مجموعة "أشياء برسم الأكل" في ندوة مقدسية

، بقلم جميل السلحوت

القدس: 24-4-2014 ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس المجموعة القصصية "أشياء برسم الأكل" للكاتب الأردني أحمد القزلي الصادرة في العام 2010 في عمّان بدون دار نشر، وتقع المجموعة التي يحمل غلافها الأول لوحة للفنان أسامة النجار في 70 صفحة من الحجم المتوسط.

بدأ النقاش ابراهيم جوهر فقال:

في كتابه الذي ضمّ أفكاره ولغته وأسلوبه كتب (أحمد القزلي) ساخرا بلغته ومواقفه وموضوعاته ليدفع قارئه للتفكر والتغيير وهو يرى قبح واقعه ومأساويته وتناقضه.

اختار الكاتب لكتابه عنوانا لافتا يدعو قارئه للتوقف مفكرا ليتابع رسالة العنوان (أشياء برسم الأكل).

العنوان هنا ساخر ويتلاعب بالجملة المماثلة (أشياء برسم البيع). وسيعرف القارئ أن الكاتب يحوّر ويبدّل في الجمل والمقولات الجاهزة المتداولة ليحرفها باتجاه غايته التي يريدها الكاتب لتصير قولا جديدا ذا دلالة تبنى فوق سابقتها ، أو تتعارض معها ، أو تتقاطع.

قرأت الكتاب من صفحاته الأخيرة التي حملت شهادات وتعريفات وذكريات بأقلام أصدقاء الكاتب ومعارفه وزملائه. لقد سعيت للتعرف على الكاتب بما يقوله الآخرون عنه وفيه، ولم أعتمد على ما يقدمه النص الإبداعي الذي قد يظلم أو لا يكفي للتعريف. يكتب (أحمد القزلي) كتابة أدبية تعبيرية ؛ يكتب ما يخطر له، وما يفكر فيه، وما يريد الاحتجاج عليه، أو عرضه والتنبيه إليه، وغالبا –كما يبدو- يبقي النص كما كان لحظة ولادته فلا يعود إليه للتعديل والتحرير. جاءت مضامين الكاتب من واقعه وواقع ناسه ومجتمعه. ولأن الواقع يدعو للسخرية فإن الكاتب اختار السخرية أسلوبا للتعبير والنقل والمعالجة.

وعلى مستوى التصنيف الأدبي- التجنيس لم أجد مطابقة بين ما جاء على غلاف الكتاب من تعريف للجنس الأدبي (قصص قصيرة) وما هو منشور فيها؛ في المجموعة مقالات، وقصص قصيرة جدا، ومقطوعات، ونهفات، وتعبير أدبي ينتظر تصنيفه. الكتاب احتوى مزيجا من الكتابة التي اهتمت بنقل الواقع كما انعكس على مرآة الكاتب، وقد شهد لكاتبه بقدرته على الكتابة الساخرة.

وقال جميل السلحوت:

وهذه المجموعة التي تحوي عشرات النصوص تضعنا في اشكالية تصنيفها أدبيا...وتضعنا أمام سؤال هو: هل هي مجموعة قصصية كما سمّاها صاحبها؟ فالقارئ لهذه النصوص سيجد نفسه أمام نصوص تتراوح بين الخاطرة والمقالة والقصة والخبر والقصّة القصيرة جدا.

وواضح أن كاتبنا يؤرقه الهمّ الاجتماعي والسياسي في بلده وفي البلدان العربية، ولذا فهو يعالج بعض القضايا بطريقة ساخرة، وهو أسلوب محبب ويدخل عقل واحساس المتلقي بشكل سريع...ولديه القدرة اللغوية والمعنوية لقول وكتابة ما يريد...ولو تأنّى قليلا في نشر نصوصه، وانتبه الى الشروط الفنية لكتابة القصة لكان ذلك أفضل، خصوصا وأنه صنفها بأنها قصص. لكن يبدو أنه غارق في بحر الكتابات الشبابية التي تكسر قيود التصنيف الأدبي، وهذا حقه طبعا. تماما مثلما هو حق القارئ أن يتساءل عن مدى صحة تصنيف هذه النصوص كقصص قصيرة، أو أقاصيص. مع التأكيد على أنّه حتى أيامنا هذه لم يستقر رأي النقاد على حصر القصّ الوجيز في تعريف جامع مانع، وإن أجمعوا على بعض شروط هذا الصنف الأدبي مثل التكثيف اللغوي، والدهشة والضدية.

وهذا لا يعني أن الكاتب لم يقدّم شيئا، بل العكس فأسلوبه الساخر لافت، ومضامين نصوصه لافتة أيضا.

وقال عبدالله دعيس:

أشياء برسم الأكل، عنوان محير لمجموعة من النصوص، يثير من خلالها الكاتب، أحمد القزلي، الحيرة والقلق في نفس القارئ قاصدا، متعمدا، دافعا له للتفكير فيما وراء سطوره القليلة في كل نص والتي تحمل أبعادا وظلالا مختلفة. يصنع الكاتب في نصوصه من التهكم والسخرية وترا يعزف به على تناقضات المجتمع الذي يرهق الكاتب بسلبياته وسلبيته، يحاول الكاتب أن يشير إلى مواطن الضعف فيه وأصل العلة وموطن الداء، ويرقب التغيرات التي تحدث في المجتمع والمحاولات لتغيير الواقع والتي ما هي إلا ردات فعل لا يبدو أنها تقنع الكاتب، ولا يبدو الكاتب متفائلا بإمكانية التغيير.
يبدأ الكاتب في أولى قصصه برسم صورة للمجتمع الذي يصبو إليه والحياة الكريمة التي يتطلع لها. لكن الأمر ليس ميسرا، فأعباء الدنيا ثقيلة، وهموم المجتمع عظيمة لا يستطيع أن يتحرر منها ولا أن يتقدم أي خطوة إلى الأمام. يعبر عن هذا بصورة تلك السيدة الثقيلة التي تدوس قدمه في الشارع الذي ينوء بالناس الحاملين لهمومهم، فتمنعه من مجرد التفكير في تلك الحياة الكريمة التي كان يرجوها.

ثم ينتقل إلى قصته الثانية أشياء برسم الأكل والتي يختارها لتكون عنوانا لمجموعته، وهي تجمع الكثير من الأفكار والملاحظات في نقد مجتمعه والتي يبثها لاحقا في بقية نصوصه وقصصه. ففيها يعبر عن تمرده على واقع لا يستطيع تجاوزه، ويحتج على القدر الذي يجره دون إرادة منه، ويظهر يائسا من تحقق أحلامه، ويسخر ممن ينادي بالقناعة والرضا بالواقع أو ممن يدعي النقاء والطهر في مجتمع تلوث جميع أفراده بأدرانه. وينهي قصته بالدعوة إلى التمرد على الواقع القاتم مع أنه يدرك أن النهاية لن تكون سعيدة، كالبيضة التي تغادر قشرتها بعد عناء لتقع في المقلاة. والكاتب يقع هنا في تناقض بين انتقاد الرضا بالواقع وإظهار أن التمرد عليه قد يقود إلى التهلكة.

وفي هذه المجموعة يعمد الكاتب إلى إنطاق الجمادات والحيوانات لتعبر عن مشاكل مجتمعه البائس، وكأن المجتمع الصامت تنوب عنه هذه الجمادات التي يزدريها بالاحتجاج والمقاومة، فهو يريد أن يحرك هذا المجتمع ويقول له كن كتلك الجمادات على الأقل. فنجده يجري حوارا بين الأحذية ليعبر عن مدى الفقر والحرمان. ويجسد الأواني وأدوات المطبخ ليعبر عن الخوف من التغيير، وينطق فنجان القهوة والدلة لينتقد التقصير في الاقتصاص من المذنب. ويذكر الأرنب الذي يخلع أذنيه ويفر من جحره للتعريج على السلبية التي تلتبس الكثيرين، وكلب الشيخ هو ذلك المخبر الذي يلهث وراء أخبار أبناء وطنه خدمة لأصحاب الكروش المنتفخة. ويمثل للرجولة التي افتقدت بالديك الذي خلع عرفه وقرر أن يتحول إلى دجاجة.

ويبرع أحمد القزلي في استحضار شخصيات خيالية انغرست في أذهان شريحة واسعة من المجتمع، خاصة الذين عاصروا حقبة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ويوظفها بذكاء لبث أفكاره المختلفة ثم يلفت انتباه القارئ إلى أن هذه الشخصيات قد أصبحت من الماضي، وكأنه يقول له تحرر من ذاكرتك القديمة وانهض نحو مستقبل أفضل. ف(عمي منصور النجار) الذي ألف الأطفال رؤية صورته ضاحكا سعيدا في كتب الصف الأول الابتدائي يتمرد على مفهوم القناعة ويتخلى عن منشاره ويسعى لحياة أفضل ولكنه يقع ضحية طموحه، فالمجتمع الذي يحيط به ليس بنفس البراءة التي كان يظنها، فالأقوياء لا يتركون متسعا للضعفاء لكي ينهضوا. وشرشبيل يمثل الأشخاص الذين يدعون ما ليس فيهم ويقومون بالخداع والتضليل. وغريندايزر، تلك الشخصية الكرتونية القديمة، لا يمكنها أن تبقى جذابة لجميع الأجيال، فيستخدمها الكاتب لانتقاد أولئك الذين لا يحبون التجديد ويدعوهم إلى إلقائها في مكب الخردة. ويستخدم شخصية على بابا في نقد من يطلب الرزق وينتظر الغنى دون أن يسعى للحصول عليه. وينتقد من خلال شخصية السندباد البحري، الذي جاب البحار والمحيطات، السياسات التي تؤدي إلى عدم توفير السكن المناسب للناس وتلزمهم أضيق الأماكن. والمحقق كونان يفضح القمع والاضطهاد الذي يعانيه أبناء المجتمع. وقصة الضفدع والأميرة رسالة إلى الحكام والمتنفذين أن عامة الناس تسعى للحياة الكريمة وليست للمناصب والسلطة، التي يقمعونهم من أجل الحفاظ عليها. وأليس تزور بلاد العجائب لكنها لا تقابل أولئك الكبار الذين يأبون سماع النقد والنصيحة.

ومما يميز نصوص أحمد القزلي أنه عندما يتعرض لمشاكل الأمة، لا يقوم بحصر اللوم على الحكام والأغنياء والمتسلطين، وإنما ينتقد السوس الذي ينخر في جسد المجتمع العربي ككل، فيوجه سهام نقده إلى الجميع دون تمييز. فيعلن تمرده على مفهوم القناعة الذي يؤدي إلى الخنوع وعدم الحركة نحو مستقبل أفضل، وفي الآن ذاته ينتقد الأقوياء الذين لا يتركون مجالا للضعيف أن يتقدم مهما حاول النهوض. وينتقد الذين يتشبثون بأفكارهم ويجمدون عليها ولا يحاولون التغيير، أو أولئك الذين يتشبثون بالشكليات ويتركون الجوهر. ويعبر عن غضبه من هذا العالم المادي الذي حول الإنسان إلى مجرد رقم وجرده من إنسانيته. وينتقد بشدة أولئك الذين يتخلون عن كرامتهم ويداهنون الحكام ويتملقون للكبراء من أجل مصالحهم. ويعرض بالذين يأخذون النصوص ويطبقونها بحرفيتها دون إعمال فكر، فتؤدي إلى نتائج لم تكن بالحسبان، وأولئك الذين يظنون أنهم يستطيعون تغيير كل شيء دون إدراك لصعوبة الأمر، فهناك من يضحي بنفسه دون فائدة ترجى.

أما أولئك الذين يتصدون للتغيير في المجتمع، فإن الصراع ينشب بينهم وتكون النتيجة خسارتهم وانحياز بعضهم إلى الخصم وبقاء العدو مسيطرا قويا. ومن الناس من يرى أي حركة في المجتمع مؤامرة خارجية لاجتثاثه فيرضون بواقع ظالم. وينتقد الكاتب بشدة كبت الحريات ومنع الناس من التعبير عن أنفسهم وأفكارهم. ويرى أن محاولات التغيير تكون في كثير من الأحيان متسرعة غير محسوبة. وفي النهاية فإن تخاذل الناس هو ما يترك المجال للطغاة أن يرتعوا في مقدراتهم.

يصيغ الكاتب أفكاره هذه كلها في مجموعة من النصوص يطلق عليها قصصا قصيرة. والكثير منها نصوص أدبية معبرة، لكنها لا تتناغم مع البناء الفني للقصة القصيرة بل هي نمط مستحدث مختلف. ويمكن أن تصنف معظم نصوصه كقصص قصيرة جدا، فهي تحمل طابع القصصية وتعتمد على الرمز والإيحاء بجمل قصيرة معبرة. وقد اختار الكاتب عناوينه بعناية، فهي في مجملها مرتبطة بالمعنى المراد من القصة تأديته، وفي كثير من الأحيان تقود إلى الأقصوصة التي تليها وتفتح المجال لها. ولغة الكاتب بسيطة، وإن كانت عباراته مبهمة أحيانا ومضامينه مبطنة بشكل رصين داخل النص. ولكن حبذا لو كان إخراج الكتاب وطباعته وترتيبه أفضل من ذلك، وحبذا لو ضبط الكاتب علامات الترقيم والوقف واستخدمها لتأدية أغراضه من قصصه وتوضيح مراميه ومعانيه.

إن انتقاد السلبيات في الوطن لا يعني التنكر له، لكن الكاتب لا يبدو متيقنا من هذا، فيقول في نص وطن (سأل روبنسون كروزو نفسه ذات جزيرة ... يا ترى أيهما سأفتقد أكثر؟ الوطن الذي ضيعت، أم الوطن الذي صنعت؟) فجميع الأماكن في وطنه تذكره بالبؤس والحرمان كما يفصح في نص الأماكن ص 45. وينهي الكاتب مجموعته بقصة نهاية، يذكر فيها الظالمين والمتخاذلين أن نهاية الجميع واحدة ألا وهي الموت. "الكلب الذي مات قبل قليل، لم يكن يشكو من أي مرض مزمن، ويملك أسنانا قوية صاحبة خبرة طويلة في العض، ولكن الرواية تقول أنه تعرض لحادثة دهس مؤلمة وفقد خلالها ذيله، من يومها وهو يحتضر."

وشارك في النقاش عدد من الحضور منهم: محمد الطويل، طارق السيد، رائدة أبو الصوي، سوسن الحشيم وصلاح الزغل، واستمع الحضور الى قصيدة للشاعرة سعدية جوابرة وقصيدتين للشاعرة الصاعدة والمبدعة عرين خليل، وخاطرتين للكاتبة الواعدة عرين عبدالله؟


جميل السلحوت

كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف