مفهوم الإبداع

، بقلم ريمة عبد الإله الخاني

يحتوي مصطلح «إبداع» على أنواع وتفرعات عديدة ، تضم مفاهيم كثيرة ، تقدم لنا هذا المفهوم بطريقة موسعة ومسهبة، ذلك لأنه عالم قائم بذاته بنماذجه الفريدة وعطائه اللا محدود، فله خصوصياته التي تجعله مصطلحا يستأهل العناية والبحث العميق، والذي يحث فضولنا لمعرفة هذا العالم الجميل جدا والممتع بكل أركانه.
وقد عرفه الباحثون بطرق شتى نظرا لمصدر انبثاقه فعرفه الأستاذ " رضوان الشهال" بقوله :

إن اﻟﺠو اﻟﺸﻌري مثلا يتكون ، مثله مثل كل الظواهر ، من الطﺎﻗﺔ اﻹبداﻋﻴﺔ اﻟﺘﻲ نودﻋﻬﺎ ﻓﻲ الفن ، وهي عبارة عن شحنة انفعالية أساسا .

ويمكننا تعريف الإبداع بقولنا : ( الإبـداع هوالقدرة على تكوين أبنية أوتنظيمات جديدة )

ويعرفه (برونر) بأنه : ( العـمل أوالفـعل الذي يؤدي إلى الدهـشة والإعجاب ) .

وتعرف الأديبة والناقدة "فاطمة الشيدي" الإبداع:

هوعملية ترجع في الحقيقة إلى عملية واعية يقصد إليها الشاعر ،وهي نتاج عملية بين الذات وموضوعها.
والإبداع أيضا : ( مبادرة يبديها الفرد ؛ تتمثل في قدرته على التخلص من السياق العادي للتفكير ، وإتباع نمط جديد من التفكير )

يعرفه الأستاذ "أحمد المثنى أبوشكير":

الإبداع: عملية ذهنية واعية قوامها مجموعة من البنى الفنية واللغوية ، والتي تسهم في توليد الجديد من النصوص ،فيأتي النص الجديد ليختزن خلاصة التجربة الإبداعية للمبدع الذي أنتج هذا النص، ويصبح هذا النتاج اللغوي والمعنوي من ملاكه الفكري الخاص.

وكما نرى كان هذا التعريف شاملا لعنصر التجديد والملكة الخاصة، والتي يتميز بها الإبداع عموما.
تعرفه الأستاذة شذى الميداني المرشدة النفسية السورية قائلة :

( إنتاج الجديد النادر المختلف ، المفيد فكراً أوعملاً ، وهوبذلك يعتمد على الإنجاز الملموس ) .
وهوذوصلة بالتعريف السابق لكنه أكثر اختصارا، وإذن فكون إنتاجك مختلفا يعد من صميم الإبداع ، ومن سره الفريد المميز؛ الذي يميز صاحبه وعمله .. ، لكن هل هذا يكفي لاستحقاق وصف ( المبدع ) ؟.
حقيقة من الصعب إيجاد تعريف واحد متفق عليه من قبل العلماء أوالفلاسفة للإبداع، فهوظاهرة معقدة جداً أوجملة معقدة من الظواهر ذات وجوه وأبعاد مختلفة.

يعرف بارتلت للإبداع-CREATIVITY- فقد عرفه بأنه التفكير المغامر الذي يتميز بترك الطريق المرسوم مسابقاً والتخلص من القوالب المصاغة، والاقبال على التجربة، وإتاحة الفرصة للشيء لكي يؤدي إلى غيره.
وتقول الأستاذة " لبنى العيسى " حول سمات المبدع:
إن العملية الإبداعية ليست منفصلة عن السمات العقلية والنفسية مثل الدافعية والمزاج والطبع والاستعداد والذكاء ومرونة التفكير.. والمبدع ليس شخصاً ذواختلاف نوعي عن غيره، بل يمكن النظر إليه بصفته فرداً يختلف عن غيره بمقدار انتظام وظائفه العقلية والنفسية بصورة تجعله قادراً على إبداع الجديد وتنميته (أكثر من غيره).
يقول حول العامل النفسي في الإبداع الأستاذ "محمد زاهر الشماع:

إن العلاقة بين الأدب والتحليل النفسي يبين أن الحياة الإنسانية مزيج معقد من الوعي واللاوعي، وبينهما تكمن القوة العازلة، أي عامل الكبت ، فإذا كانت الكلمة أداة التعبير عن الخبرة الواعية، فإن تحليل الخطاب هومعبر المحلل إلى مضمون اللاوعي.

في معرض حديث المؤلفة "د. ماجدة حمودة" عن الروائي:

"ماريوفارغاس يوسا" ، عرضت وجهة نظر الأدبية وهي جديرة بالتوقف: نختصرها هنا:

إن مسيرة الإبداع هي مسيرة التعب والصبر والتواضع، كانت نصائحه للشباب المقبل على الأدب:
من أراد الإبداع يجب ألا يكون الميل الأدبي لديه وسيلة لتزجية الفراغ فقط، بل هوعمل دؤوب أيضا.
ما السبب الذي يجعل المبدع يعيش مثل هذه العبودية للكتابة إلى درجة يهيبها حياته كلها؟:
إن السمة الأساسية للممارسة الأدبية أنها تمنح الكاتب متعة روحية داخلية، تهزل أمامها أية مكافأة مادية!، إذ يشعر بانسجام مع ذاته ،بعد أن تم له تحقيقها على المستوى الإبداعي، مما يدفعه إلى تقديم أفضل ما لديه دون الإحساس البائس بأنه يبدد حياته.

هوخيار فطري ذاتي مصاغا منذ الطفولة أوالشباب المبكر، ثم يأتي الخيار العقلاني لتعزيزه، وليس لصنعه من رأسه لأخمص قدميه!.

لعل من أهم مشكلات الإبداع الروائي تلك العلاقة الملتبسة بين الخيال والواقع، لهذا يبين "يوسا" أن الخيال يشكل ضرورة حيوية للروائي

يفسح المجال لنسح حيوات خيالية تعلن رفضها للحياة الواقعية وانتقادها لها،
- 
2-مفهوم الخيال الأدبي:

يحيا وينموالأدب في عالم من الخيال بانواعه، يحلق ويسافر في دهاليز النفس الإنسانية ويربطها بالعالم الخارجي، يقول "جان روبنسكي" عن الخيال:

إن الخيال الأدبي فرع خاص لملكة نفسية عامة جدا، لا ينفصل نشاطها عن نشاط الشعور، هواختصاص الفلاسفة وعلماء النفس، أما النظرية الأدبية فقد استعانت في هذا المجال بمفهوم نشأ خارج نطاق الأدب لكنه ينسحب على قطاع واسع من الانتاج الأدبي، ويقول في مكان آخر من كتابه:
إن الأدب ما هوإلا ضرب من ضروب النشاط الخيالي، وما هو سوى قيمة عامة تشرح كيفية استخدام الاشارات اللفظية( المسموعة أوالمنظورة)والاستعانة بالتصور الذهني ،ويستعمل كلاهما دون احالة مباشرة إلى الواقع التجريبي بغية الوصول إلى المتعة الجمالية.

يقول رايان الفرنسي عن الخيال:

كثيرا ما يأخذون العبقرية على أنها ثمرة من ثمار الخيال الصرف، مثل هذه الأعمال ينهض بها الكاتب التافه الذي استطاع أن يلم بالذوق الشائع بين الناس ،لكن فولتير ومارمونتيل يريان أن الخيال موهبة ثمينة وأن الإلهام أقصى درجاته.
وإن التخييل ،كما يراه "يوسا" أكذوبة تخفي حقيقة عميقة، إنه الحياة التي لم تكن ،والتي يتوق إليها المرء دون ان يحصل عليها ،لهذا كان عليه اختلاقها .

ولوأردنا تعريف التخييل لوجدناه أنه الخداع باختصار، وكل رواية هي كذبة تحاول التظاهر بانها حقيقة ،أما الدافع للكتابة الروائية فهوالتمرد المسالم.

من جهة اخرى تقدم الأستاذة : "زيناء ليلى" مفهوم الأبداع من زاوية اخرى فتقول:
- التجديد هورؤية الامور بنظرة جديدة ومن زاوية جديد.

وهذا لا ينسف الأساسات ،بل يقدم لها فروعا جديدة لأنها تتعلق بالسلوك التطبيقي، لا بالأساس أصلا، فالجديد في زمننا ما عاد موجودا لأننا بتنا نبني فوق البناء الأول، وهنا يتبلور معنا الفرق بين :
التغيير والتطوير والتجديد والحديث والتنمية... كلها تأخذ المفاهيم من زاويتها المعينة:
فالتحديث والتحسين يمضي بنفس المسار بإضافات بسيطة وإضاءات منيرة، بينما التطوير والتجديد ،له فروعا عديدة وكأننا نرتفع أفقيا وعموديا في البناء.

تحدد غالبا المفاهيم بالغاية على ألا تكون مضرة، بل تهدف للتنمية حصرا، لذا وفي عملنا عموما كمتابعين لرسائل الدكتوراه ،نعمل لإخراج مفاهيم جديدة مثل: الفن المعرفي الإبداعي، فنحن هنا لم نضف جديدا بل مزجنا وقمنا زاوية جديدة للعمل والبحث، مثل الفن الإبداعي الطبي.. الخ.. واللغة كذلك لا تتغير إنما تتغير الأنماط الأدبية.. وهكذا، وعليه فإن الإبداع يعرف بالقدرات الخارقة التي يمتلكها المبدع ،ويتوقف إظهار الفرد المالك للقدرات الإبداعية نتائج المالك للقدرات الإبداعية نتائج بداعية، أوعدم إظهارها يتوقف على صفة الآثارية والطبيعية.ويضيف الدكتور حسين جمعة أيضا للتعريف، أنه استجابة غير مألوفة لكل انفعال وبمعنى آخر من العواطف الذاتية في البعد النفسي ،تعد الأصل في إجراء التحولات الإبداعية على مختلف الصعد الفنية والثقافية والاجتماعية والزمانية والمكانية.
وهذا يقارب تعريف الإبداع عند الدكتورة "نجاح هارون": هوعبارة عن عدم النظير وفي الاصطلاح :إخراج ما في الإمكان والعدم إلى الوجوب والوجود. فهل هذا يعني فعلا التجديد؟

اما علم النفس الحديث فيعرفه بصورة مجسدة للذات المبدعة، فالتكوين النفسي وحده صانع الإبداع
وعليه فيعرف الشعر هنا بأثر اللاوعي في الإبداع ، ويعرفه السجلماسي: الشعر هوالكلام المخيل المؤلف من أقوال موزونة ومتساوية وعند العرب مقفاة، وبكل الأحوال تعتبر المصطلحات الإبداعية من صميم العمل الإبداعي أيضا، يسوقنا هذا الأمر لزاوية أخرى هامة:

جرى نقاشا بيننا وبين الأستاذ "مصطفى إنشاصي" حول الشعر والادب والأبحاث، واجترار موادا لم يعد لها سوقا ولا قراء ، سواء بأفكارها اوبنوعيتها ، وهنا يهمنا رؤية الموضوع من زاوية اخرى لباحثين غير أدباء،يقول الباحث إنشاصي حول ذلك:

- أشبع العروض دراسة وبحاث وزيادة ونقصان قديما وحاضرا في الماجستير والدكتوراه وو...
رسائل بالهبل عن كل صغيرة وكبيرة، وبكاد لا يقدم أحد فيه جديدا هذا المقصد فلماذا الخلاف حوله؟؟؟.
الأمة تحتاج لمن يحمل همها والشعر يمكنه أن يكون جزءا من المعركة كشعر وليس كجدل حول العروض والقوافي والأوزان ...!!!!،فكان ردنا:

- نعم ما زلت أفاجأ بقلة طلب المكاتب في بلادنا سوريا ولبنان حتى وفي مصر كذلك على الشعر ماذا يعني ذلك؟ هل بات لغة الغناء فقط؟، والأمة ثملة من فيضانها بلا حاجة؟

هل هذا يحتاج نمطا آخر من التجديد والتطوير وأننا مازلنا نجتر ما يمكن تطويره وتحويله للأفضل ، وهل هي طريقة التفكير التي تحتاج لذلك ام الأنماط؟، وكيف؟

هل لهذا جذور واقعية غائبة عن مجال تفكيرنا؟، يقول الدكتور "محمد خير الدين عبد الرحمن":
إن التعليم في أغلبية الدول العربية وبمراحله كافة ، يتصف بتردي النوعية وافتقار الطلبة للمهارات الأساسية للتعليم الذاتي، وغياب النقد والإبداع وغياب التركيز المبرمج على فروع العلم والتقانة، وهذا يسبب تخريج ملايين العاطلين عن العمل، أوما يعرف: بالبطالة الثقافية.

وإذن؟

يقول الدكتور "بدر الدين عامود " عن الإبداع:
هوالشكل الأكثر رقيا وتعقيدا بين أشكال النشاط الإنساني والذي يتمثل نتاجه في الكشف عن حقائق لم تكن معروفة من قبل .
لكن الدكتور صالح الرحال يعارضه في فرادة الإبداع قائلا:
لا توجد مادة مبدعة في العالم –وعبر تاريخ الإنسان-جاءت من العدم اوغير مسبوقة.

***************

3-أفكار إضافية تربوية عن معوقات الإبداع:

يقول "توني بوزان": إن القيود الفكرية تؤدي إلى إعاقة بعض العقول العظيمة التي شكلتها الفلسفة والعلم.
هل كان يعني القولبة المنهجية في عالم التدريس؟، هل كان يعني تقييد عملية الإبداع؟، هل كان يعني حصر حرية الرأي؟.
لكن بكل الأحوال كانت كلمة بعض دقيقة جدا لمن لا يملك أدواتا وإرادة تكفيه لاستمرار عملية الإبداع.
والجدير بالذكر ان الإبداع العربي سبق الفكر انقدي بأشواط ،وهذا ما أقره الدكتور: "محمد عناني " في كتابه: المصطلحات الأدبية الحديثة.

ولكن ..ألسنا بحاجة هنا إلى عنصر الجمال ليكمل تلك اللوحة الفريدة الإبداعية؟
إن مفهوم الجمال عند الجاحظ يعتبر قيم عليا، تنحصر بالحق والخير والجمال خاصة عند الفلاسفة، رغم أنهم اختلفوا في تحديد موضع القيمة، والعرب عموما لم يعرفوا في جاهليتهم سوى بعض الفنون اللسانية ،والجمال ليس من نصيب كل الناس كما نعلم، لذا حصرها الجاحظ في موقع الشعور والعقل، وهما القيمة العليا ،وهنا أسس لقيمة الجمال ببعديها العربي والإسلامي، حيث اجتمع الشعر والغناء والقيان.

إن الجمال عند الجاحظ هوامر أدق وأرق من ان يدركه كل من أبصره.
إن أعمال سارتر الأدبية في رواياته ومسرحياته حاولت تقديم مفاهيم فلسفية وجودية بصورة مباشرة ؛ مارس فيها قسرا فكريا مسبقا .

ونيتشة يطلق روح الفرد في " العالم طاقة جامحة " و" سباحة في بحر من عدم الانتظام " ، فلم يعد هنا الجمال كل ما هونظام دقيق متجانس منسق ، فهوإما مستبد ، أووهمي بنظرة فوكو؛ حتى في رواية فلوبير " مدام بوفاري " خالفت قوانين عصرها ، ففي نظرية أنشتاين نقول ( إنها أفضل من ارشميدس ) ، لكن في الأدب لا نستطيع اعتبار أوليس جيمس جويس أفضل من أوديسة هوميروس ، لأنها أحدث .

فبعض المفاهيم تشكل ألاعيب لغوية نقلت زاوية المبدع الخاصة التي يرى منها العالم ، ولم تنقل العالم الذي نراه ، وهي هنا تلبي حاجتها الخاصة في تقديم نظريتها .

ولنا جولات اخرى بإذن الله حول الإبداع إن شاء الله.