ما قيمة النقد الادبي؟ جعفر حسن

ربما لم يطرح سؤال ، في ثقافتنا العربية الاسلامية المعاصرة ، يتعلق حول قيمة النقد بعامة والنقد الادبي بخاصة ، ولعل ذلك مرده إلى النظرة الشعبية السائدة عن النقد ، واعتباره مجرد اظهار للعيوب ، ذلك الاظهار الذي يقف في طرف نقيض لثقافة تمتلئ بمقولات تحاول ستر العيوب وإخفائها ، تلك الفكرة المهيمنة على قطاع واسع من الثقافة العربية الاسلامية ، لها أصول تتعلق بالتبعية للسلطة ، وتنشر عبر دعوات سياسية مبطنة بالدعوة الدينية ولكنها تشتغل في الافق السياسي لتعمق مسألة مداهنة السلطة السياسية.

ولكن فكرة الستر لم تقف في حدود المسألة السياسية ، حيث أن السلطة السياسية في مجتمعاتنا تعتقد انها أكبر من الثقافة والمجتمع برمتهما ، وبذلك نجد فكرة الستر والتغطية على العيوب تنتقل في كافة فواصل الحياة الاجتماعية والسياسية ، فحتى النظر إلى العلاقات الانسانية تدخل فيها مسألة الستر وليس قضية الزواج الا ما يصنف تحت حد الستر ، مما يجعل قطاعا واسعا من الناس ترفض رفضا قاطعا مسألة النقد برمتها ، مع أن ذلك يتقاطع مع الفهم الحديث لمسألة النقد.

حياة وموت الفن

إذ لم تعد ادوار النقد الادبي تحض على استقصاء اخطاء الاخرين الكتابية والتعبيرية ..الخ ، ولكنها تحاول جاهدة تبيان الجميل في الابداع الانساني ، ذلك الذي يجعل الانسان أكثر انسانية في حياته العامة والخاصة ، بينما يطور نظرة الانسان العادي باعتباره متلقيا لما ينتجه المبدع في ماضي الامة وحاضرها ، وذلك على اعتبار أن التربية تقوم على ملء فضاء الروح بالجميل من ابداع الامة ، وتفهم المضامين التي تظل تحمل ذلك النص عبر التاريخ الادبي مما يشكل محورا جوهريا في هوية الانسان المعاصر في بلادنا العربية.

ولعل النقد الادبي يتطرق في بعض الاحيان إلى تلك الحالة التي تقوم في تجاور الابداعات الانسانية المنتجة ضمن مدارس مختلفة وربما متضادة باعتبارها مرآة لروح الانسان الفرد عبر تاريخ الامة ، بينما يشير النقد الادبي إلى أن النصوص المبدعة تذهب عميقا بالنسبة لما تحويه من الابداع التي تبثه الروح الوثابة التي تشخص ذاتها في النص لتظهر امكانيات تملك اصحابها للموهبة الضرورية للإبداع الذي يتشكل عبر تاريخ الامة على شكل موجة بها قيعان وقمم ، بينما تشكل القمم ما يبقى في ذاكرة الامة عبر التاريخ تظل القيعان تعبيرا عن موت الفن.

حجج الحواة

وبتخصيص مسألة النقد الادبي نجد أن هناك حجج كثيرة تطرح على اساس انها تقويض جذري لجدوى النقد الادبي ، فمنها أن هناك ميادين آخرى يمكنها ان تدرس العمل الادبي مثل علم النفس وعلم الاجتماع وتاريخ الفن ، تلك الدراسات يمكنها أن تحدد بشكل أكبر قيمة العمل الادبي من النقد ، ورغم ذلك فإن علم النفس وعلم الاجتماع وتاريخ الفن ليسوا ببعيدين عن تفهم مدارس النقد الادبي ، وهو يتبنى مناهج تحيل على تلك العلوم وتوظف نتائج آليات اشتغالهم ، بل تشكل بعض اعمالهم جزأ من المناهج التي يتخذها النقد الادبي.

ولكن علم النفس وعلم الاجتماع و تاريخ الفن ينظر كل منهم إلى العمل الادبي باعتباره موضوعا خاصا ينتمي لمجال دراسته وإنما ينظر اليه كل علم على اعتبار اتجاه دراسته ، وينفرد النقد بالكشف عن جماليات العمل وخصوصيته التي تنبع منها قيمته التاريخية والاجتماعية وحتى تأثيراته النفسية على المتلقي ، وبالتالي نرى أن تكل العلوم والدراسات الاجتماعية والنفسية وتاريخ الفن تترك مسائل جوهرية عن العمل نفسه لا تمسها كما يفعل النقد الادبي ، فيناقض النقد الادبي نظرية الانعكاس المباشر للحالة الاجتماعية للفن وإن كان يؤول في نهاية المطاف إلى حاضنته التاريخية التي تتشكل في افق المجتمع من حيث مستوى التقدم والتراكم التاريخي والذائقة العامة للمجتمع الذي كتب فيه النص ، بل يمكن أن يذهب النقد إلى ابعد من ذلك في قراءة الابداعات التاريخية وفتح افق التوقع عن المتلقي.

فخاخ الجميل

ومن تلك الحجج أن تشريح العمل الادبي يقوم بقتله ، وبالتالي تفقدنا الاهتمام بالأدب والشعور بجماليته ، بينما تكون عملية التواصل مع النص ككل ودفعة واحدة هي الكفيلة بالشعور بقيمة العمل الادبي من خلال تجربة شخصية مباشرة للمتلقي ، ولعل هذه الحجة تتمتع بكثير من القوة ، ولكنها تغفل مسألة مهمة غاية في الاهمية تتعلق بكون النقد الادبي يرفع ذلك الاحساس الشخصي للمتلقي بتملكه للأدوات الفنية النابعة من دراسة النقد الادبي للنص ، وكذلك تشريحه له ، ولكن ذلك التشريح لا يبقى في نهاية المطاف النص مزقا مرمية على قارعة الطريق ، بل يعطي المتلقي أدوات يستطيع من خلالها التواصل بشكل افضل مع النص باعتباره تعبيرا عن كلية المبدع ، ولكي يدرك المتلقي مكامن الجمال التي ربما تفوت القارئ العادي ، وهي تتحرك امام ناظريه وتشع ضمن كمائن اللذة التي ينصب فخاخها المدع للمتلقي ، وكلما وقع المتلقي في تلك الفخاخ فاته مفاتيح الفخ الجميل.

ولعلنا المتلقي كما الناقد الادبي باعتباره كذلك يعاني الامرين لشدة حرص المبدعين على الذهاب في تجاربهم الخاصة إلى مديات بعيدة ، بينما يقف التعليم عند عتبات تقليدية من آليات فهم النص والتواصل معه ، وبذلك نستشعر أن النقد الادبي ليس حالة نهائية بل انها حالة تحريضية للمتلقي كي يعاود قراءة العمل بأدوات جديدة تجعله يدرك مناطق قد تكون غائبة عنه وعن المبدع ذاته ، وبذلك يكون النقد الادبي عمليا قائما باعتباره جسر ممدود بين المبدع المتفلت والقارئ المتشوق ، كما يفتح النقد الادبي مجالا نحو تطوير التجربة الابداعية بتنبيه المبدع نحو ما يشتغل في خلفية وعيه وهو يبدع نصا ما يتجلى فيه كما يقود المتلقي ايضا.

فرادة الحجة

ويبدو أن من الحجج التي تقف ضدا على عمل النقد الادبي ، وتحاول تقويضه باعتباره عملا غير نافع من الناحية العملية ، فيطرح البعض تلك الحجة بشكل يدل على أن النص الابداعي حالة فريدة لا تتكرر عبر تاريخ الفن ، ولعله من المستحيل كتابة قصيدتين في الشعرية العربية بذات الالفاظ وبذات التسلسل دون أن تكون احداهما نسخة من الاصل ، ويبدو ان النقد الادبي يتفق مع فرادة العمل الادبي ، ولا يمكن ابدا ان يدعي غير ذلك وهو ما يجعل الحجة السابقة تقف إلى صف النقد وليس ضده إذ انها تخرج من تنظيراته الاساسية.

ولكن الناقد الادبي عند دخوله وتحليله للأساليب المتبعة في فنون الكتابة يقع على قوانين تنبع من ذات العمل الادبي ومن فرادته بالذات ، وهي التي تخلق مجالا واسعا لظهور التقاليد الفنية الادبية ، التي تميز في كثير من الاحيان بنية العمل الادبي ، باعتباره جنسا ادبيا ، على الرغم من اننا نستطيع الدخول في جدل حول تلك الحدود الرجراجة التي لم يعد بعض النقاد والمبدعين على حد سواء يؤمنون بها ، ولذلك مثلا طرحت مسألة النص المخترق لكل الاجناس الادبية ، ولكنها ، إي المحاججة ، تظل داخل اطار النقد الادبي ، الذي يمسك بزمام تلك المناقشات المحتدة.

وبالتالي يرى النقد العام الكامن في داخل الخاص ويستجليه من اجل تجربة أكثر غنى على المستوى الاستمتاع بالأدب او على مستوى الامساك بتشكلات المعنى المتفلت نحو ظلال المعنى ، كما يذهب النقد الادبي نحو أدبية الادب ودراستها ، وتلك التي تكون متعالية نسبيا عن الانتاج المتحقق بالفعل ، وبالتالي يعطي قيمة بناء على مستوى الاقتراب من تلك الادبية للنصوص ، وهو ما يجعل المتلقي اكثر استعدادا لتمييز الغث من السمين ويتلافى كثيرا من الاخطاء التي وقع فيها النقد الادبي في السابق.