جدليةُ النسيانِ

والذكرى في شعر مهدي النفري .. مرايا شعرية (١)

، بقلم وديع العبيدي

” تلك أسئلةٌ دوّنتْها الأحذيةُ والشوارعُ ”

جدليةُ النسيانِ والذكرى في شعر مهدي النفري ..

وأبعادُها الفلسفيةُ والاجتماعيةُ

القسم الأول: مدخل عام..

النسيان بحر، والذكريات أسماك. الموت أصل، والحياة إستثناء. الظلام مساحة، والنور نقطة. الموتى واقفون، والأحياء ظلال. الكلمات أنغام، والبشر أصداء. الرحم هزيمة، والولادة برعم. الأوراق سديم، والكلمة نطفة. العالم مواجهة، والشاعر مطلوب إثبات براءته. الحياة غابة ، والأسئلة أشجار. أسئلة تتناسل بلا أجوبة، وأجوبة تتناسل بلا إقناع . تبدأ القصيدة لدى مهدي النفري سؤال. السؤال هو مفتاح تعاطيه مع العالم. سؤال استفزازي استنكاري يحمل في طياته من الاحتجاج والتمرد والرفض أكثر من شيء آخر. وعلى مرايا أسئلة الشاعر يتكشف افتقاد الانسجام بين الذات والعالم. تشكل الفلسفة لبنة أساس في تجربة الشاعر والانسان، على قدر تماهي الحدود بينهما. وتنعكس هذه الثيمة منذ نقطة المبادرة واللقاء الأول مع الأشياء، مما يمنح المرء صفة (المتأمل) المراقب المتردد وليس المبادر المهاجم المقتحم. بعبارة أدق، أن الشعر يولد هنا داخل الفلسفة، والحياة تصور عبر منظور فلسفي. فتسم لغة النفري بالهدوء. انسياق اللغة وانسياب الصور بهدوء. أحكامه ليست مفاجئة رغم صدمها القارئ (أحياناً)، لكنها داخل النص، أو بمنظور الشاعر، تمثل إستنتاجات قديمة يتم كشف النقاب عنها في الراهن.

الركيزة الثانية في تجربة النفري هي الذات. تمثل الذات هنا مركز الكينونة، قطب المعرفة، وكل شيء يجري أو يذكر عبر منظارها. المعادلة بين الذات والعالم أو الانسان والطبيعة ليست متكافئة أو متعادلة، إلا عبر ذوبان أحدهما في الآخر واختزال أحد طرفيها، وقد دأبت مذاهب معينة على ذوبان الجزء في الكل، وانحياز الذرة للجزيئة، والذي زاد بالتالي من عبودية الكائن لأسار الكليّة. بينما كان ثمة إتجاه فنطازي أكثر طوباوية حين اندفع للمضاهاة، مساوياً بينه وبين المطلق عبر مستويات من الرؤى الميتافيزيقية لما بعد الشعور والفكر(في التصوف الروحاني). ان الذوبان يحقق بحدّ ذاته نظرية وحدة الوجود، بيد أن ثمة من يفترض أن الذوبان لا يعني التلاشي والانعدام في الآخر، وانما التماهي معه والاطلالة عبر أحد وجوهه. وهنا تتلاشى الحدود بين الذرة والجزيئة، والذات الفردية والذات الكلية، ويتحدث أحدهما، الشاعر، بصفة الكلي. الذي يرى، الذي يعلم، الذي يشعر ويتعذب. لكن ما يجري في شعر النفري هو حالة معاكسة تماماً. فهنا، وفق مرجعية تجربة، أو رؤية معينة، يتم اختزال الكلي في الفرد، وإعادة انتاج العام من خلال الخاص . هذا يمنح الذات سمات جديدة يجعلها تترفع عن حدودها الضيقة وملامسة التجربة الانسانية بمديات أوسع وأعمق. كما أنه يجعل (الآخر/ الشمولي) في متناول الشاعر ومدى قدراته. وتختلف حالة اختزال الكلي في الجزئي عن ذوبان الجزء في الكل ببقاء مسافة / فاصلة بين الاثنين وليس التماهي والتناهي والاختفاء حسب قول الحلاج [أنا من أهوى ومن أهوى أنا]. هذه المسافة فسحة للخلاف ومبرر للمعاناة واجترار الألم السيزيفي وليس السعادة المطلقة أو الفردوس الروحي في الحالة المعاكسة.

الركيزة الثالثة متعلقة بالزمن وهي إحدى إشكاليات المطلق. الزمن ليس سوى أحد مخترعات العقل البشري وهو معيار نفسي لقياس حركة الحياة وتعاقب الليل والنهار ورصد السبق والقدمية والتابعية. تتمثل دالة الزمن عبر منظور الشاعر المتقدم للأشياء. وهيمنة الزمن الماضي على العلاقة مع العالم. في قصيدة الشاعر مهدي النفري يبدو كل شيء قد تم قبل الآن. وإلا.. كيف يتاح له أن يسأل.. لماذا. كما أن هذا يبرر شعور النفري العام بالخيبة وسمة السوداوية والتشاؤم التي تسم رؤيته للأشياء. ان التجوال في بساتين قصائده تمنح شعور التجوال في مدينة قديمة أو ألبوم صور مشخصة. كل شيء فيها ذكرى لها نكهة ودلالة خاصة. وظيفة الشاعر إضافة نكهته الخاصة عليها وهو يقدمها لنا.

كم من وجع يحمل هذا الليل؟
كأن الريح لم تعد سوى …..ذكرى

ضرورة الاستدراك تستدعي، أن المرارة المترسبة من الأشياء القديمة - الذكريات- انما أشدّ من ألم الأشياء الطازجة. وهنا يقتضي التمييز بين [المرارة] و (الألم). الألم إحساس فيزياوي (عضوي) طارئ يتلاشى مع الزمن ويمكن اعتياده عبر التكرار. أما الـ[المرارة] فشعور نفسي عميق في أصقاع الوعي الباطن لا يمكن إزالته والانتصار عليه، وطول القدم يزيد من وطأته ويمنحه صفة التأبّد. و(مرارة) الفقدان أشدّ من (ألم) الفقدان مثلاً. ولذلك يستخدم الشاعر مفردة (وَجَع) ومدلولها يختلف عن (الألم) الفيزياوي. وجاء هذا الألم محمولاً على أكتاف الليل الذي يزيد هبوب الريح من تموجاته وتقلصاته مثل أمواج البحر أو كثبان الصحراء الرملية. راسماً صورة ، تذكر بوصف الملك الضليل [المتوفي 565 م] لليل ، [وأردف أعجازاً وناء بكلكلِ]. في الحقيقة من الصعوبة هنا الادراك، إذا كان الليل هو الذي ينوء بوجع المفاصل والفقرات جراء [مسيره] الطويل اللانهائي. لقد أراد كلا الشاعرين الاشارة إلى طوله وسعته، فاستخدم أمرؤ القيس (التشخيص) الصّوري أو [الشخصنة] مانحاً الليل صفة (الكائن الحي)، بينما تجاوز مهدي النفري ذلك ليضفي عليه صفة الحسّ والشعور والتوجع. وهو ما يمكن التعبير عنه بـ[الأنسنة] Humanism الذي يتجاوز البعد المورفولوجي للكائن إلى البعد السيكولوجي [Psychologie]. وتقتضي الإشارة هنا إلى عدم تمييز البعض بين الشخصنة والأنسنة ، وكلاهما من معطيات الثقافة الأوربية. اقترن الأول بمايكل أنجلو عندما قدم أعمالاً تمثل أشخاصاً عاديين بعد أن كان الفن السابق مقتصراً على الأغراض الكنسية. فالغاية من مصطلح (Humanism) الأوربي هي تمييز التعبير الفني بين الحياة (الدنيوية) عن الحياة (الميتافيزيقية) . بما مثّله ذلك من تحرير للفن وإطلاق المخيلة. في هذه الحالة، نجد أن امرؤ القيس قدّم حالة مبكرة جداً للشخصنة من نظيرها الأوربي عندما رسم الليل [لغوياً] في صورة جسد البشري أو الحيواني [تمطّى بصلبه وأردف أعجازاً وناء بكلكلِ] أي تمدد مسترخياً مبعداً ما بين قائمتيه (العجز) ومنطقة الصدر. بيد أن شخصنة أمرئ القيس لا تخرج عن مفهوم المنطق الصوري (الأرسطي) القديم الذي كان يحتكم إلى ظاهر الشيء دون استقصاء أو استقراء. وإذا أردنا مقابلة امرئ القيس مع انجلو، فلا بدّ من وضع أبي نؤاس مقابل ليوناردو دافنشي في لوحة (موناليزا) ذات الايحاءات النفسية، عندما وصف الخمرة بخصائص روحية وقدرات غير عادية [صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها/ إن مسّها حجرٌ مسّته ضرّاءُ]. فاختار الحجر وهو( جماد) لا يصمد أمام قوتها بينما جعل (الأحزان) تنفر من ساحتها، كناية عن حالة النشوة التي تتقمص الشارب. وهو ما يمثل مرحلة تالية للتصوير أو الشخصنة، للأبعاد الحسية والنفسية كما تتضح لدى النفري. فجاءت، مفردة (ذكرى)، بعد فاصلة نقطية للإحالة على صفة [الماضي] البعيد. فإذا كانت الريح مجرد ذكرى، وهي ترسم جسد الليل، فماذا يكون الليل!.

أمسِ أُغلقتِ الأبوابُ على قصائدِنا واليومَ
لم يبقَ لنا غيرُ …..
فعلامَ أيتها الذكرى تأنّين؟

*
إشارة جديرة بالذكر..

لا بدّ من التنويه إلى كون -الشاعر مهدي النفري- يمثل ظاهرة فرضت نفسها في الثقافة العراقية والعربية والمهجرية، والمقصود الجيل الأدبي الذي ولد في المهجر مستفيداً من الخصائص الذاتية والثقافية للبيئة الغربية دون أن يقع تحت تأثيرات وأعراض تابوات البيئة الشرقية وخطابها البلاغي. وهو أمر ينبغي استيعابه بموضوعية تتجنب المغالاة والتطرف. مع الأخذ بنظر الاعتبار اختلاف الخصائص الذاتية والموضوعية للثقافتين الممثلتين لبيئتين متفاوتتين متغايرتين في قيمهما الفوقية وبناهما التحتية. وحسب أدونيس ، أن ظروف التلاقح الثقافي عبر ثقافة المهاجر الأولى والثقافة الجديدة تكون عجينة مختلطة لثقافة مشتركة، أو ثقافة مختلفة جديدة، وبطريقة قريبة من دخول الأدب الفارسي والهندي والعبري في الثقافة العربية أيام العباسيين وظهور بوادر التجديد والتنوع في الثقافة العربية. وهذا يجعل آفاقاً مفتوحة لأدب المهاجرين على اختلاف المهاجر. لقد كان للثقافة والفكر الأوربي انعكاس واضح على الثقافة والحياة الانسانية في القرنين الأخيرين، وفي حين يلجأ كثير من الأدباء والكتاب للاقتباس والتضمين والمحاكاة من المنتج الغربي، تأتي قصيدة النفري سلسة طيعة هادئة خالية من الإحالات التاريخية أو الاسطورية أو السياسية. فالقصيدة في هذه الحال تمرّ بمرحلتين: مرحلة الاحتراق والغليان الداخلي قبل الكتابة، مرحلة التعبير وتشكيل النص الأدبي. بالمقارنة، يولد النص الأدبي الشرقي على الورقة ويتشكل خلال الكتابة معتمداً على قوة الشحنة العاطفية أو الزخم النفسي والمدى المعرفي. بينما يبدو الايقاع/ العاطفي مغيباً في النص الغربي لصالح الخطاب الفكري، وإلى حدّ منظور، دون التخلي عن العمق النفسي والذاكراتي. مرجعية الفكر والذاكرة تختلف عن مرجعية الانفعال والعاطفة. ان عدد الذين يكتبون بلغاتهم الجديدة من أبناء هذا الاتجاه في تزايد، وبعضهم صدرت له أعمال باللغة الجديدة قبل أن يصدر عملاً بالعربية مثل الشاعر موفق السواد في هولنده على سبيل المثال. وعلى غرار نظيره ومواطنه يكتب النفري باللغة الهولندية ويترجم منها وإليها، ولكنه لا يقطع الصلة مع لغته الأم. وهنا تبرز صورة العلاقة بين اللغة والبنيوية الثقافية. فاللغة العربية في نصوص النفري تفاعلت مع أرضية ثقافية ثانية، فاكتسبت ملامح وخصائص تعبيرية واسلوبية جديدة. ذلك ما يصطلح عليه البعض بالشعر المترجم. وقد يتهم البعض نصوص قصيدة النثر أو الطرائق الحديثة في الكتابة، بأنها مكتوبة لتكون أسهل في الترجمة للغات الغربية. أن غير قليل من المهاجرين غير عاجزين عن الكتابة المباشرة باللغة الثانية، وقد تحولت إقامتهم فيها إلى دائمية . والمفروض إزاء ذلك، الثناء والتقدير لاستمرار المهاجرين وتواصل نتاجاتهم باللغة الأم، رغم الصعوبات التي تواجه النشر العربي.

الخصائص النفسية والاسلوبية لقصيدة النفري

الهدوء، العمق. التدفق والانسياب. تفوق الفكرة على العاطفة. تعاطي الراهن وحميمية التداول. تداخل الذاتي والموضوعي.

ان قصيدة النفري بالمقارنة تختلف عن قصيدة موفق السواد وهما متقاربان ومتشابهان بقواسم كثيرة، ولكن نص السواد أقرب للنص الغربي منه للنص العربي، بينما تمثل نصوص النفري حالة متوسطة بين الغربي والشرقي. أن النفري أكثر انشغالاً أو اشتغالاً بالثيمة العراقية والعربية في خلفيات النص، وأبعاده النفسية. هذه الممازجة بين الشرق والغرب استولدت ملامح نفسية اسلوبية وفنية مميزة يمكن اعتبارها تطوراً في حركة القصيدة العربية ، ويمكن رصد نماذج متزايدة في هذا الاتجاه من بلدان عربية أخرى مثل طه وياسين عدنان من المغرب المقيمين في هولنده، وعماد فؤاد من مصر، والمقيم في بلجيكا، والسورية جاكلين سلام وفادي سعد المقيمين في أميركا، وغيرهم مما يقتضي التأشير والرصد.

الإطار الفلسفي لفكرة (النسيان)..

تبقى قصيدة مهدي النفري (كمن يصطاد النسيان بالذكرى) حافلة بالعمق المعرفي الفكري والنفساني بالإضافة للغنى الدلالي والشعري، في محاولة لترجمة إرهاصاته الوجودية والاجتماعية، ليس من مبدأ الاحتجاج، ولكن من أجل إسلوب واقعي جديد ومنطق مختلف في مبادرة الراهن. ان فكرة (النسيان) واحدة من أكثر الهواجس تردداً في نصوص الكتاب والشعراء ليس لجاذبيتها وسحرها، وانما لما تشكله وتفرزه من عذاب ومكابدات فكرية ونفسية، سواء بحكم الانفصام عن المكان الأول، أو التقدم في السنّ وقوة حضور الماضي بالاتجاه المعاكس، والأكثر منه لتردي مناسيب الحياة وتلوث هواء الكرة الأرضية يوماً أثر يوم. الكتابة بحدّ ذاتها ليست سوى عملية تفريغ ذاكراتي في أحد تعريفاتها. وهو ما دفع الكاتبة التشيلية ايزابيل الليندي للقول عندما سئلت لماذا تكتب؟.. فقالت: لولا الكتابة لكنت الآن في مستشفى المجانين!. ان أنماط الواقع مع مضيها تصغط على قشرة الدماغ والأحاسيس وتتحول إلى سجن، يبحث المرء عن مخرج منه بالكلام أو الكتابة والرسم أو الهروب بالكحول والعبث والفوضى لاصطياد النسيان. واستطلاع سريع في عينة من النصوص الأدبية، نجد محمود درويش في مقطع من قصيدته المعنونة (لوركا) يقول:

نسي النسيان أن يمشي على ضوء دمك
فاكتست بالدم أزهار القمر.

فيما تتساءل الروائية كوليت خوري: لماذا لا يخترعون دواء للنسيان؟.. بينما يرى جبران خليل جبران في النسيان وسيلة للتحرير من الألم، وهو يلتقي في ذلك مع أوائل الوجوديين العرب كالرازي وابن الراوندي الذين اعتبروا النسيان هو الأصل /(الطبع) والتذكر طارئاً. فكرة النسيان لم توجد مجردة وانما في معادلة طرفها الآخر هو التذكر. وهي إحدى مسائل الجدل المثنوية التي شغل بها المفكرون والفلاسفة منذ وقت مبكر، على اعتبار أن كل شيء في الوجود ينطوي على وجهين أو حالتين، ترتبطان بآصرة التضادّ أو التكامل. ومن أمثلة ذلك، الليل والنهار، النوم واليقظة، الحقيقة والوهم، الواقع والحلم، الباطن والظاهر، الروح والجسد، اللغة والاسلوب، اللفظ والمعنى، الصدق والكذب، المادة والروح، الذات والموضوع، العقل والقلب، الانثى والذكر، الحب والكره، السعادة والشقاء، الفردوس والجحيم، الماء واليابسة، إلى غير ذلك. وتتعاشق فكرة النسيان والتذكر في ثلاثة اتجاهات رئيسية: الحياة والحبّ ، السعادة والشقاء، العقل والوجود. يقول ميلان كونديرا : بما أن تفاهة كل شيء هي قدرنا، فلابد أن نعرف كيف نستمتع بها!. فهو يعتبر (المتعة) مخرجاً من الشعور بالتفاهة أو (العبث واللاجدوى)، بنفس المفهوم الذي ذهب إليه معروف الرصافي في تأويل الخمر (لتعطيل العقل) وإراحته من دوامة التفكير اليومي. فالخمرة تبعث النشوة، وتساعد على الخروج من الواقع مدة معينة. وهو ما تصطلح عليه كوليت خوري بالسعادة الحقيقية / معتبرة أنها تغلل النفوس بالصمت، وتشعر الانسان باللا نهاية.. وبالعدم في آن.. ففيها يختلط الموت بالحياة.. وتسمو النفس عن عالم الوجود.. وتصبح أكبر من أن تفرق بين الموت والحياة . فإذا أمعنا النظر في طروحات كونديرا والرصافي والخوري نجد أن القاسم المشترك لها هو النسيان، الخروج من حال إلى حال ثانية تلغي الأولى، إن لم يكن كلياً فمؤقتاً. ومهما يكن، فثمة منظور اجتماعي لفكرة (التذكر) أكثر تفاؤلاً، دون أن تستغرق في تأويلات الفلسفة. يقول الشاعر روني: صوّر حياتك، أن تفقدها ذات يوم، ستبقى لك على الأقل نسخة!. وفي كلمة للألماني ريلكه: حتى لو كنت في سجن تخنق جدرانه كل ضجيج العالم، تبقى لك دائماً طفولتك الثمينة، هذا الغنى الملكي، هذا الكنز من الذكريات والانطباعات التي سالت على ضفافها. ومرة أخرى، تقول الكاتبة كوليت خوري: أنا أتذكر كل شيء.. كل شيء.. ما عداك.. فأنت في أعماقي!.. ان الذكرى والتذكر هي صورة النوستالجيا التي تحاصر المهاجر المحروم من ماضيه ومواطن صباه، وهي أشياء جميلة كثيرة، ولا تخلو من مرارة.

في ضوء ذلك، ليس من الصعب الوقوف أو التعرف على طبيعة الإشكالية التي تحاصر الشاعر وجودياً أو اجتماعياً وسياسياً وتجعله يراود النسيان أو [ يحاول اصطياد النسيان بالذكرى] حسب مطلع القصيدة، ما يتكشف عبر قراءة النص. وقد أمكن رصد تكرار مشتقات ومرادفات [ذكرى وتذكر ونسيان] في مواقع عدة من نصوصه، مثل:

ليس لي
أن أندثر
أو أسقط سهواً خارج الذكرى
- .. وجع
يشدنا
دائما
إلى شوارعنا الفارغة
إلى الرأس
النائم
في الذكرى …….. قصيدة (ليس لي)
 
*
 
- قل لهم إن الضوء لا يكتب تذكاراته إلا على الماء
- .. الأماكن الثكلى بالخراب
بخرائب الأحياء والأموات
المزروعة بالنسيان
وحبر الحكايات الجاف ……………… قصيدة (حديث مع أبي رقراق)
 
*
 
- ثمة عاشق ينتظر
أن يسقط المطر
أن تعود حبيبته
مع المواعيد .. المنسية
أن تنهض ذاكرته
من سباتها…………………… نص (المطر)
 
*
 
- لا تستغرب إذا لم يحضر أحد ليرثيك
ولا تأخذك الدهشة
حين لا يترك أحد مرثية لك
في دفتر الذكرى……………… السفر الثالث من قصيدة (أسفار)

الملفت هنا؛ ان إشكالية مهدي النفري ليست النسيان، وإنما (التذكر)، فهو تارة يخشى أن [يسقط سهواً خارج الذكرى] ومرة يجد نفسه مشدوداً [إلى الرأس النائم في الذكرى]، تارة يعاني من [خرائب الأحياء والأموات المزروعة بالنسيان]، وأخرى يجد صعوبة في انتظار حبيبته لأن [ذاكرته لا تنهض من سباتها]. هذه المظاهر والمعاناة النفسية والفكرية، ترجمة لحالة القلق والانفصام التي يحسّها الشاعر، ليس لانشطاره بين مكانين [حميم مفقود، وموجود منقطع]، وانما بعجزه عن السيطرة على ذاكرته المتهيجة والمتشظية باتجاهات شتى، فهو إذ يشكو من وطأة التذكر تارة ، يخشى السقوط في حماة التذكر، وفي مرة أخرى يحتاج التذكر للتعرف إلى وجه حبيبته التي تأتي. واضح أن الشاعر ينتقل بين مستويين من التذكر ، وهما المعروفان علمياً : التذكر البعيد أو الماضي[Long Term Memory] ، والتذكر القريب والآني [Short Term Memory] مما يشخص أحد مستويات التشظي الذهني والنفسي. في عبارة [خرائب الأحياء والأموات المزروعة بالنسيان]، صفة الزرع تمنح (النسيان) سمة النشوء الطبيعي، أو( كؤون لا بدّ منه). وهو ينسجم مع المفهوم السائد عرفياً أو دينياً على الصفة أو القوة (الخارقية) للنسيان ، والتي تدهم الكائن البشري حيثما كان. وبنية العبارة تضمنت مساواة الأحياء والأموات في صفة (الخراب)، كأثر لاحق للطوفان والخطيئة بالتراتب الزمني. وفي هذه المساواة إحالة على النص الانجيلي [دعوا الموتى يدفنون موتاهم]/ (لوقا: 9، 60). لكن حالة التشظي والانشطار تفرز بالمقابل بعداً جديداً في التعامل مع الظاهرة (النسيان)، وهو ما يتضح أكثر في صيغة العنوان ومباشرة القصيدة، في محاولة لتحويل الـ(نسيان) إلى فعل [إرادوي]، وإخضاعه لقدراته الذاتية. فالشاعر ينوء تحت وطأة (تذكرات) يبحث عن مهرب منها، ويفتقد (تذكرات) تلزمه لمواصلة الحياة. فرؤية الشاعر للنسيان لا تقف عند كونه صفة مفروضة أو [نقص مخلوق في الكائن] وانما ظاهرة أو حالة يمكن السيطرة عليها لمقتضيات الحاجة الانسانية. وتبقى [جدلية النسيان والتذكر] هاجساً رئيساً في تجربة الشاعر مهدي النفري.

القسم الثاني: معمار القصيدة

العنوان

تأمل بنية العنوان يكشف الصعوبة التي توغل بها الشاعر في برية القصيدة. كان من الممكن القول (يصطاد النسيان بالذكرى) أو (إصطياد النسيان بالذكرى) أو (بالذكرى يصطاد النسيان) إذا كان يتجنب العناوين المباشرة ويرغب الاستهلال بحرف جر. فالكاف حرف، ولكنها في محل (إسم)، وبعدها (مَنْ) غير الشرطية في محلّ (إسم موصول)، ومعنى الأحرف الثلاثة السابقة تترجم في كلمتين (مثل - الذي) . كلمة (مثل) تفيد التشبيه، وهو ما تفعله الكاف هنا. إن الفرق بين صيغة العنوان في القصيدة ، والصيغة المقترحة في هذه السطور ، يعبّر عن المسافة التي وضعها الشاعر بين الذات والموضوع. فهو لا يصطاد النسيان بالذكرى، [ولكنه.. يبدو] مثل الذي يصطاد النسيان بالذكرى. هو ليس هو، وانما يبدو مثله. فقد تخلّص من صفة المباشرة في العنوان من جهة، وابتعد عن بنية الجملة الجاهزة، إسمية أو فعلية، نحو عنوان يستوقف القارئ للتأمل.

الظاهرة الثانية ، هو المفارقة التي يقوم عليها العنوان. فالنسيان والذكرى، قطبان متضادان، كالليل والنهار، لا يوجد أحدهما إلا على حساب الآخر، وفي حال غيابه. فلا يمكن من الناحية العملية تذكر النسيان . النسيان حالة من حالات الطبيعة لا توجد فيها ذات أو شعور أو حركة أو صوت أو صورة، والتذكر، حالة استحضار شعوري أو ذهني بإحدى الحواس الخمس أو الستّ. وبالتالي، ثمة حالة تفريغ من المعنى في جملة العنوان. وهنا يتجسّد الأسى، ثمة حالة سخرية ذاتية مدقعة، حالة تقترب من التجريح، تعبير عن الخيبة والإحباط. أنه يريد أن يقول، هذا محال، خارج المقدرة. أنه، في أفضل الأحوال، تعبير عن أمنية. وعلى غرار أمنية الشاعر القديم : [كفى بك داء أن ترى الموتَ شافيا—- وحسبُ المنايا أن يكنَّ أمانيا] ، يتحول النسيان لدى النفري، إلى أمنية، أمنية صعبة المنال، أصعب من الموت!.

بنى الشاعر القصيدة على عدة مستويات أو طوابق. وجعل لكل منها مقطعاً، يتصل إلى تسعة مقاطع. وجاء المقطعان الأوليان أطول من غيرهما، بينما تتابعت المقاطع التالية في أوقات لاحقة على صورة تداعيات [Association]، منتهية في تشكيل بانوراما دائرية لصورة الاستحالة.
*
المقطع الأول

كمن يحاول أن يصطاد
النسيان
بالذكرى
يهرب إلى الليل
ليزرع بقاياه
هل بقي شيء ؟
تلك أسئلة دوّنتها الأحذية والشوارع
شوارع تدور بنا كسحب لا تغسلُ إلا خطايا الأمس
هنا لا أحد يناديك
أنت ضحية هذه الكلمات
الكلمة الجالسة داخلك وترفض أن تخرج
أي مكان ذلك الذي باعه أهله للطوفان؟
هل فات الأوان عليك أيها الإنسان أن تتذكر أنك مررت من داخل هذه المرآة؟
هزيمة تلوحُ بها
لنهارات الغد
لنهار اُحرق فيه الوطن والإنسان
هزيمة دوّنت اسمها في أرحام أمهاتنا
صارت منا
إنسان.

..
بدء، ترتبط الجملة الأولى في القصيدة بجملة العنوان، من خلال التكرار، وهي صيغة شائعة في العنونة. بيد.. وتعقيباً على ما سبق، يضيف الشاعر مفردة أخرى في الجملة لزيادة المسافة وتوتير حالة الشكّ لدى المتلقي، حول إمكانية تحقق النسيان. حيث يلجأ لإضافة مفردة (يحاول) بعد (مثل - الذي) فتكونت [تشبيه – توصيل - محاولة] قبل الجملة الفعلية [يصطاد النسيان]، وهنا تنتج صيغة جديدة للعنوان أو جملة مفادها [محاولة اصطياد النسيان].
(النسيان) حالة من حالات انتفاء الحواس، وبالتالي غير القابلة للامساك أو الاصطياد أو حتى المحاولة. لكن الشاعر يبدأ في تأسيس معادلات [محاولات]. فيمنح النسيان ثيمة الليل، والليل يتميز بالرؤية (حاسة البصر). [يهرب إلى الليل/ ليزرع بقاياه/ هل بقي شيء؟] سؤال مغلق مثل الليل الذي تنعدم فيه الرؤية. أنه لا يجد بقاياه التي يبحث عنها، وكأنه يبغي القول، أن النسيان، حسب توصيف ريلكه، [طفولتك الثمينة، هذا الغنى الملكي، هذا الكنز من الذكريات والانطباعات التي سالت على ضفافها]، سلبه أشياء الطفولة الثمينة وذكرياته وانطباعاته وتصاوير أصدقائه الذي سنلتقي أحدهم في آخر مقاطع القصيدة، وبصورة شبه عابرة. لماذا؟.. [تلك أسئلة دونتها الأحذية والشوارع]. حيث ترتبط صورة الليل بالشوارع، والشوارع بالأحذية ، ثم يتلاشى كل شيء. وتتبقى أسئلة. ثمة بيت شعري شعبي عراقي شائع يقول : [قبر الما تدوسه الناس/ عيب يدوسه دفّانه!]. بعد اقتران النسيان بالليل، والليل بالشوارع المظلمة، يمكن تشبيه الشارع المعتم بظلمة القبر، كلاهما بحاجة لمن يدوسه. أية قيمة مرجوة لشارع لا تدوسه الأحذية. والأحذية في ذاكرة قصيدة النسيان، هي أحذية أطفال المدارس وزملاء طفولة الشاعر . فالشاعر هنا يرفض أن يلعب دور الدفان في مسيرة شوارع انقطعت عنها أو لم تلحق تدوسها أحذية زملائه ورفقته. وتستمرّ تداعيات القصيدة بالنمو، لتتحول الشوارع إلى [سحب لا تغسل غير خطايا الأمس]. جدلية المطلق والوجود الراسخة في لا وعي القصيدة، نفسها رفعت قطعة من الأرض تدوسها الأحذية إلى مثابة [سحب] محلقة. هذه الصورة تؤكد الربط السابق بين الشوارع والقبر، حيث ترتفع ، مفارقة الروح الجسد ، مرتفعة إلى الأعلى. الشوارع الغبارية تأخذ صورة سحابة. بنية المفارقة اللغوية التي في العنوان، تأخذ هنا صيغة أخرى. فكل من [لا - غير] تفيدان النفي، سبقت الأولى الفعل ونفته، وسبقت الثانية الإسم ونفته، ونفي النفي إثبات كما تقول العلوم الرياضية والماركسية. وبالتالي تكون الجملة [سحب تغسل خطايا الأمس]. لا يختار مهدي النفري (المستقيم) باعتباره أقصر الطرق المؤدية إلى (المعنى)، وانما يشبعه بالمراوغة والمفاجأة، التي قد لا تجد القارئ الصبور لمتابعتها بالورقة والقلم.

[هنا لا أحد يناديك] ، لا زال المقصود هو الشارع، التحول من حالة انعدام الحواس (النسيان) إلى حاسة البصر (الليل)، إلى حاسة السمع (النداء). وكما ارتفع الشارع/ المكان إلى الهواء / السحب، لم يعد إلى مكانه، وانما اندفع بفعل [ريح صرصر عاتية] وأسقط في مكان بعيد، بعيد عن ملاعب الطفولة والصبا والشباب وكل شيء له علاقة بالماضي المحفور بالنسيان. [هنا لا أحد يناديك / أنت ضحية هذه الكلمات / الكلمة الجالسة داخلك وترفض أن تخرج]. مجموعة شعرية للشاعر باسم فرات صدرت باللغة الانجليزية في بلد إقامته (نيوزيلنده) حملت عنواناً مباشراً [هنا وهناك]، وحمل الغلاف صورة مركبة، تتكشف عن منائر كربلاء مدينة طفولته البعيدة، وعمارات المدينة الجديدة القاطن فيها. ثمة مكانين على قماشة لوحة واحدة، تفصل بينهما آلاف الأميال. تمتدّ عليها حياة إنسان لا تتوقف عن التشظي والتبعثر. باسم فرات ترك نيوزيلنده إلى هيروشيما ليؤسس لمجموعة جديدة تجمع بين انفجارات التحرير العراقي (2003) ومذابح كربلاءاتها وانفجارات أول قنبلة ذرية اختبرها العقل الأمريكي على أرض الواقع (1945) . مهدي النفري حقق هذه النقلة الجغرافية عبر ثقب صغير في عصب الذاكرة، لينتقل دون تنبيه القارئ من شوارع السماوة إلى شوارع هولنده التي (لا) يناديه فيها أحد ، يتجول في شوارعها الليلية مختنقاً بالكلمات، كلماته الساكنة داخله وترفض أن تخرج. ولكي يبدو رابطاً جأشه أمام القارئ، يتحدث مع نفسه قائلاً بسخرية لا تخلو من اعتداد: (أنت ضحية هذه الكلمات)!. ويقصد طبعاً: هل أنت ضحية هذه الكلمات؟.. لماذا أنت ضحية هذه الكلمات؟.. أنها مجرد (كلمات) لا غير، لا تستحق منك كل هذا الاحتراق. بدلاً من إضافة حرف هنا وضمير هناك لجأ الشاعر إلى اختزال صيغة الاستفهام من الجملة، ليوفر درجة هادئة من القرع، على طريقة المعالجين الفيزيائيين في علاج الأعصاب. دندنات هادئة وطرقات خفيفة تكون سمفونية تخدير المريض. ولكي لا يحبط القارئ طويلاً، يخرج الشاعر صيغة الاستفهام من جيبه: [أي مكان ذلك الذي باعه أهله للطوفان]؟.. وهنا يكشف النقاب عن هيولي (الكلمات) في الجملة السابقة ليقول أنها (أسئلة). نفس الأسئلة التي تدونها الأحذية على الشوارع. والطوفان يمثل حالة انسجام تام مع فكرة (المطر) ممثلة في السحب الواردة من قبل . أي أن الشوارع التي ارتفعت إلى سحب، عادت هاطلة على الأرض مكتسحة المدينة بطوفان، هرب إزاءه أهل المدينة إذا تسنى لهم ذلك. الطوفان تخدم كذلك فكرة [الغسل/ المسح/ التطهير/ التعميم]. على أنه لا يخفى التقريع الذاتي النفسي الباطني للجملة في القول: [باعه أهله!] والإحالة هنا على الهجرة، وترك البلاد تغرق في طوفان الغزو.

[هل فات الأوان عليك أيها الإنسان أن تتذكر أنك مررت من داخل هذه المرآة؟]..
تتخذ هذه الجملة الاستفهامية أهمية بالغة في تعاقبها بعد جملة (الطوفان). قد تبدو فكرة المرور عبر المرآة معنى مبنياً على مفارقة لا تخلو من السخرية، قد يكون معناها المباشر، هل رأيت نفسك في المرآة؟.. أو هل نظرت إلى نفسك وحالك؟.. تحمل المرآة دلالة الغيب (المستقبل المجهول)، وقد تمثل الذاكرة أو العقل أو شيئاً أكثر خصوصية لدى الشاعر . أهمية هذه الجملة يكمن في مبناها اللغوي والاستفهامي المتناص مع النص القرآني القائل في صيغة سؤال : [هل جاء على الانسان حينٌ من الدهر لم يكنْ شيئاً مذكوراً]؟.. ثمة حقيقة تقتضي التأمل والتفكر عن الماهية والوجود والواقع. فكرة الطوفان مثل الليل تنويع على مفردة (النسيان)= اللا شيء. اللا شيء هو النقطة المشتركة ، والأثر المتبقي من الثلاثة. وعبارة [لم يكن شيئاً مذكوراً] تجسيد لهذا المعنى غير المباشر داخل النص.

يعود الشاعر في هذه الجملة وبشكل تعاقبي مع الجملة الأسبق، متسائلاً عن مكاسبه من كل ذلك، [هزيمة تلوح بها لنهارات الغد] وللنهار هنا دلالة معكوسة معطوفة على مفردة (الليل) السابقة، تعبيراً عن (احتراق الوطن والانسان). المدينة والذكريات، الشارع والأحذية. يلحظ حركة نمو القصيدة الداخلية والمزدوجة عبر تداعيات متلاحقة لا تكفّ عن التشظي. وبعد أن بدأ المقطع / القصيدة بفكرة المطلق (النسيان)، ينتهي إلى حالة مقابلة في طرف الوجود، ينسجها من وحي الطوفان والهزيمة والكلمات التي كان ضحيتها. فإذا كانت الهزيمة كلمة [هزيمة دوّنت اسمها في أرحام أمهاتنا / صارت منا /إنسان.]، هذه الكلمة تحولت إلى إنسان ، والتي تحاكي بنية الجملة الرابعة عشرة من السفر الأول من انجيل يوحنا : [الكلمة صار بشراً، وعاش بيننا.]. في إشارة غير مباشرة إلى دورة البشرية وإعادة الخلق.
*
المقطع الثاني

أن تخرج من نعليك تقلب بين عيون المارة عن وجه تضمّه إلى صدرك
تطالع الأرصفة
المارة
الشجر
كلاب تقودها أرجل منسية
تتلفت يمينا وشمالا
لا بشارة
القادم رذاذ مطر يبعث بين جفنيك النعاس
هل أشعلت مصباح النسيان في هذا الزحام؟
أزهار تتدحرج
تجرفها بحار من الرثاء
تدوّن أسماءها في الأفق
مهملة هذه الأجنحة التي تتوسّدها الفراشات
مهمل هذا الصوت النائم داخل خلجات أعماقك
هم يأتون
لنرحل نحن
نحن طرق للرحالة
نوافذنا لا تتسع إلا لنزف الليل
كم من وجع يحمل هذا الليل؟
كأن الريح لم تعد سوى …..ذكرى
وكأن هذه الأوراق
صارت نطفة لا تعرف من أي برج سقطت مذعورة
يا أعماقي الجالسة وحدك
وهذا الحبر الجاف
لِمَ ماتت الأحلام داخلنا؟

..
في هذا المقطع تنتقل القصيدة انتقالة فكرية على صعيد نفسي وجغرافي. من الممكن اختزال الجغرافيا وتقسيماتها دون أن يغير شيئاً من وطأة الوحدة والعزلة والوحشة التي تنشب أظلافها في أحشاء الشاعر. يتكشف سيناريو القصيدة هنا عن [شخص يتمشى في شارع، خلال التمشي يعيش تداعيات ذهنية ونفسية، التداعيات تشرح قصة هذا الشخص، وحيد، مهاجر، يعاني الحنين لأشياء مفقودة في الماضي، وعدم القدرة على الانسجام مع أشياء الواقع البديل، انها هذه القصيدة.].
في البدء كان الحنين. حنين إلى [وجه، تضمّه إلى صدرك!]. في الحقيقة، أن الانسان الوحيد أو الغريب يحتاج (يحنّ) إلى شخص يضمّه إلى صدره، يحتضنه ، يمنحه الشعور بأنه مقبول ومرغوب ومحبوب وجدير بالحبّ، وليس العكس . لكن ديدن الشاعر يقلب المعادلة، إمعاناً في النكاية، وتوتير السخرية إلى حدّ اقترانها بالألم. كيف له أن يحتضن هؤلاء الذي يرفضونه، وهو (فرد)، وهم (الجماعة). مستوى آخر من مستويات المفارقة، في استهلال الجملة الملفت للانتباه: [أن تخرج من نعليك]، مستخدماً فعل المضارعة (المؤول) بدلاً من صيغة الأمر، بما ينفع صيغة الرجاء والالتماس وتلطيف الأمر، وتقديرها (لو خلعت نعليك لطفاً!)، (أن تخلع نعليك يكن أكثر لياقة!)، ولا يخفى ما يضمنه هذا التعبير من إحالة تاريخية على النص الديني [فقال لا تقترب إلى ههنا ، إخلع حذاءك من رجليك. لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدّسة.] (العهد القديم/ خروج: 3، 5). أن تتوفر عبارة (أن تخلع نعليك) المكونة من كلمتين ونصف، على هذا الغنى الدلالي والاستحضار المعرفي، يجعل نص النفري زاخراً بامتدادات متقاصية من المعنى ، عبر تناصاته وإحالاته الفكرية غير المباشرة أو اللغوية المتشظية. ففي النص الديني، يتعدى فعل الأمر الصريح إلى فعلين، وينقسم الخطاب إلى ثلاثة مفاصل، تبدو ضرورية لدى المقارنة وفهم جزئيات الوسط الجديد. وجدير بالذكر أن مثل هذه الإحالات، لها صلة بثقافة المكان الجديد، وتم التنويه إلى تواشج الشاعر مع الثقافة الجديدة واختياره صوغ خطابه لها من داخلها وبأدواتها وليس من الخارج بلغة وأدوات تزيده غربة وتزيدها نفوراً منه. من المهم التركيز على الفعل الأول كذلك: [لا تقترب إلى ههنا]!. ثمة حالة قطيعة ورفض باطني (قف!). إشارة كبيرة في النقاط الحدودية، تفصل بين الغريب والبيئة الجديدة الممثلة في (شارع). وإذا كان دخول واستشعار تفاصيل المكان، يقتضي الخضوع لاجراءات والالتزام بجملة طقوس وقواعد ، كيف تقترب من شخص لتتماس معه وتحتضنه، دون أن تخلع نعليك، والنعل هو ما يتماس مع الأرض ويحمل رائحة قديمة وكلّ ما صادفه من أشنات وأوساخ. وهو ما يعني التخلي، لا عن (آثار وذكريات قديمة) فحسب، وانما الماضي كله، ليصبح شخصاً جديداً ، جديراً باحتضان المكان الجديد (الولادة الثانية). ضمن هذه القراءة، والمبالغة في توصيف خصائص المكان الجديد، تجد المفارقة الساخرة في الجملة التالية مبرراً لها عندما يسعى هو لاحتضان (وجه يضمّه). أن يكون الفاعل والمانح والقابل وليس الممنوح والمفعول والمقبول. ولكن.. في هذه الحالة لا يجد غير الخيبة.

[تطالع الأرصفة /المارة /الشجر / كلاب تقودها أرجل منسية / تتلفت يمينا وشمالا]
الإشارة الثانية في سيناريو اللقطة، هو الفراغ والوحشة والهجر. ان لفظة (تطالع) لا تتطابق مع [ يراقب/ يرى/ ينظر]، وانما تعني يريد أن يطالع، معنى مغموس برغبة وشوق، مثل عبارته الأولى، يحاول أن يصطاد. وهنا قد تبدو مفارقة لغوية أخرى، في مجال المقارنة بين أساليب التعبير في اللغة العربية حيث تقوم الجمل على فعل واحد وفاعل واحد ومفعولية متعدية، وبين اللغات الأوربية التي تقوم غالباً على فاعل واحد وفعلين مترادفين، بمثابة الفعل المساعد [Modals Verbs]، أو أفعال الاستمرارية [verb to be] + الفعل الأصلي وملحقات الجملة (مفعول به أو شبه جملة). والمعنى أنه يتمنى أو يشتاق ويتلفت يمنة ويسرة لعلّه يقع على (وجه)، تحديداً. ولكنه لا يجد غير أرصفة مهجورة وشجر خريف وفي أحسن الأحوال، [كلاب تقودها أرجل منسية]. نظرات الشاعر مطرقة نحو الأسفل، خجلاً أو يأساً أو وحشة، ولذلك لا تلتقط نظراته غير الكلاب الصغيرة وصور (الأحذية) الأرجل التي تتبعها، وتستشري الحالة النفسية للشاعر فتلقي بغلالتها على المنظر العام للأشياء، فتبدو الأرجل (منسية) أو ضائعة، لأنها بدت له، مجردة منقطعة عن المنظر الكلي للجسد. يستنتج منه ، أن مسير الشاعر كان في وقت الصباح المبكر (وقت الذهاب للعمل) أو المساء، حيث يخرج الناس للتنزه ورياضة كلابهم. والمساء أكثر رجحاناً لما يثيره من وحشة وسأم وحنين وذكريات.
وبالتواشج مع فكرة التلاقح الثقافي السالفة الذكر، ترد إشارة الشاعر القطعية [لا بشارة!]. وهي تعددية الدلالة هنا، بين البعد الراهني المرتبط بالحالة النفسية للشاعر، والبعد الثقافي الديني للبيئة الغربية والمتمحور حول مفهوم الوعد والبشارة / [انجيل متى:4، 23]. لذلك جاءت الإشارة مسبوقة بإداة (النفي/ لا)، التي تفيد المعنيين القريب والبعيد في آن.

[القادم رذاذ مطر يبعث بين جفنيك النعاس / هل أشعلت مصباح النسيان في هذا الزحام؟]
هذه العبارة تفيد تحديد الوقت ، وهو المساء، حيث تضاء المصابيح ويبدأ النعاس بمداعبة الجفون مع تقدم الليل. لم يلتقِ (وجه) يحتضنه، فاستعاض عنه بمقدم (رذاذ مطر)، يحمله إلى سرير الوحشة، فتهاجمه الأفكار والهواجس والتذكرات ، فيتوسل النسيان سبيلاً لاطفاء الذاكرة، ليشعل بدلاً عنها (مصباح النسيان). تقول أحلام مستغانمي -ما معناه- (سرير بلا ذاكرة تقتله البرودة)، وسرير الشاعر يقتله البرد، لأن الذكريات التي تحاصره نابعة من الوحشة والفراغ وليس الحبّ والامتلاء. يحاول الوصول إلى إشباع ذهني عبر تبادل مواقع الكلمات واستخدام المفردات المفترضة لتوحي بنوع من العادية للرائي، فبدلاً أن يكون القادم (وجه حميم) يكون المطر، وبدل مصباح المنزل يشعل مصباح النسيان، وهو كذلك، ينسى إشعاله، فتبدو صيغة الاستفهام، وكأنه يقول: هل نسيت إشعال المصباح. تاركاً الشقة تغرق في عتمتها، انسجاماً مع مكابداته النفسية.

[أزهار تتدحرج / تجرفها بحار من الرثاء / تدوّن أسماءها في الأفق]
سبقت الإشارة إلى دينمية الحركة الداخلية والنمو المتواصل لهيكل الفكرة بعد أن كانت مجرد تساؤل حول محاولة النسيان، مرتبطاً بالمكان الممثل بالشارع، وهو تارة شارع من مدينة طفولته، إلى شارع في مدينة مهجره الجديد، مواشجاً بين قفر الشارع الأول والمدينة وخرائب (الأحياء والأموات) منعكسة على المكان الجديد ، والشارع المقفر والأرجل المنسية والليل والأرصفة. في المكان القديم وردت صورة الطوفان والخرائب، في مرجعية تاريخية ميثولوجية معروفة . ضمن البنية التناظرية لهيكل النص ، بدا كأنه، بحاجة لهذا النظير، ونظير الطوفان، ليس البحر، فهذا خارج المدينة، ولكن المطر، وقد جعله الشاعر في صورة رذاذ مسائي ليزيده شاعرية وجمالاً. أن من غير الممكن، مهما بلغت الحالة النفسية من التدهور والتراجع، أن تساوي بين العمران والخراب، والفوضى والنظام، و داخل الشاعر، جراح عميقة وآلام صارخة لا يستطيع إسكاتها بضغطة إصبع، ولا يريد أن يرددها نائحاً على طريقة المناحة السومرية و البابلية، ولكنه يستمر في التمبضع بين الحروف، تاركاً المعاني تتسلل خلل التداعيات، بما يزيد أبهة النص. لا يتحدث الشاعر عن جمال البيئة الهولندية وهو الذي يعاني من غربته وانعدام (صدر يضمه!)، فترد صورة (أزهار -هولندية- تتدحرج). لا توجد في الحقيقة (أزهار) تتدحرج، وانما تتألق أو تذبل. لكن صيغة الجمع، تفيد تعبيراً جمعياً صورياً أكثر منه ذاتياً، فقد بدا للناظر في تلك الساعة وهو يتأمل شتلات الزهور المتراصة مع بعضها بانحناءاتها وتقوساتها كما لو أنها ترسم صورة الدحرجة حتى بدايات الأفق، ومع ذلك فهي تسقط تحت غلالة الحالة النفسية للشاعر عندما يربطها (بحار من رثاء)، ولم تكن ثمة ضرورة لأل التعريف مع (الرثاء) فذلك لا يغير من معناه شيئاً. صيغة مبالغة بلاغية عربية قديمة ، غير قابلة للاستيعاب أو الاستساغة من لدن الذائقة الأوربية ولا الذائقة العربية المعاصرة. خرجت من يد الشاعر قسراً، وحري به تداركها. ثم يتواصل نمو القصيدة من الرذاذ إلى الأزهار، منها إلى الفراشات. ويلحظ استباق الجزء على الكلّ، تقدّم (الأجنحة) على (الفراشات)، فالأجنحة بألوانها التعددية الزاهية تتماهى مع زهاء ألوان الأزهار المختلفة.
[مهملة هذه الأجنحة التي تتوسّدها الفراشات
مهمل هذا الصوت النائم داخل خلجات أعماقك]

ثمة حالة دمار تتأصل وتستشري عبر البحار، ملاحقة صور القصيدة المتنامية. الأزهار تلبست الرثاء، والفراشات الاهمال. نتيجة علو صوت الصراخ الداخلي الذي لم يجد التعويض النفسي أو الاشباع الروحي عبر قلب أو صدر واسع يمتص آلامه وتهجداته ويطفئ حرائقه المتواصلة في ذاكرة لا تستسلم للنسيان. هذه اللازمة النفسية العميقة تقابل مثيلتها في المقطع الأول [أنت ضحية هذه الكلمات / الكلمة الجالسة داخلك وترفض أن تخرج] فالكلمة الجالسة داخلك وترفض أن تخرج - تحولت- إلى الصوت النائم داخل خلجات أعماقك. فهو من جهة داخل الأعماق، ومن جهة ثانية، هو غير ممكن أن يخرج، أو (يرفض) أن يخرج.

[هم يأتون/ لنرحل نحن / نحن طرق للرحالة]
يجلس الشاعر داخل نفسه ويفكر. أنه الآن يقابل الكلمة الجالسة في داخله ويرفض أن يخرج، يحرك الصوت النائم داخل خلجات الأعماق. لماذا لا تخرج الكلمة ولماذا ينام الصوت في الأعماق حتى ينتقل دمار الخارج إلى دمار الداخل. صورة الكلمة المحبوسة والصوت المسجون. لا يوجد صوت ينام، فالصوت الذي لا يعبّر عن نفسه عبر اهتزازات مويجات الهواء وذبذبات أوتار الحنجرة، ليس بصوت. الصوت تعبير فيزيوي، والتعبير الفيزيوي يتجسد في الطبيعة [الفيزيقا]. يحار الشاعر كيف يبني تصوراته ويرسم رؤيته للمستقبل، وهو بالكاد يستطيع (اخراج الكلمة) وتحريك أمواج الأثير بصوته.. فيستمرّ الكبت وتستمرّ دورة الموت، وتتوالد وتتناسل، وكأن التاريخ يجترّ نفسه. وكما كان آباؤنا قبلنا، يأتي خلفنا. العبارة: [هم يأتون، لنرحل نحن] دلالية متعددة، هم: الطغاة أم الغزاة أم أحفادنا الضحايا الجدد؟. قالب مضغوط من الأسى والنزيف الداخلي، يتوجه بإعلان انتحار تاريخي لا يقبل المساومة أو المزاودة، [طرق للرحالة نحن!]. ليس وحده ماركو بولو تاجر روما الذي خلفه إبنه في تجارة الصين والتوسط بين حكومة الصين وغيرها من المشارقة والمغاربة، الجنود والقتلى والمهاجرون العراقيون يتركون قمصانهم لأبنائهم ويتبادلون جراحهم وأغانيهم الحزينة، وكأن يد الدهر فقدت ميسمها. أو أن الحزن والأنين الرافديني من أيام سومر لا يزال يعارك الزمن. [تحت جلد كل عراقي سومري يصيح: نوح، نوح، نوح] ، يقول صلاح نيازي في مجموعته الرائعة [وهم الأسماء]، ويتساءل نجم والي : [لا أدري لماذا يكرر العراقيون جملهم ثلاث مرات؟!] في روايته الأثيرة [فالس مع ماتيدا] / ص165 . فيقول النفري في تهجده اليائس : [نوافذنا لا تتسع إلا لنزف الليل]، وليس النوافذ غير القلوب النازفة طيلة الليل، بعدما نسي إشعال مصباح النسيان . مهدي النفري، في هذه القصيدة، كما في حياته، ملئ بالروح الجلجامشية القائمة على التحدي، أنه في قمة تمثله الأسى لا يكفّ عن المراوغة والمفارقة ومغايرة اللغة، رافضاً الانصياع لظلمة الليل أو تذكر النسيان. يرفض الاعتراف بالنزف. الليل هو الذي ينزف، والنوافذ هي التي تضيق وليس القلوب. وبالتالي، يتساءل: أووووووه….
[كم من وجع يحمل هذا الليل؟ / كأن الريح لم تعد سوى …..ذكرى ]. إذا كان الليل يحمل هذا القدّ من الوجع، فلماذا لا يسكبه إلا على الشاعر وقومه، أم أن ليل الشاعر غير ليل العالم؟.. ربط الوجع بالليل صورة بلاغية بالمفهوم التقليدي، ترمز إلى حجم وسعة وسلطة الوجع. وهو تذكير مباشر بدالية امرئ القيس في ربطه الليل بالهموم : [وليل كموج البحر أرخى سدوله/ عليّ بأنواع الهموم ليبتلي] وفي المثل البدوي (الليل جلاب الهموم) والمغني الشعبي عندما يئن يصيح (يا ليل!..).

[وكأن هذه الأوراق / صارت نطفة لا تعرف من أي برج سقطت مذعورة]
يعود الشاعر مرة أخرى إلى احتباس الكلمة والصوت، ليتهم الأوراق بالتحول إلى نطفة، لها علاقة بنهاية المقطع الأول . ملمحاً إلى مكمن (سجن) الكلمة في أعماقه.. وكما تساءل في المقطع الأول، [أي مكان ذلك الذي باعه أهله للطوفان؟] يقرن الكلمة بالصوت مع الحلم ويدفنها هناك، في أعماقه، تاركاً تساؤلاً يابسا..
[يا أعماقي الجالسة وحدك / وهذا الحبر الجاف / لِمَ ماتت الأحلام داخلنا؟]
*

القسم الثالث

المقطع الثالث

لِمَ هذه الأرصفة؟
الموتى يقودوننا إلى تلال من الأسرار
أرصفة ممتدة
تؤطر ظلالهم
هم الحرب أم أنا
الحرب التي لا تستيقظ إلا حين يبدأ الحلم
ولأننا بلد الجياع للأحلام
حضرت الحروب داخلنا
وغلقت الأبواب.

عندما يضيق البيت بالمرء يندفع إلى الشارع، وعندما تضيق المدينة به يندفع إلى البريّة، وعندما يضيق الوطن يهاجر، وعندما تتحدد أدوات الواقع يلجأ إلى الفلسفة، وعندما يضيق الجسد ينصرف إلى الروح، وعندما تضيق الروح يرتفع إلى المطلق. والقصيدة هذه تعبير عن ضيق. عبارة عن أضلاع تتقارب وتتقارب وتضغط على روح الكائن وفكره وكيانه،ولذلك يبحث عن الفضاء. هو فضاء القصيدة. الشارع في القصيدة هو المكان الرمز، أو دالة المكان، وليس البيت (يفترض أن الانسان يولد فيه) أو المدينة (التي ينشأ ويترعرع فيها) ولا حتى الوطن (هيولي الحلم الذي يمنح السعادة والانتماء). في مقابل النسيان والتذكر كدالة ذهنية، تحدّد الشارع كدالة للمكان والفضاء الذي يتحرك فيه الواقع. وقد تكرر حتى الآن في المقاطع الثلاثة، بل كان مفتاح المقطع ومهمازه في كل مرة. ففي المقطع الأول جاء بعد تشريح العنوان [تلك أسئلة دونتها الشوارع والأحذية]، بداية المقطع الثاني [أن تخلع نعليك../ تطالع الأرصفة..]، وفي المقطع الثالث هذا التساؤل: [لم هذه الأرصفة؟..]. الذي أراده الشاعر رحمة وعوناً صار عبئاً عليه وإصراً، ثمة انكسار ينتهك المرآة من النهاية إلى النهاية. ثمة انكسار داخلي في خزف الروح. [شوارع تدور بنا كسحب../ هنا لا أحد يناديك]!، في المقطع الأول، وفي المقطع الثاني: [ كلاب تقودها أرجل منسية/ تتلفت يمنة ويسرة/ لا بشارة]!، وفي المقطع الثالث: [أرصفة ممتدة/ تؤطر ظلالهم (الموتى)/ هم الحرب أم أنا]!. وفي كل المرات تظهر الإجابة مثل قرعة مطرقة حادة، لا تترك فسحة للتنفس. وهي التي تحولت إلى هاجس إشكالي في القصيدة (الذات المأزومة) عجزت عن التكامل أو تحقيق (تفريغ) نفسي. أراد الشاعر الاستنجاد بالنسيان من التذكر، واستنجد بالمنفى من الوطن، وبالشارع من هواجسه، وفي كل المرات، أوقع في يده، ولم يتحرر من لعنة الخيبة الملاحقة له منذ بدء الخليقة!. [لأننا بلد الجياع../ حضرت الحروب داخلنا/ وغلّقت الأبواب]!. إقرار بواقع اللعنة الأبدية، تولد مستوى دلالي جديد في هيولى التأويلات المتشظية من النص. وسبب اللعنة هو الحلم. [لأننا بلد الجياع للأحلام/ الحرب لا تستيقظ إلا حين يبدأ الحلم (في التحقق)]!.. ما كان الشاعر ليترك صورة طفولته (مدينته) المنكسرة دون تفسير وإبانة. ولأجل ذلك: أو نتيجة له، يتساوى [الأحياء والموتى]، و [الموتى يقودوننا إلى تلال من الأسرار]، وفي المكان الجديد: [بحار من رثاء] ، و [كلاب تقودها أرجل منسيّة]!. يرسم الشاعر صورة فنتازية مسرفة في التراجيديا وهو يخطّ مزوله على قماشة الروح/ القصيدة. وفي الضربة الأخيرة من موسيقى المقطع [غلّقت الأبواب] تضمين مباشر من قصة زليخة/ يوسف المعروفة في التراث الانساني المشترك [غلّقت الأبواب وقالت هيت لك]!. لا أحد يكلمك هنا، لا بشارة، لا خلاص!!.
*
المقطع الرابع

هل رأيت كيف يتوافد الموت على بلادي؟
يدخل كالمطر
يمسح الجميع
ويمضي
يُعِدّ العِدّة
ليبدأ الدورة من جديد.

..
هذه فكرة (الطوفان).. النتيجة التي وصل إليها في المقطع الثالث، منحت روحه درجة من طمأنينة التسليم، بدل قلق الهاجس، وهذا هو جوهر الستراتيج الديني لانقاذ الانسان من (مغبّة) الذات!. فطرأ تبدل مباشر على لغة الخطاب وفورة اللغة. وجاءت تساؤلاته البريئة مشوبة بحالة من حزن شفيف، وكأنه يقول لها، لزليخة، للعالم، للوطن: لماذا الموت يتوافد على بلادي، يمسح الجميع ويعدّ العدّة ليبدأ من جديد.. لماذا؟.. ذلك التساؤل المرّ، الاستنكاري، الذي يقدمه المرء، مهما كان ايمانه بالتسليم قبل أن ينتحب ويسقط مغشياً عليه. ثمة إشارة بليغة في هذا الصدد، في إنجيل لوقا: 12،50 [لي آلام لا بدّ أن أتألمها، فسأكون في ضيق شديد، حتى تنتهي]!.هذه الـ [لا بدّ]! بكل ما تتضمنه من قسوة وعذاب، بكل ما تتضمنه من قناعة وتسليم للحصول على السلام .
*
المقطع الخامس

عن هذه المدينة
أو تلك التي رافقتني
لأيّ منهما سأكتب
لتلك التي أصبحت ظلي
أو
لهذه التي ستحتضن قبري

..
في طريق ترتيب توازناته الداخلية، يستمرّ الشاعر في زرع أسئلته، هواجسه الانسانية البسيطة، منتقلاً من أرض الطفولة (المقطع الرابع)، إلى الأرض الجديدة وما بينهما [عن هذه المدينة أو تلك التي رافقتني، لأي منهما سأكتب، وأي منهما ستحتضن قبري]؟.. [هنا أم هناك] ، يبقى الاختيار صعباً، والتساؤل مرّاً. والتسليم بالألم والموت لا يرفع الانسان عن مواجهة أسئلة الحياة اليومية واجترارها مثل صليب يدفعه أمامه حتى النهاية.

*
المقطع السادس

نتحدث كثيرا
عن العصافير
كم هي جميلة وأنيقة؟
كم هي ظريفة ووديعة؟
كلّ هذا يحدث في الليل
وفي النهار
تُعَدُ العصافير كوجبة طعام شهية.

..
يبرز هذا المقطع، أبرز وأعوص إشكالية فكرية فلسفية ودينية لا تزال تؤرق العقل البشري. لكن الغريب، ان الشاعر، لا يقدمها في صيغة تساؤل، أو إجابة، أو نشيج، يعلقها مثل صورة تجريدية لا علاقة لها بأحد، لا نحن ولا أنتم، لا هو ولا أنت ولا أنا. ضمير الخطاب (نحن) ليس قسرياً حاسماً، وانما مفتوح زمانياً ومكانياً دون استثناء. نحن، الجنس البشري. والصيغة المبني للمجهول في السطر الأخير (تُعَدُّ) تخدم هذا السياق. فلو كانت (نحن) معرفة، لكان الفعل الأخير مبنياً للمعلوم، والفاعل يكون نحن مع سبق الاصرار. اختلف الفلاسفة والمفكرون ، الغربيون والعرب، في وضع إجابة قاطعة وحاسمة لإشكالية ما يدعى بالخير والشرّ على الأرض، وأين تقع الحدود الفاصلة بينهما. لكن الفلسفة عموماً استندت إلى مرجعية مثنوية، ترى وجود قوتين (نزعتين) متصارعتين داخل الذات البشرية، وأيهما تكون أقوى، أو تتوفر لها ظروف أكثر، تكون هي السائدة. يختلف العلماء في درجة إطلاق الشرّ أو الخير أو نسبيتها، فيرى البعض أن عامل الشرّ هو شرير، كل أعماله شريرة، فيما يرى غيرهم، ظهور أعمال جيدة لبعض الأشرار، ووجود أعمال شريرة لبعض الأخيار، وبالتالي، لا يوجد شرير مطلق أو خيّر مطلق، وانما يختلفان بالنسبة. ويضيف علم الاجتماع دور التراتب الطبقي في اختلاف تقدير المجتمع لدرجة [الشرّ/ الفضيلة] لدى الناس. ما يصدر من قبح من شخص عادي (فقير) يعتبر أكثر شناعة من قبح يبدر من أحد (الأعيان). الملاحظة الجديرة في هذا المجال هي التي وردت في مقدمة ابن خلدون، والمتعلقة بتطبيق فكرة (النسبيّة)، ما يبدو خيراً في مكان أو زمان، قد يبدو شراً وقبحاً في مكان آخر في نفس الوقت أو نفس المكان في زمن آخر. فالأقيام والأقيسة متغيرة متبدلة وهذه سنّة الحياة، متفقاً مع جمهور الفلاسفة في اجتماع النزعتين داخل الذات البشرية. أما الفكر الديني فقد فصل بين القوتين، معتبراً وجود خير مطلق ، وشرّ مطلق. في هذه النقطة، الإشكالية، يختلف تأويل هذا المقطع، فصل في صيغة الفعل ولم يكشف هوية الفاعل أو يؤكد وحدة الفاعل في الحالين، المهمّ، أن ثمة ازدواجية وتناقض في الفكر والسلوك البشري عند النظر إليه بمنظور شمولي، ولا بدّ أن ينظر كل شخص إلى نفسه في ضوء هذه الإشكالية.
*
المقطع السابع

درس في الإنشاء
كتب الأستاذ
كتب الطالب
صمتت الأوراق
ونطقت الكلمات
أرجوكم …جرّبوا الصمت .

..
عند التقدم والاتساق في المكان الجديد، وعدم الفوز بنعمة النسيان، جعل الفكر يستمر في تقليب مأساته القديمة، وما حدث لأبناء (لكش) في قصيدة (انجي رامو) السومرية القديمة: [آه على ما أصاب لكش وكنوزها/ آه مما يعانيه أطفال لكش/ آه يامدينتي/ متى تستبدلين الوحشة بالفرح]!. هنا يبدأ في تشريح الواقع القديم وصولاً لتعليل النتائج التي خرجت بها، ودرس (الانشاء) رمز للتربية المدرسية والفكرية القائمة على المبالغة والادعاء وانفصام الفكر عن السلوك والواقع. وقد مرّ من قبل مقطع التغني بجمال العصافير من جهة والقيام بقتلها واعدادها وجبة طعام، صورة من صور التناقض الاجتماعي. يريد الشاعر، أن ما حصل ليس مصادفة، وانما نتائج محتمة لبناء خاطئ ومنحرف، لا بدّ له من سقوطه مهما تطاول به الوقت.
*
القسم الرابع

المقطع الثامن

أمضي إليك أيتها المدينة
من جديد
لا أحمل جديدا
الموتى ينتهي جديدهم
توفي فلان بن فلان بتاريخ ……….
فكيف لي أن آتيك بالجديد؟
أنا الميت منذ أن وطأت أقدامي الأرض
لكني سأسير ضد الريح و رغبتي هذه الساعة
سأحمل معي ذكريات لم يعرف عنها أحد
أليست الذكرى بيت عنكبوت للحالمين؟
ذكرياتي وحدي
حتى ظلي كان بعيدا عني
بعيدا كل البعد حين دوّنتها
ذكريات حملتُ إليها أبواب المحطات
وأيادي مبتورة تلوح تارة شمالا وأخرى يمين
تلوذ بالضباب مرة
وأخرى بالحنين
من أين جاءت تلك المحطات؟
أمس اُغلِقتِ النوافذ على تجارة الرقيق
أمس أُغلقت الأبواب على قصائدنا واليوم
لم يبق لنا غير …..
فعلام أيتها الذكرى تأنين؟.

..
توزيع القصيدة إلى مقاطع (تسعة)، جعل الشاعر يتأرجح بين نقطتين أو قطبين. ليس جغرافيا وانما فكريا وشعوريا أيضاً. قد تبدو علاقته بأحد القطبين نوستالجية طافرة، ولكنه لا يتعامل معها بشكل عابر، وانما يحاول صياغتها في صورة أسئلة وتأثيثها بأجوبة حاسمة، لرفعها من رفّ الذاكرة. وهذا هو مغزى دالة النسيان. ليس بالمعنى السلبي وانما المعنى الذي يستكمل ميكنزما العقل والوعي، وبالتالي، يتوصل إلى أسس ومبادئ تتحدد وفقها الرؤية الاجتماعية وصلة الانتماء والتفاعل. وما ذلك بالأمر ولا الدور السهل الذي يخوضه الشاعر وحده، بينما تقف عوامل البيئة متفرجة، أو سلبية في التمادي في الخراب. وتكشف جملة (أعود إليك يا مدينة) عن -آهة- محرقة وزفرة ألم. (يا مدينة) مجردة عن أدوات التعريف أو النسب أو التسمية. المدينة التي أحبها وناء بحبها حتى استحالت إلى خناجر ومصدات مكفهرة في وجهه، فراح يبحث عن معنى جديد لها أو مبرر لتلك العلاقة التي تتحول بالتدريج إلى صمت مطبق، ثم مطلق قبل أن تصل إلى النسيان. [أعود إليك يا مدينة بلا جديد]، وبالتالي فهي عودة رتيبة، لا واعدة ولا موعودة. قادته قدماه أو هواجسه رغماً عنه، ولذلك وشحها باللا جدّة، ثم أسندها بإجابة أكثر حتمية وحديّة: [الموتى ينتهي جديدهم / توفي فلان بن فلان بتاريخ ………./ فكيف لي أن آتيك بالجديد؟ /أنا الميت منذ أن وطأت أقدامي الأرض]. فأصدقاء طفولة المكان انتهوا إلى موت، وصارت عناوينهم شواهد قبورهم، ما ت فلان ومات فلان بتاريخ..، وحتى هو النافذ من صدفة الجغرافيا، يرى نفسه ميتاً مع أصدقائه. ولكن موته، يتخذ بعداً فلسفيا وجوديا، يتجاوز الظاهرة البيولوجية، فيعتبر أنه مات في لحظة وطء أقدامه الأرض. أي أرض. هل يقصد الأرض الجديدة، التي يسمونها (Holland)، أم أرض مسقط رأسه. فيتساوى عنده الموت والميلاد. لا بدّ أن تحتفظ القصيدة بدرجة من التعمية وإثارة الحيرة حتى لا تقع في العادية. وربما كان الشاعر نفسه لم يحسم الأمر مع نفسه ومع الواقع والوجود، فلا أجوبة قطعية. [حتى ظلي كان بعيداً عني!]. كيف يمكن تصور مبلغ الأسى المكنون داخل هذه الكلمات الخمس. حتى ظلي كان بعيداً…………… عن……… ي . انسان بلا ظل، انسان بلا ذاكرة. بلا حرارة، بلا وجود. الانسان مجرد دفتر ذكريات أو ألبوم صور. دفتر مذكرات أو أحلام وتصورات. حب، صداقات، جمال. ليست منه في شيء. وعند ربط الجملتين: [أنا الميت مذ وطأت قدمي الأرض، حتى ظلي كان بعيداً عني]. يتحمل المعنى دلالات زاخرة جديدة وجميلة وبعيدة. طيلة القصيدة وهو يدور في شوارع عديدة، لم يتكشف عن ظل. مثل شبح يجري لا يترك وراءه شيئاً. في المقطع ما قبل الأخير، يتذكر، ليقول انه بلا ظل. وربما لهذا بقي على قيد الذاكرة/ الحياة. فالذين كانت لهم ظلال ماتوا في الطوفان أو الخراب. وقد ترمز دلالة (الظل البعيد) إلى الأرض البعيدة، التي أطلقته إليها أرضه القديمة التي مات فيها، ليحصل على (بشارة) الحياة في الثانية. يعود الشاعر إلى حالة نفسية كالتي في المقطع الثاني ويستغرق في ذكرياته، ولكن بنزعة أدعى للتمرد والاحتجاج الداخلي منها إلى التسليم، متشحاً بنبرة سخرية لاذعة، غير بعيدة من تقريع الذات: [أليست الذكريات بيت عنكبوت للحالمين؟!]. فالانسان الذي يعيش داخل بيت ذكرياته، هو ميت يعيش في الماضي. وحسب وصف فيدور ديستويفسكي في روايته [ذكريات من بيت الموتى]. ثمة علاقة بين الذكرى والموت. الذكرى زمن ماضٍ، ميت. لا توجد ذكرى الحاضر أو الراهن. وهو يقدم صورة جديدة أو دلالة أخرى لمعنى موته مذ وطأت قدماه (الأرض). لأنه في وصوله الأرض الجديدة لم يستطع التخلص من أرشيف ذكرياته، ولكي يولد الولادة الجديدة لا بدّ، أن يخلع كل شيء عنه وينخلع من كل شيء. وهذا هو مغزى امتحانه وحيرته بين الموت والحياة، أن يكون أو لا يكون. [ذكريات حملتُ إليها أبواب المحطات / وأيادي مبتورة تلوح تارة شمالا وأخرى يمين / تلوذ بالضباب مرة وأخرى بالحنين]. (الضباب) رمز الأرض الجديدة، و(الحنين) رمز المكان القديم [: المقطع الخامس من القصيدة]. ومن رموز المكان الجديد – المحطات- فيقول: [من أين جاءت تلك المحطات؟ / أمس اُغلِقتِ النوافذ على تجارة الرقيق]..!. تتكرر المفردات في قصيدة مهدي النفري، دون استشعار رتابة التكرار، أو ملاحظتها أحياناً. بيد أن المفردات التي تتكرر ليست ثانوية أو تحشية، ولكن أساسية، تتحمل بنية القصيدة و تمنحها الأبهة والمتانة والاشعاع. فالظل والشارع والذكرى والنسيان والمحطات والموت، لبنات بنيوية اساسية في قاموس القصيدة – إذا أمكن التعبير-، لا مكنة للاستغناء عنها أو المرور بها دون توقف. والمحطات هنا تتحمل دلالة سلبية [negative] محيلة على فكرة القرصنة وبدايات الاستعمار الحديث، معرجاً على تاريخ الامبراطورية الهولندية ، والتي كان لها مع الامبراطورية البلجيكية، فاتحة السياسة الغربية في غزو البلاد البعيدة عن حدودها الاقليمية وما استتبعها من ازدهار تجارة العبيد [slave trade]، وصولاً إلى بلوغ التجارة الغربية ذروة الانتعاش وصدور قرار التاج البريطاني بإيقاف العمل بتجارة العبيد [1807م]. ويرشح من هذا دلالتان. الأولى، إشارة إلى الغزو الأمريكي لبلد الشاعر –العراق-. والثاني، الربط بين ظاهرة تدفق اللاجئين على بلاد الغرب وتجارة الرقيق التي كانت سفنها تستجلبهم من الأرض البعيدة. والمقارنة النفسية والاجتماعية بين الظرفين، باعتبار أن كل منهما ليس سوى أيدي عاملة رخيصة لخدمة الصرح الرأسمالي والامبريالي (عبودية رأسمالية/ تكنولوجية). وهي من الاشارات العميقة والذكية والجميلة التي تندر الأشارة إليها. يتساءل هنا، وبالمعنى السلبي والساخر كذلك، ألم تغلق الأبواب على كل ذلك؟. ألم تغلق الأبواب على قصائدنا، والإشارة هنا على (الحصار) الذي ألقى بظلال كثيفة على حياة العراقيين. أن كل شيء كان له زمن وظرف ومرحلة وانتهت. فلماذا لا تنتهي هذه المرحلة والظرف. ولماذا لا ينغلق الباب على الموت والذكريات المؤلمة والحنين المفجع. [علام أيتها الذكرى تأنين؟..].
*
المقطع التاسع

زياد حيدر
ماذا عساني افعلُ بهذه الدروب؟
ماذا عساني أقدمُ للعالم؟
ما عدت بوقار من هذا الألم
وما عادت شرفة أمانيّ تسع لي
سرير يستيقظ وحيدا
يدوّن الدموع والأصدقاء
من جاء بك أيها النزف لتأخذ منا كل هذه الأحلام؟
من جاء بك أيها الليل
لتقطع علينا كل الدروب؟

..
في المقطع الأخير من القصيدة يلتقي، (ربما) بمشعل هذه الحرائق كلها، (زياد حيدر) صديق طفولته أو طفولة مدينته، الذي يقرع نوافذ ذاكرته ويفتح فيه باب الأسئلة المستحيلة. [ماذا عساني افعلُ بهذه الدروب؟ / ماذا عساني أقدمُ للعالم؟ / ما عدت بوقار من هذا الألم / وما عادت شرفة أمانيّ تسع لي]. تساؤلات عدمية مرّة يبسطها الشاعر أمام صديقه، باحثاً فيها عن عزاء أو معذرة لما حدث، بما يعانيه. ان حياته (الهولندية) الجديدة لا تضاهي أبهة حياته القديمة وغربته الجديدة لا صلة لها بعلاقاته الحميمة وأصدقاء طفولته. وقد سبق أن أصدر هذه التلميحات عبر المقاطع المختلفة [لا وجه أضمه، لا بشارة، لا أحد يناديه]. وكأنه طوال القصيدة كان يبحث عن صيغة اعتذار من صديقه القديم، في إحدى قراءات القصيدة. ثمة شعور بالذنب يكتنف الذات الانسانية النافذة بين [هنا - هناك]. وتذكر جملة (ما عدت بوقار من هذا الألم) بمجموعة الشاعر فرج الحطاب الشعرية الكاملة [يجرّ وقاره بهدوء] الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات. حيث يبدو الوقار ثيمة قياسية في النظر إلى الماضي!.
*
تفاعل المكان والصوت في القصيدة

إذا كانت النوستالجيا حالة حنين إلى طفولة أو ماضٍ، فأنه حنين إلى أجواء مكان قديم، احتضن تلك الطفولة ومشخصاتها، أكثر منه حنين مجرد إلى شخص أو أشخاص خارج إطار المكان. وقد عبّر الشاعر عن هذا بعدد من دول المكان على طول القصيدة، والممكن اعتبارها مسرح تداعيات الشاعر: شوارع ، أرصفة، دروب، رحم، بيت، برج، قبر، محطات، مدينة، بحار، بلد، بلادي، وطن، العالم، أرض. تشكل باجتماعها معمار مسرح حركة تداعيات القصيدة، وبصوت داخلي متأرجح بين أنين ناي وحيد وتقسيمات عود شرقي منفرد، يضيء وحشة الغربة. وقد احتفت القصيدة بالأحرف الهوائية التي تمنح الحنجرة مساحات صوتية مرنة تحقق مزايا صوتية ولونية متعددة. ما يجعل منها أقرب إلى روح الملحمة أو الأوبرا عند تقديمها على المسرح مستفيدة من جملة الخصائص الزاخرة بها.
*
تنتهي القصيدة، وتبقى الذاكرة مشتعلة والأفكار متأججة، والأسئة مفتوحة نازفة. لم يقدم النفري إجابة قطعية حول المسائل المصيرية الواردة في القصيدة، العلاقة بين مكانين. العلاقة بين الذكريات والنسيان، الزهور والخرائب، القرصنة والعولمة، وتجارة الرقيق وتجارة اللاجئين، الموت والولادة الجديدة، الحلم والحنين، أو الحنين والحلم.. وكل ذلك ا كان ليحدث ويهتاج، لولا الليل، ولكن.. أي ليل منهما؟!!..

* نبذة عن الشاعرمهدي النفري

ــ ولد في نهاية 1969 في محافظة الديوانية في العراق
ــ يكتب بالعربية والهولندية
ــ توزعت مواده المنشورة بين الصحف العربية والعراقية والمجلات الادبية
كألواح واحداق والاغتراب الادبي وغيرها
ــ نشر العديد من النصوص الهولندية في الصحف الهولندية
ــ نشر ترجمات عدة من الادب الهولندي الى العربية
ــ يعد الان ترجمة لشعراء وشاعرات عرب شباب للهولندية .

……………………………………………………………..
مراجع وإشارات

- الكتب المقدسة الثلاثة.
- منطق ابن خلدون- د. علي الوردي
- الثابت والمتحول - الجزء الثاني – أدونيس
- TOUGH THE HEAVENS MAY FALL, BY: STEVEN M. WISE
- SOCIOLOGY - HANDBOOK- 2005
- محمود دوريش – المجموعة الشعرية الكاملة- ج1- دار العودة- بيروت/ مج أوراق الزيتون - 1964
- وهم الأسماء- مجموعة شعرية – صلاح نيازي - 1996
- ذاكرة الجسد – رواية أحلام مستغانمي
- ذكريات من بيت الموتى – رواية- فيدور ديستويفسكي
- يجرّ وقاره بهدوء – مجموعة شعرية- فرج الحطاب- المؤسسة العربية للدراسات - 2003
- شغلت قضية (تجارة) الرقيق القضاء البريطاني طيلة القرن الثامن عشر تقريباً ، حتى صدور قرار البرلمان البريطاني بحظرها (1807) في أول خطوة سياسية من مثلها في العالم. منهية ثلاثة قرون من الانتهاكات المهينة ضد الأفارقة. تبعتها غرب الهند (1830)، وفي الهند البريطانية (1862). وفي أوربا (1865)، البرتغال (1869)، بورتو ريكو (1873)، أنحاء الامبراطووروية البرتغالية (1875)، كوبا (1886)، أميركا الجنوبية (1888). وفي عام (1926) أقرّت عصبة الأمم الميثاق الدولي لحظر كل أنواع الرق والعبودية. وفي محاكم نورنبرغ اعتبر تشغيل الرق في المعامل الحربية ونقلهم من مكان إلى مكان رغماً عنهم جريمة شأنها شأن الابادة الجماعية وانتاكاً للميثاق الدولي. وفي عام (1950) صدرت الاتفاقية الأوربية لحقوق الانسان، وفي (1969) الأتفاقية الأميركية لحقوق الانسان، والتي تتضمن نصوصها حظر الرق واممارسات المتعلقة بها. ويصادف العام المقبل (2007) مرور قرنين على أول حظر لتجارة الرقيق في العالم.