رُؤى ثقافيّة «١٠٥»

حَيْوَنَة المرأة! ||

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

-1-

إن المرأة حين تستسلم للرغبة الذكوريّة فتبالغ في التبرّج وإبداء زينتها؛ إنما تستجيب للثقافة الذكوريّة ذات التاريخ المعروف التي أفهمتها أن تلك هي حريّتها، وأن عكسها هي الذكوريّة والكبت لحريّة المرأة! الحرية، إذن، معادلة للتخفف من ثياب المرأة بقدر الإمكان، وجذب نظر الرجل وإمتاع غرائزه، والحرية بحسب ذلك تزيد وتنقص! فابتذلت المرأة نفسها لعيني الرجل بصور كثيرة، وتفنّن الرجل في ابتكاراته من أجل تحقيق ذلك الغرض، والمرأة راضية مستسلمة، مطيعة تدبّ دبيبًا على سننٍ ذكوريٍّ قديم مستحدث، دونما تفكير في أنها لا تتبرّج إلا للذة الطرف الآخر، وسعادته، ومتعته، كائنًا من كان، وأن الحريّة المزعومة هي حريّته هو- ومن أجل مسرّته ومتعته هو- لا لحريّتها هي واستقلال قرارها وشخصيّتها. ولذلك قد يستغرب بعضهن في لحظة تساؤل طفوليّ ساذج- وما الغريب إلا استغرابهن- أن غلاة التحرّر ودعاته يعودون محافظين جدًّا حين يتعلّق الأمر بزوجاتهم أو ببناتهم! وكأن تلك لديهن مفارقة غريبة، أو معضلة سلوكية غير مفهومة الأسباب، تتطلّب التأمّل والتحليل! والسبب فاضح بسيط. يحدث هذا تمامًا كما أُفهمت الجارية المضحّى بها قديمًا من أجل سيّدها أن ذلك ما هو إلاّ من أجلها هي، ولكي تدخل مع سيّدها الجنة من أوسع أبوابها!

وكذلك اتُّخذت المرأة وفق الحضارة الغربيّة- العريقة في نظرتها المحتقرة إلى المرأة- مطيّةً تجاريّة؛ لأنها في نظرهم تصلح لتلك الوظائف الحيوانية والشيطانية الإغرائيّة جميعًا؛ لتوافرها على خصائص المخلوقات الثلاثة: الحيوان، والشيطان، وبعض الإنسان. وما أزياء المرأة، التي ابتكرها الغرب في العصر الحديث، دون سائر الشعوب المتخلّفة، إلاّ إرث تاريخي عن نظرته الدونيّة إلى المرأة. وما كانت المرأة الغربيَّة هكذا تلبس قبل القرن العشرين.

وإلى نظرة الغرب الدونيّة إلى المرأة التي أمْلت ابتكار تعرياتها في القرن العشرين، هدف آخر، هو أن يحرّر المرأة من عبوديّة الثياب فتتساوى مع تلك المخلوقات غير البشريَّة العارية وتؤدّي وظائفها المنوطة بها. إذ تخيّلوا حيوانًا يعتمر بدلة أو جلبابًا- دع عنك عباءة أو ما شابه- كيف سيكون شأنه؟! وكيف سيؤدِّي وظائفه المطلوبة منه؟! وقد جاء من تفننهم في (حيونة المرأة) أن جعلوا لها مخالب، كالحيوان المفترس، ورسّخوا ذلك المظهر- الذي تنفر منه الأذواق البشريّة ذات الفطرة السليمة- بوصفه مظهرًا جماليًّا أنثويًّا معاصرًا مثيرًا للذكورة! وما هو في حقيقة المرأة إلّا حيونة للمرأة، وعودة بها إلى جماليات المخلوقات المتوحشة في الغاب، قبل أن تأنس وتعرف حياة النظافة والتهذيب، إن صح نعت تلك بـ«الجماليّات»، وإن قياسًا إلى عالم التوحّش. ويبدو أن ما يثير الغرائز الذكوريَّة في أن تكون المرأة ذات مخالب هو ذاكرة من لا وعيه الجمعي، توقظ فيه تاريخًا سحيقًا من إنسان الغابة. وإلّا فلا منطق جماليًّا وراء أن تظهر المرأة ذات مخالب، لا بمعيار العقل ولا الفنّ، ولا الجمال. ونشأت المصانع العملاقة والشركات الابتزازية الضخمة التي تستنزف أموال الشعوب من أجل تلك الأظافر، وأدوات إطالتها، وتحديدها، وصنفرتها، وتمليسها، وطلائها، أو تركيبها صناعية جاهزة، إن لزم الأمر! ولم يعد لكثير من النساء- ولا سيما في البلدان النائمة- كبير همٍّ إلّا تربية أظافرهن، ورعايتها، والعناية المركزة بها، لتبدو إحداهن سبُعة لا يُشَقّ لها غبار في معرض الغابة الحديثة! وغالبًا ما يقوم على صناعة ذلك في العالم الذكور، فتلك صنعتهم، المتولّدة عن مواهبهم الغريزية. هم عبقريو الأزياء النسائية- إن عاد ثمة ما تصح تسميته بالأزياء- وصولًا إلى تسريحات الشعر، فالعناية بالأطراف، فالمخالب.. إلخ. وهذا أمر طبيعي؛ لأنهم هم المعنيون بأسرار ذلك من الألف إلى الياء، والمستفيدون منه كذلك من الألف إلى الياء! على أن تلك، إنصافًا، من مهازل العقل الأنثوي المستجيب للعابثين به، شكلًا ومضمونًا، بل المدافع عن جلاديه.

فإن أصرّت المرأة- ولا بُدّ- على أنها إنسان في عصرنا الحديث، فلتكن إذن رجلًا، ولا بُدّ، ولتعمل كرجل، في المناجم أو قيادة القاطرات، أو حتى مجنَّدة عسكريَّة، ونحوها من الأعمال الرجوليَّة الشاقَّة؛ فإمَّا أن تكون أو لا تكون، إمّا أن تسترجل أو أن تكون دُمية للرجل، وجارية مبتذلة، أو حيوانًا وحشيًّا مستأنسًا، ومطيّة مشاعة، للمُتَع بدرجاتها وأشكالها. تلك حكاية المرأة عبر التاريخ، حتى مآلها الأخير الذي تظن أنها فيه قد انتصرت!

وسيُصوَّر للمجتمعات المغفّلة أن رصيدها من القبول الحضاري ومن العصريّة يزداد بمقدار ما ينقص من قطع القماش عن أجساد النساء، وما يتعرّى من بشرتهن.. هكذا، وإن كانت رؤوسهن «قَوارير في أَجوافِها الريحُ تَصفِرُ».. فلا يهمّ! تلك هي حريّة النصف الآخر من المجتمع ومساواته بأيّ شيء إلَّا بنفسه وبكرامته!

-2-

قال صاحبي المأفون، الذي يرى الأشياء بـ«الشقلوب»: كلّ هذا- إن كانت فيه من سلبيّات- فتبعاتها على الأمّة العربيّة، التي لم تتفهم مقاصد التشريع الغربي البعيدة الغور والمدى والمغازي، ذات التاريخ الحافل بحقوق المرأة! تلك المقاصد الروحانيّة السامية، الزاهدة العفّة عن المادة والمال والجسد! دعك من مثالب الغرب، وانشغل بمثالبك أنت وقومك! أ لم يعلن علماء «العرب» في القرن العشرين وما قبله أن صفوة الإنس والجنّ هو الجنس «العربي» وحده، وبقية شعوب الأرض حيوانات أو شبه حيوانات، ولا سبيل إلى تأهيلهم ليتواءموا مع العصر العربي إلا باستعمارهم، وسحقهم بالحديد والنار، مع طمس لغاتهم البدائيّة وثقافاتهم الرجعيّة وهويّاتهم المتوحّشة؟! ثم جعلوا بعض نُخَب ما بعد الاستعمار خُلفاء الاستعمار في الوطن، ثقافة وفِكرًا. ولربّ مستعمِرٍ كان خيرًا وأرحم من مستعمَر!

أ لم يغز «العرب» قارة آمنة مطمئنّة فاستعمروها وشرّدوا أهلها وفتكوا بهم، ثم استولوا على خيراتهم، وجعلوا أهلها الأصليين من الهنود الحمر في أسفل سافلين، حياة وكرامة وإنسانيّة؟!

أ لم تر كيف شيّد العرب في الولايات العربية المتحدة أكبر إمبراطوريّة عنصريّة، تنظر إلى السود والكلاب بمنظار واحد؟!

قلتُ: أجل، يا هبنّقة! وفي رواية أخرى لـ(تشارلز تشسنات)،
، تحت عنوان «في قلب التقاليد»، منشورة عن دار (فيبوس)، باريس، 2009، في 384 صفحة، تجد نموذجًا آخر، يكشف بعض ذاك التاريخ العنصري الأسود، الذي تمخض عنه الأدب الأفرو-أميركي. وهي تحكي كيف أنه في العام 1989، في (ولينغتون)، المدينة الصغيرة المتخيّلة في (كارولينا الجنوبية)، كان ثلثا السكّان من السود. ثم بعد عشرين عامًا من سيطرة حزب «التفوّق» خسر الانتخابات لصالح الجمهوريين، ما فتح باب الشؤون العامة أمام السود. في حين كان تفوّق البيض في نظر (الميجور كارترت)- صاحب النفوذ ومالك الصحيفة المحليّة الأولى - قدرًا مقدورًا، فهو تفوّق ينبع من إرادةٍ إلاهية! ولكم يساء إلى صورة الله تحت شعار القضاء والقَدَر!(1) ولذلك، وإذ استهجن احتمال ممارسة «عرقٍ أدنى» سلطته على البيض، شنّ حملةً لإلغاء حقّ السود في الاقتراع؛ وشكّل لجنة لاسترجاع المدينة مع (الجنرال بومون)، المحامي والمالك السابق للعبيد، و(الكابتن ماك-بان)، الأبيض المجرّد من أيّة إنسانية. وهكذا تمضي تفاصيل الرواية، التي يصف فيها تشسنات أولى محاولات إنشاء صحافة أفرو-أميركية، وكذا التمييز في وسائل النقل العام، كما يفكّك الآليات المنطلقة من الفكرة العنصرية.(2)

وما المرأة هنالك إلا تركة ذلك التاريخ العنصري الذكوري الأبيض، مهما اشتغل على تزوير التاريخ وتكحيل العيون العور!

(1) وهكذا يلتبس الأمر، أو يلبّس، لدى سواد المسلمين أيضًا في معادلة (القدر) و(السبب)، التي تخلّط فيها العقول تخليطًا بليدًا. فتجد أحدهم يرتكب حماقة، ويلقي بنفسه في تهلكة، ثم يقول قدّر الله عليّ وما شاء كان! دون أن يفكّر في أنه بهذا القول إنما يسيء إلى صورة الله أصلًا، ويشوه صورة الاعتقاد، بتعليقه عواقب غبائه وسوء سلوكه على الله، في الوقت الذي يحاول أن يعتذر هو عن نفسه، ويبرئ ساحته من المسؤولية، بهذا الضرب الجاهل من الإيمان؛ لسان حاله: أنا، ما شاء الله، على سراط مستقيم، لكن الله لي بالمرصاد! ولكن لماذا؟ سيقول: لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى! وهل أصاب العته أمة الإسلام إلا من مثل هذا؟! «أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هذا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ، إِنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». (سورة آل عمران، آية ١٦٥).

(2) عن مراجعة للرواية نُشرت لـ(ماري جويل روب)، على موقع Le Monde diplomatique «لوموند ديبلوماتيك»- النشرة العربيّة، آيار/ مايو 2010‏: http://www.mondiploar.com/article3032.html
- [الكاتب: أ.د/عبدالله بن أحمد الفيفي، عنوان الموضوع: «حَيْوَنَة المرأة!»، المصدر: صحيفة «الراي» الكويتية، الخميس 1 مايو 2014، ص26].