المَهر

، بقلم فيصل سليم التلاوي

لم يتنفس الصبح بعد، وليس ثمة ما يكسر صمت آخر الليل سوى نباح كلب بعيد، وصياح ديكة أيقظتها خطوات الفجر القريب.

لكن إبراهيم كان قد اعتاد على وقفته المبكرة في طرف ساحة القرية، لينضم إليه تباعًا رفاقه في العمل، ثم ليحشروا أنفسهم بعد حين داخل صندوق السيارة المغطى بـ "شادر" يقيهم تساقط المطر أيام الشتاء, لكنه لا يجدي نفعًا أمام لسعات البرد التي تجمد الأطراف في الصباحات الشتائيه.

يتكومون داخل هذا الصندوق المعدني قرابة ساعتين، ما بين مسافة طريق و توقف عند حواجز تفتيش، وسماع الشتائم التي صارت معزوفة صباحية مألوفة لأسماعهم, مع أن عملهم ليس داخل الخط الأخضر - كما يسمونه - بل في شمال الضفة الغربية ذاتها.

كيف سيكون التفتيش والاستقبال الحار لو كنا ذاهبين عندهم في الداخل؟

همس أحد المتحلقين على بعضهم، ليدفئوا أنفسهم باقتراب أبدانهم و حرارة أنفاسهم.

وعقب آخر :

- هي عندهم أيضا, أليست مستوطنة؟

على أرضنا و نبنيها لهم بأيدينا ثم نطالب بإزالة المستوطنات, ترى هل يصدقنا أحد في هذا العالم؟

وماذا نعمل؟ خدمًا في مزارعهم و مصانعهم وبيوتهم؟ نطالع وجوههم ونستمع إلى سخريتهم بنا، و تعليقاتهم النابية كل حين، و نتعرض للاعتداء و الفصل من العمل كلما رمى أحد حجرًا أو زجاجةً أو عبوةً. أيكون ذلك أفضل؟
يكفي أننا لا نرى هنا غير المقاول و بعض المهندسين بين الفينة و الفينة.

نحمل شهادات جامعية و نشتغل عمال بِناء! ألا قاتل الله الشهادات و السنوات التي أضعناها ركضًا وراءها.
" انقعها واشرب مَيِّتها "

أنخرج للبحث عن عمل خارج البلاد رغم ندرته هذه الأيام؟

إن ذلك غاية مناهم. هم يريدوننا أن نغرب عن وجوههم أولاً، ثم تتبعنا عائلاتنا ثانيًا، وبهذا تفرغ البلاد لهم أرضا بلا سكان .

وماذا نفعل، أنجلس في بيوتنا دون عمل حتى نموت جوعًا نحن و من نعولهم؟

يكفي أننا اخترنا مستوطنة بعيدة عن قريتنا، إذا كنا لا نطيق العمل في مستوطنة على أرضنا الخاصة, أو لا يطيق أبناء قريتنا رؤيتنا نعمل في مستوطنة على أرضهم.

وعبّر آخر عن غيظه ساخرًا :

ما رأيكم أن نعقد اتفاقية تبادل مع أبناء القرى المحيطة بهذه المستوطنة, نعمل هنا ويعملون بالمقابل في المستوطنة المقامة على أراضي قريتنا، و نسمي ذلك " اتفاق الشجعان" .

ظل إبراهيم صامتًا طوال المسير على غير عادته, متلفعًا بمعطفه الداكن السميك, يقلب في رأسه جوانب الحديث الذي أفضت له به أخته منذ أيام، وكان قد طلب منها أن تفاتح جارتهم " خضرة " برغبته في التقدم لخطبتها، لكنه يريد أن يطمئن إلى رأيها وعدم ممانعتها أولاً، وقبل أن يرسل أهله خاطبين.

لقد أذهله الجواب الذي عادت به إليه أخته. تقول خضرة:

إنها لاترى فيه ما يعيبه سوى أمر واحد:

لم يسمع عنه أحد أنه رمى يوما جنديا أو مستوطنا بحجر، ولا شارك في تظاهرة، ولا دخل السجن مرة بتهمة انتماء إلى أي تنظيم وطني. كأن كل ما يجري في بلادنا لا يعنيه من قريب أو بعيد، وتردف قائلة :
إنه هادىء مسالم، من عمله إلى بيته، ولعل هذا هو ما تتمناه كل فتاة في شريك حياتها في ظروفٍ عادية، لكنها في ظروفنا تُعد نقطة ضعف، إن لم تكن موضع شبهة من بعض سيئي النية.
هكذا إذن يا إبراهيم، فتاة تعلمك أصول الرجولة!

كان أسبوع بطوله قد انقضى على اليوم الذي حملت له أخته فيه جواب

" خضرة "، أمضاه إبراهيم عاقدًا العزم على أن يُثبت لها و لجميع الناس، أن الهدوء والسكينة اللذان يلفانه ليسا هدوء وسكون الجبناء، لكنه بصمته هذا يحتج على عدم جدوى حجر يُرمى هنا، ورصاصة طائشة هناك تعود على الناس بأضرار تفوق أضعاف فائدتها. إنه يحتج على صرخات هوجاء، وتهديدات لفظية فارغة أمام كاميرات التلفزيونات، تستعدي علينا العالم ولا تقدم فِعلاً حقيقيًا.

ما فائدة هذه الاستعراضات بإطلاق زخات الرصاص في مواكب الجنائز و الأعراس ، وهذا التباهي الطفولي على إصدار البيانات و البلاغات الثورية، والتسابق على ادعاء العمليات التي يقوم بها أفراد عاديون غير منتمين لأي تنظيم .
تمنى إبراهيم في حلم يقظته ثورة من نوع آخر. ثورة توحد الشعب كله وراء قيادة واحدة مخلصة و نزيهة، تتقدم الشعب ولا تسوقه أمامها، ثم تتخلى عنه عند أول بارقة أو تلويحة يد من طرف العدو. لكنه في انتظار هذا اليوم الذي سيطول أوان قدومه، لن يبقى متفرجًا وصامتًا، وسيجعل "خضرة" تغير رأيها فيه.

لقد عزم على أمر، لكن من أين يأتي بأدوات التنفيذ؟ القنابل و المتفجرات لا يستطيع الوصول إليها إلا من ارتبط بتنظيم معين، وأنى له هذا التنظيم الذي سيثق به ويسلمه هذه المواد الخطرة في فترة وجيزة ؟

بذل أقصى جهده طيلة الأسبوع متنقلا بين شخص وآخر، ممن يُشار إليهم بأنهم ينتمون لهذا التنظيم أو ذاك. أوصله شخص إلى ثانٍ وثالث حتى اقتنعوا بخطته. ما أذهل إبراهيم أنهم لم يبذلوا جهدًا في التحري عن صدق نواياه، ولا في تدريبه على حسن استخدام المتفجرات، بل على مكان وضع البيان الثوري من جسده، وعندما فاتحهم برغبته في أن لا تُنسب العملية لأي تنظيم بل لمبادرته الفردية، وأن ذلك أقوى حجة في التدليل على أن الشعب كله، بكل أفراده وحتى أكثرهم هدوءًا وسكينة لا يطيقون صبرًا على الاحتلال. عندها أوقفوا صلاتهم به، وامتنعوا عن تزويده بالمتفجرات حتى رضخ لشروطهم، و وقع لهم على بطاقة انتساب لتنظيمهم.

لم يكن يوم إبراهيم هذا كسائر أيام عمله. إن نظره لا يغيب لحظة عن المكان الذي علّق فيه معطفه، وضمنه أمانته الغالية - مهر خضرة - النفيس، ومن جانب آخر فهو يديم النظر إلى الطريق الرئيسي، حيث مدخل المستوطنة متلهفًا لمجيْ وقت الضحى، ساعة حضور مقاول البناء الإسرائيلي ومعه لجنة الإشراف الهندسي، ترافقهم سيارة حراسة عسكرية .
إن إبراهيم يعد اللحظات عدًا وهو شارد عما حوله، ولم يعد فيه سوى عينين يقظتين مترصدتين، وقلبٍ يتقافز تحت ضلوعه كلما دنت الساعة المنتظرة. عندما صرخ أحد العاملين:

- " أجوا، الله لا يجيبهم "

تظاهر إبراهيم أنه يشكو من مغص في معدته، وأومأ لزملائه أنه ذاهب للاستئذان من الخواجا " شلومو " عن عدم قدرته على مواصلة العمل. توجه إلى حيث علّق بعناية فائقة معطفه العزيز، الذي يحوي كل عدته لهذا النهار، فارتداه وتوجه إلى الخواجا وصحبه وهو منحنٍ، يده تتحسس معدته، التي بدأت تؤلمه بشدة، وكأنها تستشعر مصيرها بعد لحظات. ما إن اقترب إبراهيم مسافة خطوة واحدة من عصابة الأعداء، التي تقف أمامه حتى دوّى انفجار هائل اهتز له المكان كله، وأودى بالعصابة جميعًا بين قتيل و جريح، وما بقي من إبراهيم سوى أشلاء تناثرت في أنحاء المكان.
عندما هرعت سيارات الشرطة والجيش إلى منزل ذويه في قريته البعيدة، لتقتاد كل أهل بيته للتحقيق والسجن بمن فيهم شقيقته، كان رجال القرية ونساؤها قد أذهلهم الخبر، وفاجأهم هذا الصامت الأبدي الذي نطق مرة واحدة.
من بينهم جميعًا كانت "خضرة" تمزق شعرها، وتلطم خديها وهي تحتضن شقيقته محاولة انتزاعها من بين أيدي الجنود، بينما شقيقته تقول لها بين دموعها الغزيرة:

لقد دفع مهرك غاليا يا "خضرة ".

ويختنق صوت " خضرة " بالعبرات و هي تجيبها:

- حرام عليّ الخُطّاب بعده، وسأظل وفية له ما حييت.