هل أصبحتُ أغرّدُ خارج السرب؟

، بقلم فراس حج محمد

حول مقال «الأدباء والطبقات الفقيرة»
نشر المقال في موقع «ديوان العرب» بتاريخ: 5/3/2014

ربما يكون للآخرين آراء أخرى، هكذا عليّ أن أفكر، وهكذا علي أن أتوقع، فالسجال أضحى محتملا في كل فكرة مهما كانت، فما بالكم بفكرة صادمة كفكرة هذا المقال "الأدباء والطبقات الفقيرة"؟ إذ بينت ما عليه الأدباء من استغلال برجوازي عنيف للفقراء وقضاياهم، وهذا ما جعل المقال يصطدم بقناعات كثيرين، وربما جرح مشاعر كتاب آخرين كشف عما بداخلهم من مشاكل وانفصام، ولست أول من فتح الجرح في هذا الجسد المسجى الآيل للموت، فقد تجد شيئا من ذلك في أدب الطاهر وطار، وأحمد مطر، وعبد الرحمن منيف وغيرهم ممن تحدث في هذا الموضوع.

يبادرني هذا التعليق على المقال، إذ ترى صاحبته "أن مقالتي هذه فيها تجنٍ على الأدباء، إذ أعمم سوء النية من وراء كتاباتهم عن الفقراء؟!"، ومع ذلك فإنها ترى ما رأيتُ بعد ذلك لتقول: "نعم هناك الكثير ممن اتخذ الفقراء مادة دسمة لكتاباته، ليزيد رصيده المادي والشعبي، لكنهم لا يعممون، ولا يبطل ذلك من أن هناك رسالة سامية وأدبا ملتزما تجاه هؤلاء، فهل جبران وإيليا أبو ماضي كانوا من هؤلاء المنتفعين، وماركيز وفكتور هوغو هل كانوا من هؤلاء أيضا".

فيا ترى كم يكون الأمر خاصا أو عاما فيما طرح آنفا؟ ولعلني لا أبالغ إن قلت: إن أغلب الكتاب والمبدعين أصبحوا أثرياء من وراء هؤلاء الغلابى الكادحين المرهقين، ولذلك فأنا أشك بكل (أديب) تسلق الفقر وصعد على أكتاف هؤلاء الكادحين.

ويرى بعض القراء أن بعض الكتاب والمبدعين اتخذوا ظروفهم بشتى أوجهها منبعا للكتابة من نفي أو سجن أو إصابة بعاهة ومؤثرات بيئية متعددة، "فخلط بين الحقيقة والخيال مبدعا من أشعار وسرديات"، وهنا برأيي يكون الكاتب أكثر إمتاعا وإقناعا، فليس بحاجة ليتلبس معاناة الآخرين فعنده ما يكفيه، وكأن هذا القارئ الحصيف يسلم من طرف خفي بفحوى ما ذكرت في المقال.

ويستفز المقال قارئا ثالثا، فيكتب قائلا: "قرأت ما كتبته وأفزعني واستفزني ما فيه حد الرد عليه، فمن المعروف أنه لا يطلع على نوايا القلوب إلا خالقها ولا يتيسر للبشر فهم النية إلا بارتباطها بالفعل، فكيف تجزم أن دافع الأدباء الذين يكتبون عن الفقراء هو فقط الربح والشهره، لماذا لا يكون دفاعا عن الفقراء؟ ولماذا لا يكون تصويرا رأوه مناسبا لحالهم، ولماذا لا يكونون قد وجدوا قضية واضحة المعالم وسهُل على بعض منهم الخوض فيها ببساطه؟ ثم ما هو العيب إن أبدع أحد ما في عمله أن يحصد نتيجة ذلك جوائز معنوية ومادية؟ أراه ليس عيبا ولا حراما، أرى أن تلك النظرة في الفصل بين الأغنياء والفقراء ودوافع كل منهما في أعماله ليست ضروريه أو منطقية وربما خاطئة"، ثم ينصحني أن أقرأ في كتاب دين أو علم نفس قرآني لأرى خطأي، ويستطرد بإسهاب "ثم السؤال الأهم لماذا أسقطت عليهم نية استغلال القضية؟ ألأنهم كتبوا عنها وصفا؟ وفي نفس الوقت تكتب أنت عنها دفاعا، أليست نفس القضيه؟ أم أن المعيار اختلف؟ ولأني لا أخوض في النوايا فتساءلت و لن أجيب" ثم يختم تعليقه مبينا أن وجهة نظره هذه "ليست جديده ولكنها متوافقة مع كبار الكتاب والمفكرين، ممن لا يحتاجون شهرة أو مالا ولديهم حب طبيعي للإنسانية أغنيائها وفقرائها".

لقد أحببت أن أثبت غالبية الكلام هنا حرفيا دون تصرف، ليرى القارئ الحصيف كم يبدو الكلام براقا جميلا، ولكنه خاو من المعنى والحقيقة، فسؤالي لهذا القارئ وغيره هو (هل فكر أغنياء الكتاب بدعم مشاريع تخص الكادحين؟)، وأنا هنا أستخدم مصطلح الكادحين لدلالته الفكرية المحضة، وكم كان هؤلاء الكتّاب منخرطين فعليا بقضايا المجتمع، وكم كانوا فاعلين في عملية التغيير الفكرية؟ أترك الإجابة لكل من ألقى السمع وهو شهيد على حجم الكارثة الفكرية والأدبية في أوساط مثقفينا الذين ننعتهم بالكبار، وهم ليس لهم هم سوى معاقرة الكأس واللهاث وراء سعار النساء، وأغلبهم منغمس بمتعته الآنية لا يدري أين هم الفقراء إلا على الورق، وبين سطور عالم رسمه في مخيلته، فالكل يبكي الفقراء ويتغنى بفقرهم، حتى الفقير نفسه يردح من أجل أن يستثمر فقره المدقع ليصبح غنيا، أرأيت أسوأ من هذا التصرف؟ بالمقابل كم من معاق استغل إعاقته؟ كم من نقص استغل ليستثمر استثمارا رأسماليا بشعا؟

عندنا في فلسطين حدث ولا حرج فكتابنا ممن تغنوا بقضايا الظلم الاجتماعي عندما أصبحوا أثرياء لم يعيروا الفقراء اهتماما سوى الكتابة أكثر عنهم، هم يزيدون فقرا والشعراء يزدادون ثراء، ومن أراد أن يرى أكثر فليفتش عن خبايا كل واحد من شعراء المقاومة الكبار سميح القاسم ومحمود درويش، وسيرى أنهم انتهوا مترفين منعمين، وها هو ماركيز انتهى هو الآخر وهو منعم بجوائزه معتزلا الحياة العامة، وذلك قبل أن توافيه المنية بسنوات!!

وفي هذا السياق أحترم جدا الشاعر نزار قباني؛ فقد كان شاعرا ثريا أصلا والشيء نفسه عن شاعرنا الذي أحبه إبراهيم طوقان الذي ولد في عائلة أرستقراطية وغنية وذات جاه، فلتقرأوا ما كتبه طوقان مثلا ولن تجدوا شيئا عن استثمار الفقر لمصلحة الثراء، أتدرون لماذا؟ لأنه لم يوظفها لخدمة غير إنسانية فلا تتعجلوا في الحكم، فقد قرأت كثيرا وعانيت حتى توصلت لما كتبت، إن هذه الفكرة بنت خبرة ومعاينة، حدقوا لعلكم ترون ما أرى!!

وثمت تعليقات وسجلات هامشية لا تمت إلى الموضوع بصلة، وكأنها تغريدات في واد آخر، فما دخل الأرزاق وقسمتها بما نحن بصدده؟ يبدو أنني أصبحت أغرد خارج السرب، فإياكم والكتابة في الهوامش، ولتصيدوا رأس الأفعى، ولا تكتفوا بقطع الذنب، ساعتئذ ستلتف لتنفث سمها فيما تبقى من أفكارنا!!