الأوباش

، بقلم فتحي العابد

في بقعة صغيرة من أرض الله الواسعة، تظهر تلك القرية الجبلية الصغيرة، مساربها ضيقة وترابية، تلفها بضعة أشجار شبه ميتة بشكل عشوائي. كل شيء في البلدة يدعو للحزن، البيوت أبوابها الخشبية المشققة، العربات المجرورة القديمة المركونة في الظلال، الأطفال الذين يحدقون في المارة، أعينهم الناصعة مندهشة برؤية كل شيء يمر أمامهم.
هاته القرية الصغيرة تحمل روائح الماضي.. رائحة شياط اجتاحتنا جميعنا، لا شيء يظهر فيها، لا كهرباء فيها ولا ماء.. توقفنا أمام منزل متواضع، دخلنا غرفة كبيرة مفروشة بالحصران، تغدينا قبل الموعد، كانوا قد قدموا من أنحاء القرية، لأداء الواجب.

شيوخ لم يمنعهم عجزهم عن المجيء، ابتساماتهم، حكاياتهم عن الماضي، جميعهم يمتلكون حكايات رائعة ومشوقة، كل منهم يقتبس من الكتب القديمة، أدهشني الأمر، ثم عرفت بأنه لا يخلو بيت من الكتب، الجميع من القراء..

إنها إحدى أغرب القرى في العالم، فهي منعزلة على نحو مدهش، وكأنها خارج الزمن، القرية ليست ميتة، لكنها تكاد.
" هنا ولدت ".قالها شاب يكنى بأبي قرفة، موسيقي.

"نحن الآن نسكن في المدينة، لي ذكريات رائعة هنا ".

أنا بدوري من منطقة ريفية صغيرة، وتحسره على ماضيه جعلني أنظر للأمور بطريقة مختلفة. قلت له: كل شيء محصور في منطقتك، حتى نموك الفكري لا يزال هنا..

ابتسم وقال: "أمل كل دولة في جنوبها".

أخذ كبير القرية بأطراف الكلام وصار يتحدث بإسهاب عن تاريخ منطقتهم. في ذلك اليوم قضينا حتى الرابعة صباحا في الأحاديث. جدهم العاشر، الذي كان يذهب كل سنة للحج دون أن يفارق البلدة، وحين استنكرت الأمر، أكدوا لي بأنهم شاهدوه في الحج، وتحدثوا معه، ولا مجال للشك في ذلك. لم أقلل من شأن القصة، إذ أن عشقهم لشعائرهم الدينية أثر في مشاعري بشكل أكد أنهم صوفيون أيضا.

" أتمنى لو كنت أستطيع العزف ".قال أبو قرفة

"لكنك تعزف جيدا ".هكذا أجبته حين عرفت مدى حزنه الذي أفهمه، فأهله متمسكون بأن لا يعزف لإقتناعهم بحرمته، وحين عجزوا عن جعله يقلع، ألزموه أن يعزف فقط في البيت، وداخل غرفته.
" لا أستطيع أن أعزف إلا في البيت، طوال فترة مراهقتي لم أستطع أن أعزف إلا في غرفتي وأنا أحملق في الجدار حالما بالعالم. أتصدق حين أحاول العزف، لا أستطيع أن أدندن موسيقاي، أقضي وقتي في أحلام عن قريتي بدل العزف، العزف أمر مرتبط بالسجن في حياتي ".

أحزنني كلامه لكنني نظرت إليه بهدوء قائلا: لذا تعود دوما.

ـ "كل صيف أعود للقرية، ألتقط الرشفات".

قصده بالرشفات الإلهام الذي يجده خلال الصيف في قريته، الصيف بالنسبة له موسم حصاد..

نظرت إليه ثم قلت: إنه أمر متعلق بالطفولة.

ضحك وقال: "لا شك، أحيانا أتذكر كيف كنت أطارد الدجاجات، إنها تمنحني إحساسا بأهمية ما أفعل.."
لم أهتم لجملته، كل شيء في الحياة يتغير على الدوام، حين انطلقنا قرابة العاشرة صباحا لملاقاة مايسمون بالحراقة الموكل لهم مرافقتنا، لعبور الحدود.. وعلى مبعدة من تلك القرية، حاصرنا مجموعة من الشباب على خيول ببنادق ومسدسات..

ـ من أنتم؟

ـ نحن..

ـ إرجعوا.. إرجعوا.. أنتم تحت القصف..

قلت لهم: إذا أردت السيطرة على الناس أخبرهم أنهم معرضون للخطر..

سبنا أحدهم، وهو يصر أسنانه. تقدم من الخلف رجل أربعيني، بلحية خطها الشيب، ترجل من على فرسه الأسود، كان مبتسما.

ـ لا تهتموا، إنهم صبية.. وهذه حرب، كما أن لهم إخوة قتلوا. هكذا قال.

سمعت أبا قرفة يجرجر الكلام وهو يجز على أسنانه: الأوباش.. الأوباش.. سمنت أفخاذهم من لحم الشعارات، الأوباش.. يمتدحون شجاعتهم وبيدهم مسدس ورشاش، أمام من يهاجمهم بالمدافع والطائرات..