ثقافة المحسوبيات

، بقلم جميل السلحوت

وثقافة المحسوبيات هي تطوّر منطقي وطبيعي للعقلية القبلية والعشائرية، جاءت لتتساوق مع عملية بناء الدول، وهي ليست جديدة على ثقافتنا العربية، لكنها تتطور لتتماشى مع كل مرحلة جديدة، ولنتذكر كيف حمل معاوية بن أبي سفيان قميص الخليفة الراشدي عثمان بن عفان مطالبا بالثأر القبلي، وهذا ما لم يكن في عهد سابقيه من الخلفاء، فعندما طعن أبو لؤلؤة الفارسي الخليفة الثاني عمر بن الخطاب طعنة قاتلة، جاء عبدالله بن عمر، وهو صحابي جليل، ومن رواة الحديث، باحثا عن أبي لؤلؤة ليقتله ثأرا لأبيه، فقال له علي بن أبي طالب وكان أمير القضاء في عهد عمر:"والله لو قتلته لقتلتك به" وهذا يبين مدى ايمان عليّ كرّم الله وجهه بسيادة القانون، وأن القضاء هو المخول بالحكم على القاتل وليس وليّ أمر القتيل، ومعاوية الذي قتل عليّ بن أبي طالب وولده الحسن ثمّ الحسين في عهد ابنه يزيد، وقتل عددا من الصحابة حفظة القرآن والحديث، هو من رسّخ حكم قبيلة بني أميّة، حتى أن المؤرخين العرب سمّوا تلك الفترة بالدولة الأمويّة، ونسوا أو تناسوا أنها دولة اسلامية، وعندما جاء العباسيون، وهم من نسل عباس بن عبد المطلب، قرّبوا اليهم الموالي، لأن الخلفاء العباسيين كانوا أبناء جاريات باستثناء المأمون، وهم -العباسيون- أيضا سمّوا الدولة باسمهم مع أنها دولة خلافة اسلامية، لذا فهم قمعوا بدون رحمة من ثاروا مطالبين بتحسين ظروف معيشتهم أمثال القرامطة في جنوب الجزيرة العربية، والزنج في جنوب العراق، ووجهوا لهم تهمة الكفر والرّدة عن الاسلام ليجندوا رعاع الناس لمحاربتهم، وليس صحيحا ما كتبه المؤرخون العرب عن عصور الرخاء في العصر العباسي، لأن المؤرخين العرب كانوا كما هم اليوم مؤرّخي حكام لا شعوب، ومن يقرأ كتاب الأغاني سيجد على سبيل المثال شاعرا مثل أبي الشمقمق يتغزل برغيف الخبز، لأنه لم يتذيل لحاكم. والحديث يطول.

واذا ما انتقلنا الى الدول العربية المعاصرة، فاننا سنجدها مبنية هي الأخرى على أسس قبلية، فالمناصب الرفيعة حكر على بعض أبناء العائلات القريبة أو المقربة من رأس النظام، وحتى الدول التي حكمت فيها أحزاب ادّعت الطلائعية والريادة والثورية، هي الأخرى جيّرت ثروات البلاد لحسابها، وأن من استلم الحكم باسم الحزب، جيّره لمصلحته العائلية، ومن ثمّ لمصلحة الحزب، وكأن الدولة ملكية خاصة لهم، حتى وصلت الأمور الى ابتداع نظام التوريث في الأنظمة الجمهورية، التي تزعم أنها ديموقراطية وتؤمن بتبادل الحكم. لكن ما يجري على أرض الواقع هو عكس ذلك تماما، فالأحزاب هي الأخرى مبنية على أسس وقواعد عائلية وعشائرية وقبلية، لتضمن السيطرة على الحزب، وعلى الحكم اذا ما وصلت اليه، وحتى اذا ما جرت انتخابات للرئاسة أو غيرها، فان من يفوز فيها يكون ممثلا لمصالح عائلية وحزبية فئوية، حتى أن بلدا مثل الجزائر -بلد المليون شهيد- أفرزت رئيسا مسنّا ومريضا أدلى بصوته على كرسيّ مقعدين، وكأن البلاد عاقر لا يوجد فيها رجل قوي يتمتع بالصحة الجيدة وقادر على حكم البلاد...فهل سيستطيع الرئيس"المنتخب" حكم البلاد أم أن من حوله هم الذين سيحكمون؟ وهناك بلدان أخرى ثرية لا يعرف فيها وزير المالية مداخيل البلاد، وليس من حقه أن يعرف، لأنها مسجلة باسم رأس النظام، أي أنها ستؤول الى ورثته في حالة وفاته.

وامعانا في تكريس الحكم لعائلات بعينها، فان من يستلم منصبا رفيعا يجيّره هو الآخر بشكل وآخر الى عائلته وعشيرته، فيوزع المناصب الكبيرة على الأقربين والمحسوبين، أو يجري تبادلية مع أقرانه، هو يوظف المحسوبين عليهم، وهم يردّون له ذلك بالمثل، لكن في كثير من الأحوال فان الكفاءات مغيّبة. والسبب هو أننا لم نصل حتى الآن الى بناء الدولة المدنية التي تفصل السلطات الثلاث، وتسنّ قوانين تحفظ سيادة القانون وحرية القضاء، وتراقب مؤسسات الدولة والمؤسسات الشعبية التي هي ليست بعيدة في تركيبتها عن المؤسسات الرسمية. وما لم يتم الانتباه لذلك فاننا سنبقى مكاننا ان لم نتراجع الى الخلف.