طيف من الماضي

، بقلم غزالة الزهراء

بعينين قلقتين فتش عنها في الحجرات الثلاث ، وفي المطبخ ، وفي الحمام ، وفي الشرفة المطلة بوجهها الرمادي على الشارع . هي هكذا منذ ارتباطه بها ارتباطا محكما تتغيب عن البيت لساعات لا تحصى دون استشارته في الأمر وكأنها ليست على ذمة رجل .
تلك هي عادتها اللامحبوبة التي تضعضع مشاعره ، وتلوثها بزخات الشك والريبة ، كما أنها تنفخ في شريان محيطه الكالح فحيحا مسموما من اللاأمان والتدمير الشامل .

لفه عجاج همجي من التساؤلات المسعورة : أين هي الآن ؟ ماذا عساها فاعلة في هذا الوقت المتأخر ؟ هل هي منغمسة في حمأة المعاصي الطائشة دون أن تخضع لتوبيخ الضمير ؟ أيمكن لها أن تتجاسر على التسلية بشرفي مع غيري من بني جلدتي وأنا حي أرزق ؟

زفر بحرقة شديدة وكأن به يستل ما يمور بجوفه السحيق من غيظ حارق ، وكبت مموج بغيظ .
كم هي عسيرة ، ومفخخة تلك اللحظات التي ينفقها لا إراديا برفقتها !
طيف الماضي المخملي يحوم حوله في عزة وإباء ، يصفق بجناحيه الخفيفين كالفراش المزركش ، ويدغدغ حنايا روحه الهائمة في ضبابية التخمين بطريقة سحرية لا مثيل لها .
تنصب في فجاج ذاكرته المتصدعة رؤى عسجدية طروبة مخلوطة بأديم الوفاء ، ورذاذ الإخلاص .

يهتز حنينا واشتياقا إلى ذلك المحيا المنقوع بأنواء الدفء ، والطيبة ، والجاذبية .
قالت له والأمل يغرد عصفورا مجنحا ، ويطرز سراديب صوتها قرنفلا وبهجة : أنت سندي الوحيد ، بك أفتخر وأعتز .
وأضافت مؤكدة من غير أن تزور ما يعتمل بداخلها من مشاعر: لا طعم للحياة من غير وجودك .
يكتفي برسم ابتسامة عريضة على شفتيه دون أن يرد .

بعض سنوات منعشة تنفس عبيرها الفواح في ظل الاستقرار الكامل ، آثارها المحفورة عميقا قد نقشت في فسحة خياله من غير تحريف .
على حين غرة يبتر حبل تفكيره صوت زوجته المضمخ بعفونة الغش : فيم تفكر يا عزيزي ؟
هب من مقعده منتصبا صارخا : أين كنت طيلة هذا الوقت ؟ ماذا تقترفين في غيبتي ؟
ـــ أتشك بي يا عزيزي ؟
ـــ جميع تصرفاتك تومئ ب.......
لم تدعه يتمم ما كان يريد الإفصاح عنه ، قالت عندئذ : يبدو أنك تحن إلى طليقتك ، أليس كذلك ؟
ـــ لم تتهربين من لحظة المواجهة ، وتغيرين دفة الحديث ؟
انزوت وراء لحاف الصمت ، وتكمشت انكماشا كليا كقطة مذعورة هاربة .
واصل حديثه بنبرة يغلفها ندم كبير : لقد كنت مفرطا في أنانيتي يوم اتخذت قرارا بشأن انفصالي عنها ، كانت زوجة مثالية مطواعة ، تسعى سعيا حثيثا لإسعادي بشتى الطرق .
غاص للحظات قصيرة في ممرات الصمت ، ثم راح يؤنبها على ما ابتدر منها سالفا : أنت من كان سببا فعالا في تطليقها .
بدهشة واستنكار: أتلقي كامل اللوم علي ؟ ألم تكن مثلي تصبو إلى تطليقها ؟
ـــ كنت أصبو إلى ذلك من أجلك أنت ، أنت فقط .
ـــ أليس ما أملكه من ثروات دفعك للركوع على ركبتيك ؟
لقد طعنته في صدره بكلامها الجارح اللامحتمل ، وهزت كرامته كرجل .
زأر غاضبا : أصمتي أيتها الخرقاء اللعينة ، الحديث معك لا يسفر عن منفعة .
جر قدميه نحو الباب ، فتحه بقوة ، اندفع خارجا وطيف الماضي المخملي يحوم حوله في عزة وإباء .