هلوسات في الذكرى السادسة والستين للنكبة!!

، بقلم فراس حج محمد

مساؤكم.....

لا أدري ما هي الصفة المناسبة لهذا المساء، لكنه بالتأكيد مساء ضبابي هلاكيّ مرّ عقيم لطيم سخيم يتيم لئيم فقير جبان مقهور مشبع بالرطوبة الوطنية الجافة الحافّة من الكرامة الحافية، العريانة، المسقطة في شراك الشراكة والمشاريع الوطنية القاتلة!!

مساؤكم كما هذا الوطن، فإن كان الوطن بخير فمساؤكم بخير، فهل أنتم بخير؟ مساؤكم مشروع جلطة دماغية حادة تصيب الجغرافيا المغتصبة بنوبة استيطان حادة، تجعل الرياح شمالية غربية أجنبية صهيو أمريكية تهب نسيم بر ونسيم بحر لتصب في أحد الفنادق المصنفة خمسة نجوم من العهر السياسي المقيت!!

مساؤكم مجنون كنوارة المساء الذابلة الباحثة عن أكسجين في هذا الوطن، لقد اختنقت من كثرة ما تلبد في حلقها من كل أنواع أكسيد الكربون الثنائي والثلاثي، وكل عناصر الأكسدة والنيتروجينية المشققة للحاء البشر والحجر قبل الشجر، فلم يعد هناك شجر، فمنه ما انقرض ومنه ما اقتلع، ومنه ما صلب، ومنه ما يعاني البترنة في حقول الزينة ليحنط في حدائق المسؤولين!!

مساؤكم تاريخ حافل بما يرفع الأرجل للفلقة، ويطأطئ الرأس إلى الحضيض، ويرش الملح على الجرح النازف منذ 66 عاما، حافل بالذكريات والانتصارات الورقية المجيدة، الفاتحة فخذيها لريشة مؤرخ يتقن أعمال التشويه والتزوير، ليكتب على جذع الساقية أن الوطن فيه دولة وحكومة ورئيس ووزراء وأجهزة أمنية تصارع الثعابين الخارجية، وتحمي (بيضات) المسؤول، وليس بيضة الوطن، تاريخ حافل بالكتب الشوهاء البتراء التي بالت عليها الخنازير ذات أبجدية هاربة من عمق الخزي المصقول بالخطابات الوردية.

مساؤكم قتلى بالمئات التي تكدست أسماؤهم، وأصبحوا عبئا على التاريخ والروح والتراب، قتلى شنقوا بإضبارة مخابر ومدسوس وعين وجاسوس وعميل، من هنا وهناك، قتلى لم يعودوا شهداء، لأنهم لم يكونوا شهداء، ولأن أحدا ما في هذه البقاع لم يرد لهم إلا الموت أمواتا وأحياء!

مساؤكم تسيل منه الدمعة تلو الدمعة، على ما آلت إليه الحال، على أناس تموت وتموت وهي تفتش في خلاياها عن خلية تتنفس هواء نقيا فلم تجد، قهرها الأخ والصديق اللدود قبل أن يقهرها العدو الحميم، بلاد وبشر وحجر، كلها مات فتيتها لتلحق هي بهؤلاء، لأن ثمة خطة إستراتيجية لم تكن إستراتيجية، لقد كانت (خرابيش) هاو يرسم مستقبلا مشوها، فطبطب على ظهره، فارتقى وارتفع وحمل النياشين، وصار الوطن في بطن الحوت!!

مساؤكم يهذي كحالتي الآن، فلست أدري أي كلام سيكون مناسبا، وأنا أرى أن طابورا عاشرا أو حادي عشر يركب الأحداث ليقول الحقيقة المرة، ولا يمجد الوطن، فأين هو الوطن، أيكم يقول لي أين هو الوطن؟ وما هو تعريفكم للوطن؟ هل هو الرئيس والمسؤول أم إنه الجنون بشعور الزهو وأنت تسير في الطرقات لا تخشى الغيلان الوطنية والأجنبية المحمية بالسواعد الوطنية؟

أيكم يأتينا بعرشنا المهدم؟ ماتت بلقيس، ومات الهدهد، وغار الماء الذي منه تشربون، أيكم يأتينا بعروش لا كروش أو قروش أو نعوش؟ أيكم يأتينا بالوطن؟ ربما هي هلوسات فكرة لم ترحم صاحبها، ولا تريد أن ترحم قارئها فكلنا في الهم "ضغث على إبّالة"، سرقنا الوطن ولم يبق غير المواطن الباحث عن معالمه الدارسة التي لا تكاد تبين على خريطة قديمة بالية، وضعتها جدتي ذات مرة في مدود حمار فأكل بعضها، ولم يتحمل ما بها من رائحة فلفظها، لتحملها الريح إلى هنا حيث الجيل الجديد، تلقاها تحفة نادرة، فتمسك بها، فظن أنها الوطن، فهل هي ذلك الوطن؟

مسكين أنت أيها الوطن المغمس بالوهم والوهن والجدب والندب والعويل والصراخ بلا طائل، فيا ليتهم يستكتون، فرؤوسنا فيها ما يكفيها من ضجيح مختمر عبر محطات الغواية الوطنية التي لم تنقطع منذ عهد عهيد، مسكين أنت أيها الذبيح، ومسكين أنا في هذا المساء المسكين الذي غدا بدون صفة مناسبة!!


فراس حج محمد

ناقد وشاعر فلسطيني

من نفس المؤلف