تترك أو تنسى هذه الأرض الجميلة أبدا. لأنها أمنا. كيف ينسى الإنسان أمه؟

نحن جزء من الأرض، وهى جزء منا. عبير الزهور وخرير المياه فى الغدير وتغريد الطيور، هى إخوة لنا. الصخور والصقور كلها أفراد فى عائلة واحدة.

إننا نعلم أن الرجل الأبيض لا يفهم أسلوبنا فى الحياة. فكل الأرض لديه سواء. لأنه غريب يأتي ليأخذ كل ما يطلب من الأرض. الأرض لديه عدو، يهزمها وينتصر عليها. يعامل أمه الأرض وأخته السماء كأشياء تباع وتشترى. إلى أن تبتلع شهوته الأرض وما عليها. ويحولها إلى صحراء جرداء قاحلة.

منظر مدنكم يؤذي عيوننا. ليس فيها مكان هادئ لسماع حفيف الأوراق أو هفهفة أجنحة الفراشات. لكننا نفضل سماع تغريد البلابل وموسيقى الكون. يعزفها النسيم على سطح البحيرات.

نفضل استنشاق الهواء العذب بعد المطر. الهواء لدينا شئ مقدس، هو ملك لكل الكائنات. ملك للحيوان والأشجار والإنسان." إنتهى هنا الخطاب الرائع لزعيم الهنود الحمر.

تعاليم قدماء المصريين كانت تطلب النظافة والمحافظة على البيئة وتغالي فيها، إلى الدرجة التى جعلتهم يكتبون على جدار معابدهم وفى كتاب الموتى، إن المصري عليه وهو واقف يوم الحساب، أن ينفي أم الكبائر ويقول: " أنا لم ألوث النهر".

هذا منذ آلاف السنين. فهل هناك أمل فى إقناع الناس والمسئولين فى بلادنا بفوائد النظافة والحفاظ على البيئة، أم هي مسألة تربية وثقافة وأخلاق؟

مر رجل بعجوز يزرع فسيلة، فقال له: لماذا كل هذا الجهد وقد لا ترى ثمارها. فقال العجوز: "لقد أكلت من غرس غيري وها أنا أزرع لمن يأتي بعدي"

هكذا يجب أن تكون نظرتنا للبيئة من حولنا. بعيدا عن الجشع المادي والطمع. النظرة الضيقة التي تقول أنا وبعدي الطوفان، أو اليوم خمر وغد أمر، هى نظرة مدمرة. سوف ندفع ثمنها نحن وأولادنا وأحفادنا غاليا فيما بعد.

أذكر فى صباى حينما خرجت مدرستي عن بكرة أبيها، وكانت الثورة المصرية وليدة عهدها، لتشارك مع باقي مدارس القطر المصري فى مهرجان غرس الأشجار. احتفالا بعيد الشجرة، الأول والأخير فى مصر. للأسف لم يتكرر مثل هذا العيد الوحيد. وشغلنا عنه بغيره من الأعياد والعروض العسكرية.

كم أود أن نهتم بالبيئة من حولنا، ونظافة شوارعنا بعد نظافة قلوبنا وضمائرنا. كم أود أن يعود إلى بلادنا الحبيبة عيد الشجرة من جديد. حتى تتحول صحارينا إلى بساتين، وتتحول طرقاتنا وشوارعنا إلى جنات.

فالشجرة هى الرئة التى نتنفس بها الحياة. والأم الحنون التى نأكل من صدرها. هى أعظم مصنع، ولا تحتاج إلى تكنولوجيا العصر.

الشجرة تحمي الإنسان من لهيب الشمس وقسوة الريح وزحف الصحراء. الشجرة هى الأمل فى امتصاص ضجيج الطائرات وصخب المواصلات. الشجرة هى الرقة والوداعة والصبر والجمال. هل رأيت أجمل من شجرة وأبهى من زهورها وأرق من عبيرها.

كم أود أن نربي أولادنا على حب الحياة والطبيعة وعادة الزرع والغرس. كم أود أن يكون احتفالنا بمواليدنا بزرع الأشجار. وأن يكون توديعنا لأحبابنا بزرع الأشجار. وتكفيرنا عن ذنوبنا بزرع الأشجار.

إذا سأتك عن أجمل الكواكب في السماء، ستقول نجمة الصباح، كوكب الزهرة. افروديت، إلهة الحب والجمال. لكن، هل كوكب الزهرة حقا هو أجمل الكواكب؟ لا والله. أجمل الكواكب هي أمنا الأرض الحنون.

حقيقة لا مجازا، الأرض هي أمنا. كل ذرة في أجسامنا أتت من تراب الأرض. منها أتينا، وإليها سوف نعود. هي الآن تصرخ طالبة من أولادها المساعدة. فهل نهب لمساعدتها؟

هل نحميها من التلوث وشبح البيت الزجاجي القادم لا محالة، الذي سوف يقضي على الحياة، ويحولها إلى صحراء جرداء مثل باقي الكواكب؟

هنا أستعير كلمات أغنية فيروز وأهديها إلى أمنا الأرض:
"ألقاك فى نجمة الصباح – فى مبسم الزنبق الرطيب"
"فى زرقة البحر فى الأقاح – أمى وفى دمعة الغريب"
"والشمس تدنو من الغروب – كأنها وجهك الحبيب"