الضمانات الدستورية والقانونية للعملية الانتخابية الدكتور عادل عامر

ونظراً لأهمية الانتخابات وما يترتب عليها من آثار، عمل المشرعون على إحاطتها بالعديد من الضمانات للحفاظ على سلامتها وانتظامها مما يكون له أثره النهائي على العملية الانتخابية ككل ، وتوفر هذه الضمانات حماية للناخبين والمرشحين وحتى للقائمين على سير العملية الانتخابية، غير انه يتعين القول ، أنه مهما كانت هناك ضمانات دستورية وقانونية لإنجاح عملية الانتخاب، فإن هذه الضمانات لن تحقق النجاح المبتغى والمنشود ، إلا إذا آمن الجميع ـ بمن فيهم السلطة التنفيذية ـ بالديمقراطية وسيادة الشعب وسيادة القانون، فهذا هو الضمان الأساسي والأكيد لنجاح إن الإطار القانوني هو عبارة عن مجموعة الأنظمة القانونية المتعلقة بحقوق الانتخاب التي يستخدمها المواطنون لانتخاب ممثليهم.

ومع ذلك، فان الإطار القانوني للانتخابات قد يشتمل أيضا على اللوائح الانتخابية التي تخول المواطنين لاستخدام السلطات العامة بشكل مباشر (من خلال استخدام الوسائل القانونية لتحقيق الأغراض التشريعية، وتحديد السياسات العامة، وعزل أي موظف عمومي من منصبه. فالبشرية حينما وجدت ضالتها في الديمقراطية، ووسيلتها الانتخاب ، لا يعني ذلك أنها قد نجحت في تطبيق مبدأ الانتخاب على نحو مثالي من الوهلة الأولى، بل إن ذلك تطلب مرور فترة ليست قصيرة من الزمان إلى إن أصبح اليوم لا يوجد أي مجتمع ـ أياً كانت أيدلوجيته ـ يُنكر على إفراده الحق في إدارة شؤونهم العامة عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة.

كما إن واحدة من الإشكالات التي عادةً ما تنسى هي حداثة الكثير من الحقوق الانتخابية التي يؤخذ بها في الوقت الراهن على أنها أمر مسلمٌ به، فالاقتراع العام لا يرجع في نشأته إلا إلى بدايات القرن العشرين يمكن لأي إطار قانوني ينظر له على أنه مجموعة من القواعد الدستورية، والتشريعية، والتنظيمية، والقضائية، والإدارية أن ينظر له كذلك على أنه وسيلة إجرائية تهدف لتعزيز الديمقراطية التمثيلية أو غير المباشرة.

تجدر الإشارة إلى أن الانتخابات ليست الطريقة الوحيدة لانتخاب المسئولين العموميين (حيث نجد حالات من التعيين القانوني أو العشوائي، كما إن هناك انتخابات تقوم بها بعض المؤسسات مثل مجالس إدارة الشركات التي لا تخضع لأية قوانين انتخابية)، كما وان الانتخابات لا تستخدم فقط لتعيين المسئولين العموميين. ففي واقع الأمر يستخدم المواطنون الانتخابات لقبول أو رفض مشاريع القوانين، أو القرارات الحكومية أو المتخذة من قبل أية سلطة عامة (كالاستفتاء العام، والمبادرات التشريعية واستفتاءات سحب الثقة أو تأكيدها والمستخدمة لهذه الأغراض).

لذلك، فهي لم تدفع بصفة آلية إلى تكريس فكرة الفرد الناخب، الضرورية للتعبير عن حق الاقتراع كما هو معروف اليوم. ثم جاءت، بعد ذلك، النظريات التعاقدية للسلطة، مع لوك على وجه الخصوص، لتحدث نقلة في محتوى نظرية سيادة الشعب. فهي تصور سلبي للسيادة يقوم على الحد من الاختصاصات الملكية إلى تصور إيجابي لها يرتكز على فكرة الحكم الذاتي وعلى الدفاع عن الحقوق الشخصية للفرد. ولكن هذا التحول، الذي عرفته نظرية سيادة الشعب مع لوك، لم يصل كذلك إلى الحد الذي يمكن من الحديث من المواطن الناخب بصفته يمتلك جزءاً من السيادة.

ولم تؤد نظرية سيادة الشعب في عصر الأنوار كذلك إلى الاعتراف بالاقتراع العام نتيجة للتأويل الضيق الذي أعطاه الفلاسفة لمفهوم الشعب بالرغم من أنهم يجعلون مصدر السلطة فيه. فالشعب لا يمثل في فكر مونتاسكيو وروسو وعند أصحاب الموسوعات سوى وحدة أو صيغة فارغة من كل محتوى اجتماعي. فهو ليس معطي واقعياً بل هو عندهم بناء نظري. وهكذا فإن المفهوم الفلسفي للشعب في القرن الثامن عشر كان بعيداً كل البعد عن كل اعتبار متصل بالعدد. "فليس أغرب على روسو ومونتاسكيو وعلى أصحاب الموسوعات من تقريب فكرتي الشعب والجماهير كما يشير إلى ذلك جورج بيردو، فالفكر السابق للثورة اهتم بتصور إرادة شعبية لا تعبر عن قانون الأغلبية لأن العدد لا علاقة له بالبناء الفقهي لمفهوم الشعب. فلان العدد لا يكون الشعب، يمكن أن تقوم سيادة الشعب على الاقتراع المقيد، ولأن قانون العدد يبدو غير قادر على إضفاء المشروعية على الطاعة، أدخله روسو، بعد تطويعهن في نظريته للإرادة العامة".وينطلق هذا التصور للشعب، عند فلاسفة القرن الثامن عشر، كما يؤكد ذلك جورج بيردو، من الرغبة الصادقة في التحرر من كل أنواع القيود التي لا تزال تكبل الشعب وفي تحقيق سعادته والارتقاء بمستواه الفكري والأخلاقي ولكن، وفي ذات الوقت، من احتراس لا يقل عمقاً من كفاءته السياسية. فكل شيء للشعب، ولكن القليل فقط بواسطته. ذلك هو الشعور العام، بالرغم من التلميح الذي يحيط به، عن الشعب صاحب السيادة. وقد تأكد هذا الشعور منذ بداية الثورة الفرنسية في أعمال السلطة التأسيسية، ولا أدل على ذلك من حق التصور الذي كان سائداً عند أعضاء هذه السلطة ومن مواقفهم إزاء حق الانتخاب. فمسألة الاقتراع العام لم تطرح عندهم بصفة جدية على الإطلاق. ثم بدأ هذا التأويل لمفهوم الشعب في الانحسار شيئاً فشيئاً ليترك مكانه لتأويل جديد يمنح كل المواطنين الذين يعيشون في بلد معين وفي وقت محدد جزءاً من السيادة. وفي هذه الظروف يصير حق الانتخاب مرتبطاً بالضرورة بصفة المواطن. ففكرة الاقتراع العام لم تكن موجودة في القرنين السادس عشر والسابع عشر بالرغم من الحديث عن سيادة الشعب. فكيف تم الانتقال من سيادة سلبية يمتلكها الشعب إلى مفهوم حديث للفرد المواطن الناخب؟ ليس من اليسير البحث في هذا التحول. فبانتقال السيادة من الملك إلى الشعب كهيئة جماعية لا كمجموعة أفراد، تم الدخول الجماعي في السيادة، وهو دخول تحقق بصفة منفصلة عن الرؤية الفردية للمواطن، ولكن مع التأكيد المتدرج على المبادئ الثلاثة للمساواة وللفردية وللطابع العام للحقوق السياسية. فكل فرد صار مالكاً لجزء من السلطة السيدة، وحق الانتخاب سيتحول في المستقبل أداة لتحديد وضع اجتماعي، وضع الفرد الحر والمستقل وفي نفس الوقت أحد أفراد الشعب صاحب السيادة. وإرادة الشعب ليست سوى مجموع هؤلاء الأفراد.

ومع التأكيد المتدرج على المكانة الأولى التي تحتلها الإرادة الشعبية، بدأ التأكيد على ضرورية تنظيم السلطة تنظيماً يسمح بالتعبير الفعلي عن هذه الإرادة. فالسلطة يجب أن تجد أساسها في الشعب لأنه هو مصدرها. والاقتراع العام، في هذه الصورة التي تمثل أساس الفكرة الديمقراطية، هو الوسيلة الضرورية التي تمكّن من التعبير عن طريق حق الانتخاب عن هذه الإرادة بطريقة طبيعية إما بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة.أنها غالبا مايكتبها ويشرعها فئة حاكمة تفرض إرادتها وفكرها على المشرعين دونما تلبية لحاجات الناس، ودونما مشاركة فعلية منهم، إذ إن المجتمعات العربية لازالت غالبا تنوء تحت سلطات غير آبهة برأي الأغلبية التي تعودنا إن ندعوها الأغلبية الصامتة والتي همشت وتراجعت وجرى تجهيلها وتغييبها فبات الأمر اعقد من ثورة تسقط رموزا سياسية وتستبدل أشخاصا وهيئات إنما الثورة هو تغيير المعتاد في مجتمعاتنا العربية وتغيير علاقة الأشخاص بالدستور أو القانون الذي لا يشعر الإنسان العربي بأهميته لبعده عن واقعه وتلبية حاجاته الحياتية وهذا الخلل مرتبط بالتفاوتات الطبقية في المجتمعات العربية التي توصل بعض الأشخاص لمراكز القرار لا على أساس الكفاءة إنما على أساس شطارة الوصول إلى ذلك المركز بشراء ذمم وأصوات وأدوات إعلام مما يعطل عمل أي هدف أنساني للدستور وغايته في تنظيم المجتمع, ويقول جان جاك روسو في العقد الاجتماعي: ((إن النظام الاجتماعي العادل والسليم, هو الذي يستطيع تنظيم الثروات في المجتمع, حيث لا يكون هناك غني جدا يستطيع شراء الآخرين, وأن لا يكون هناك فقير جدا يضطر لبيع نفسه للآخرين)) وهذا القول يقودنا إلى مسألة هامة وهي أن فعل الانتخابات الديمقراطية ينتفي تماما في مجتمعاتنا التي يتم فيها شراء الأصوات بالمال ولدى كل واحد منا أمثلة كثيرة في ذهنه على واقع الانتخابات في عالمنا العربي وإفساد هدفها الأساس وهو إيصال من يستحق لموقع القرار ووضعه في أعلى سلطة تشريعية في البلاد وهي البرلمان. إذن لابد من ضوابط دستورية للعملية الانتخابية تعيد قيم الانتخابات على أسس صحيحة بعيدا عن فساد أصحاب الملايين وجرائم ذوي الياقات البيضاء.

إن فكرة المواطنة الحقة تتطلب الابتعاد عن فكرة المحاصصة التي تهدم ولاتبني, ولنا في تجربة لبنان والعراق أسوة بما وصلت إليه هذه البلدان من تراجع في الكفاءة السياسية وتراجع في فكرة الالتزام بالوطن وتعميق المواطنة, لان المحاصصات التي جاءت على أي شكل كان طائفيا أو قوميا أو دينيا أو سياسيا, تؤدي إلى اصطفاف كل فرد مع انتمائه ذاك, فيكون الولاء للجماعة أو القومية أو الطائفة على حساب الانتماء للوطن. فتتراجع فكرة المواطنة ويسود الفساد السياسي وإمراضه الكثيرة, مما يؤدي بالخراب الأعظم حيث يتفتت أبناء الشعب الواحد وتخلق النعرات والحروب خاصة في مجتمعاتنا التي خلفت لها الدكتاتوريات كوارث الأمية والجهل والبطالة.