الثلاثاء ٢٩ نيسان (أبريل) ٢٠١٤
بقلم غزالة الزهراء

طيف من الماضي

بعينين قلقتين فتش عنها في الحجرات الثلاث ، وفي المطبخ ، وفي الحمام ، وفي الشرفة المطلة بوجهها الرمادي على الشارع . هي هكذا منذ ارتباطه بها ارتباطا محكما تتغيب عن البيت لساعات لا تحصى دون استشارته في الأمر وكأنها ليست على ذمة رجل .
تلك هي عادتها اللامحبوبة التي تضعضع مشاعره ، وتلوثها بزخات الشك والريبة ، كما أنها تنفخ في شريان محيطه الكالح فحيحا مسموما من اللاأمان والتدمير الشامل .

لفه عجاج همجي من التساؤلات المسعورة : أين هي الآن ؟ ماذا عساها فاعلة في هذا الوقت المتأخر ؟ هل هي منغمسة في حمأة المعاصي الطائشة دون أن تخضع لتوبيخ الضمير ؟ أيمكن لها أن تتجاسر على التسلية بشرفي مع غيري من بني جلدتي وأنا حي أرزق ؟

زفر بحرقة شديدة وكأن به يستل ما يمور بجوفه السحيق من غيظ حارق ، وكبت مموج بغيظ .
كم هي عسيرة ، ومفخخة تلك اللحظات التي ينفقها لا إراديا برفقتها !
طيف الماضي المخملي يحوم حوله في عزة وإباء ، يصفق بجناحيه الخفيفين كالفراش المزركش ، ويدغدغ حنايا روحه الهائمة في ضبابية التخمين بطريقة سحرية لا مثيل لها .
تنصب في فجاج ذاكرته المتصدعة رؤى عسجدية طروبة مخلوطة بأديم الوفاء ، ورذاذ الإخلاص .

يهتز حنينا واشتياقا إلى ذلك المحيا المنقوع بأنواء الدفء ، والطيبة ، والجاذبية .
قالت له والأمل يغرد عصفورا مجنحا ، ويطرز سراديب صوتها قرنفلا وبهجة : أنت سندي الوحيد ، بك أفتخر وأعتز .
وأضافت مؤكدة من غير أن تزور ما يعتمل بداخلها من مشاعر: لا طعم للحياة من غير وجودك .
يكتفي برسم ابتسامة عريضة على شفتيه دون أن يرد .

بعض سنوات منعشة تنفس عبيرها الفواح في ظل الاستقرار الكامل ، آثارها المحفورة عميقا قد نقشت في فسحة خياله من غير تحريف .
على حين غرة يبتر حبل تفكيره صوت زوجته المضمخ بعفونة الغش : فيم تفكر يا عزيزي ؟
هب من مقعده منتصبا صارخا : أين كنت طيلة هذا الوقت ؟ ماذا تقترفين في غيبتي ؟
ـــ أتشك بي يا عزيزي ؟
ـــ جميع تصرفاتك تومئ ب.......
لم تدعه يتمم ما كان يريد الإفصاح عنه ، قالت عندئذ : يبدو أنك تحن إلى طليقتك ، أليس كذلك ؟
ـــ لم تتهربين من لحظة المواجهة ، وتغيرين دفة الحديث ؟
انزوت وراء لحاف الصمت ، وتكمشت انكماشا كليا كقطة مذعورة هاربة .
واصل حديثه بنبرة يغلفها ندم كبير : لقد كنت مفرطا في أنانيتي يوم اتخذت قرارا بشأن انفصالي عنها ، كانت زوجة مثالية مطواعة ، تسعى سعيا حثيثا لإسعادي بشتى الطرق .
غاص للحظات قصيرة في ممرات الصمت ، ثم راح يؤنبها على ما ابتدر منها سالفا : أنت من كان سببا فعالا في تطليقها .
بدهشة واستنكار: أتلقي كامل اللوم علي ؟ ألم تكن مثلي تصبو إلى تطليقها ؟
ـــ كنت أصبو إلى ذلك من أجلك أنت ، أنت فقط .
ـــ أليس ما أملكه من ثروات دفعك للركوع على ركبتيك ؟
لقد طعنته في صدره بكلامها الجارح اللامحتمل ، وهزت كرامته كرجل .
زأر غاضبا : أصمتي أيتها الخرقاء اللعينة ، الحديث معك لا يسفر عن منفعة .
جر قدميه نحو الباب ، فتحه بقوة ، اندفع خارجا وطيف الماضي المخملي يحوم حوله في عزة وإباء .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى