اكتشاف أربع مقامات

غير معروفة لبديع الزمان الهمذاني بلال الأرفه لي وموريس بومرانتز

نشرت مجلّة أرابيكا مؤخرًا مقالة ودراسة أكاديميّة للباحث بلال الأرفه لي (الجامعة الأميركيّة في بيروت) وموريس بومرانتز (جامعة نيويورك-أبو ظبي) تتضمّن تحقيقًا وترجمة لمقامة غير معروفة في الطبّ والصيدلة منسوبة لبديع الزمان الهمذاني موجودة ضمن ثاني أقدم مخطوط لمقامات الهمذاني الذي توفي عام 398/1008 (مخطوط جامعة يال، سالسبري 63). يشير الباحثان اللذان جمعا أكثر من أربعين مخطوطًا للهمذاني إلى أهمّيّة هذا المخطوط المنسوخ عام 603/1206 والذي كان في أيدي عددٍ من المستشرقين المرموقين أمثال الهولندي إفرارد شايدياس، والفرنسي سلفاستر دي ساسي، والأميركي إدوارد سالسبري، قبل أن ينتهي المخطوط عام 1870 في جامعة يال العريقة، دون أن ينتبه أحد من الدارسين إلى وجود هذه المقامة النادرة فيه. يحلّل الباحثان لغة النصّ ومضمونه وأسلوب كاتبه ليخلصا إلى أنّ كلّ شيء في المقامة يشير إلى الهمذاني مؤلّفًا، وأنّ النصّ أقدم من كثيرٍ من مقامات الهمذاني المنشورة في طبعة محمّد عبده والتي اعتمدت على مخطوطات متأخّرة.

في هذه المقامة الطبّيّة يقصّ راوي المقامات المعتاد "عيسى بن هشام" مغامرةً لطبيب/صيدليّ في مدينة الدونق مع رفقة من مدينة الأهواز. يستطيع الطبيب بعد تعداد ساحر مسجّع للعقاقير النادرة والأمراض التي تشفيها، وبمساعدة من ابنه، أن يخدع هذه الرفقة ويحصّل منهم رزقه. وكما هي العادة في مقامات الهمذاني الأخرى يكشف الراوي قناع أبي الفتح الإسكندري في نهاية المقامة. تكشف المقامة، إن صحّت نسبتها للهمذاني، معرفة الأديب اللامع بالتراث الطبّيّ وصناعة العقاقير، وليس هذا بالمستغرب كون العديد من المقامات يوظّف موضوعات علميّة صعبيّة كالنقد الأدبي والشعر والفلسفة وعلم الكلام.

والجدير بالذكر أنّ المقامات شكّلت موضوع دراسة لعدد كبير من الكتب والمقالات في حقل الدراسات العربيّة. ونظرًا إلى أنّ الهمذاني هو مبدع هذا الفنّ الذي أثّر تأثيرًا كبيرًا في الأدب العربي وآداب الشرق الأوسط عامّة لأكثر من ألف عام، فإنّ مقاماته تكتسب أهمّيّة خاصّة. فمن ناحية تأريخ الأدب، لا شكّ في أنّ مقامات الهمذاني من أهمّ الأعمال الشرق أوسطيّة على الإطلاق والتي لعبت دورًا بارزًا في الأدب العالميّ.

ويؤكّد الباحثان على أنّه بالرغم من أهمّيّة مقامات الهمذاني فإنّ أسئلة أساسيّة لمّا تسأل بعد تتعلّق بظروف تأليف النصّ وجمعه ونقله. فمنذ صدور طبعة محمّد عبده لمقامات الهمذاني عام 1889، ساد الاعتقاد أنّ محمّد عبده قد عدّل النصّ في مواضع قليلة ليتوافق هذا النصّ مع العرف الأخلاقيّ السائد في عصره. ولكنّ المخطوطات الأربعين التي جمعها الباحثان العاكفان على كتابة تاريخ لنصّ الهمذاني تثبت أنّ نصّ محمّد عبده ينتمي إلى فترة متأخّرة وأنّ المجموع قد تغيّر كثيرًا عبر الزمن من حيث عدد المقامات وعناوينها والشروح عليها وحتّى من حيث التراكيب والمفردات. ولهذا فإنّ الاعتماد على نصّ محمّد عبده يحرم الدارسين من تأويل النصّ تأويلاً قائمًا على أسس لغويّة متينة إضافة إلى حرمانهم من تقدير الثقافة الأدبيّة التي شكّلت هذا النصّ: كيف ألّف الهمذاني المقامات؟ كيف كانت تؤدّى في البلاط؟ كيف دوّنت ونُسخت وانتقلت من جيل إلى جيل؟ كيف كانت تدرّس في الكتاتيب والمدارس؟ كيف فُقد البعض منها وكيف وصلنا بعضها الآخر.
بالإضافة إلى هذه المقامة، اكتشف الباحثان ثلاث مقامات منسوبة للهمذاني أيضًا وموجودة في أكثر من عشر مخطوطات قديمة لنصّ الهمذاني تعود إلى فترات تاريخيّة مختلفة، ولكن على الرغم من ذلك يشكّك الباحثان، ولا يجزمان، بموثوقيّة نسبتها للهمذاني. يتعرّض الباحثان أيضًا في أبحاثهما العديدة عن مقامات بديع الزمان إلى أثر مقامات الحريري، مقلّد الهمذاني المشهور، في تشكيل مجموع مقامات الهمذاني وفنّ المقامات عامّة، ويشدّدان على تغيّر مدلول مصطلح "المقامة" عبر الزمن، وأنّ الاختلاف في دلالات هذا المصلح بين الجامعين الأوائل لمقامات الهمذاني وبين الدارسين المحدثين يقف شاهدًا على صعوبة فصل الدراسة الفلولوجيّة للنصوص عن القضاية الأدبيّة.