شيخ الأباريق ...

، بقلم فيصل سليم التلاوي

أربعون عاما بالتمام و الكمال تتدافع في مرورها صباح مساء أمام ناظري عم سعيد كأنها شريط مسجل. و كأن قوة خفية لا يملك لها دفعا تعيد و تكرر عرض الشريط ذاته أمامه مرات و مرات في اليوم الواحد.

إنها سنواته الأربعون التي أنفقها في حياته العملية التي تسربل فيها بسربال من الصرامة مكين. كل تلك السنوات الطوال أمضاها عم سعيد في لون واحد من العمل، لم يغير و لم يبدل. فقد كان مراقبا على طوابير من العاملين في الميدان، فمشرفا عاما على تفويج العاملين و تنظيمهم فإداريا حازما.

لا يدري اليوم بعد مضي كل تلك السنين بم يذكره زملاؤه و كل من عمل تحت إمرته و إشرافه؟ كل ما يذكره هو أنه لم يتأخر يوما لحظة عن موعد دوامه، بل كان دائما سباقا و مبكرا قبل الموعد المحدد، و ما انصرف يوما إلا بعد الموعد المحدد وبعد انصراف جميع العاملين، فقد كان دائما يسكنه إحساس بأنه صاحب العمل و ليس واحدا من العاملين.
لكنه كان حازما صارما في تعامله مع الموظفين و العمال، لا يتغاضى عن تقصير، و لا يغض الطرف عن تقاعس أو تكاسل، لكنه في مقابل ذلك تجده مثنيا و مشجعا للعاملين المنضبطين الجادين، مدعما ثناءه و تشجيعه بصرف المكافآت التي يستحقها كل مثابر مجتهد في عمله.

أربعون عاما تقلب فيها بين دوام صباحي و مسائي و ليلي، فما غير ذلك من طبعه، و لا فت في عضده، و لا أوهى و لو قليلا من صلابة القناع الحديدي الذي ارتداه.

عم سعيد هو أول الحاضرين و آخر المغادرين، و كل الدائرة التي تحت إشرافه لا تغيب لحظة عن ناظريه عاملين و إنجازات، لا يغفل له طرف و لا يتوانى لحظة عن أداء عمله، و متابعة جميع العاملين الذين تحت إمرته.

و إن كان في سنواته الأخيرة قد بدا يتوق لتقاعد مريح، يخلد فيه إلى هدوء و سكينة و راحة بال، فيخلع هذا القناع الحديدي الذي توارى خلفه العمر كله، ليعيش على سجيته ينام متى يشاء و يستيقظ أنى شاء، و يسافر إلى المكان الذي يريد، و يقوم بالعمل الذي يرغب فيه دون ضوابط و ارتباطات تقيده، لكنه لا يحدث بهذه الهواجس إلا نفسه، و يكتمها حتى عن زوجته و أولاده، و يتركها حتى يحين أوانها.

و انقضت السنوات الأخيرة سريعا، و وجد عم سعيد نفسه و قد تسارعت به خطى الأيام إلى سن التقاعد فيريح و يستريح.

يريح العاملين من جده و صرامته و حسابه الدقيق لكل هفوة أو تقصير مهما صغر شأنه، و لا شك أنهم سيتنفسون الصعداء و سيدعون له بالدعاء المعتاد ( الله يسعده و يبعده ) خاصة الكسالى منهم. و يستريح من وعثاء الطريق الطويل الذي كابد شقاءه و همومه عمرا بطوله، فيبدل أيامه راحة بتعب، و رفاهية و انسجاما بدل العبوس و الشدة التي لازمته عمره كله.

و بدأت أيام سعيد الأولى في حياته الجديدة، و هو عازم أن يستغرق في نومه حتى وقت الضحى، ليثأر لنفسه من كل الأيام التي انتزع فيها نفسه انتزاعا من نوم هانئ دافئ خاصة في الصباحات الشتائية، ليبكر في اللحاق بموعد العمل.
جرب ذلك في أيامه الأولى، و تعمد أن يطيل المكوث في فراشه، لكن النوم ما عرف إلى جفونه سبيلا، فإذا كان يستيقظ في أيام دوامه الساعة السادسة صباحا فقد صار يستيقظ في الخامسة، و لا يجد سبيلا للاحتيال على النعاس و لو أجهد نفسه في طلبه.

تبددت أولى المتع التي منى عم سعيد نفسه بها، فصار يداوم على صلاة الفجر مرغما، مواسيا نفسه بالقول القائل:
يُثاب المرء رغم أنفه.

ثم يتبع ذلك بالسير قرابة ساعة مشيا على قدميه في رياضة يومية تقضم بعضا من رتابة يومه، و اعتاد على ذلك حينا من الدهر حتى ملّ ذلك، و وجده أمرا معادا مكررا لا طعم له، و لا يأخذ إلا قسطا يسيرا من نهاره، فما ذا هو صانع بما تبقى من يومه؟

و قارن بين أيامه هذه و أيام عمله السابقة فوجدها أكثر حيوية و مهابة و عنفوانا على مشقتها و طولها و تلونها بلون واحد. و رأى أن يعاود البحث عن عمل في القطاع الخاص في نفس مجال تخصصه: الإشراف على العاملين و تفويجهم و تنظيمهم و متابعة شؤونهم، يشفع له في ذلك خبرة طويلة في هذا المجال، و سجل مشرف في حسن الأداء. و مال إلى هذا الرأي و عزم على المبادرة بالبحث عن عمل يجدد به حياته و يكسر رتابة أيامه.

تنقل عم سعيد أياما بين شركة و أخرى باحثا عن عمل، عارضا سجل خبراته و سيرته الذاتية و شهادات التقدير التي حاز عليها أثناء عمله الطويل، آملا أن تشفع له و أن تزكيه في مجال عمله، فما وجد جوابا سوى:
نتصل بك إن شاء الله عند الحاجة.

العمر يا حاج – الله يعطيك الصحة و العافية – و أنت تجاوزت سن التقاعد.

و غير موظف طيب متعاطف معه هامس في أذنه لدى الباب:

دبِّر لك واسطة يا حاج .

فكر عم سعيد في عمل خيري تطوعي لا أجر من ورائه، فهو إنما يريد أن يتسلى و يمضي سحابات أيامه دون ملل، و عزم على معاودة البحث عن عمل تطوعي دون أجر، و بحث طويلا عنه أكثر من بحثه عن العمل بأجر، فما كان ما سمعه من إجابات سوى أغرب من سابقاتها:

الجمعيات التطوعية يا عم مصائد مغفلين.

و كيف يكون عمل الخير مصائد مغفلين؟

إنها لافتات تحمل أسماء كبيرة و تحتها تتفيأ في الخفاء أسماء كبيرة أيضا، غايتها جمع التبرعات و الأموال من جهات داخلية و خارجية تحت عناوين جذابة متعددة، غيض منها يذهب لمن حملت اللافتات أسماءهم، و فيض يذهب لجيوب الأسماء التي تتفيأ ظلال اللافتة في الخفاء، فهل يناسبك مثل هذا العمل التطوعي يا عم؟

ينصرف عم سعيد إلى بيته و يكف عن البحث عن عمل جديد سواء كان تطوعيا أو بأجر. و لا يجد ما يفعله سوى ما يفعله غيره من سائر المتقاعدين الذين يحسبون أن نصيبهم من الدنيا قد فرغ، و أنهم بانتظارنصيبهم من الآخرة، فيبادرون إلى أداء الصلوات الخمس جماعة في المسجد آملين أن تنفعهم فيما تبقى من دنياهم، و أن تنير لهم سبيل أخراهم.
يواظب عم سعيد على أداء الصلوات الخمس في المسجد القريب بنشاط و حيوية، فتجده سباقا في الوصول إلى المسجد متأخرا في مغادرته مثلما كان دأبه دائما في إتقانه لعمله، حتى أبدل الناس و الجيران تسميتهم له من عم سعيد إلى الشيخ سعيد.

صار الشيخ سعيد كعادته يبادر إلى المسجد قبل سائر المصلين و قبل الإمام و المؤذن، بينما يتهافت المصلون مسرعين قبيل إقامة الصلاة، فيتسابقون على أباريق الوضوء و على دخول الحمامات بصورة تغيظ الشيخ سعيد، فهو يرى في تدافعهم و تسابقهم صورة غير حضارية و لا تليق بمؤمنين.

راقب الشيخ سعيد هذا المنظر المؤذي الذي يتكرر أمامه قبيل كل صلاة، و اجتهد في أن يجد له حلا كما هي عادته أيام عمله، و أخيرا اهتدى للحل الذي سيفض به هذا التدافع و هذا الخصام على الأباريق، و رسم في ذهنه خطة و قرر البدء بها في اليوم التالي.

بعد أن انصرف المصلون من صلاة عشاء ذلك اليوم عمد الشيخ سعيد إلى جمع أباريق الوضوء كلها، حملها في صندوق سيارته و أخذها معه لمنزله، و كان قد أعد ألوانا متعددة، فسهر الليل كله يصبغ الأباريق بألوان شتى: مجموعة باللون الأحمر و مثلها باللون الأخضر و أخرى باللون الأزرق و غيرها باللون الأصفر، و هكذا حتى صبغ الأباريق كلها بألوان متعددة. و مجموعات متساوية، و بادر قبل صلاة الفجر التالي مبكرا إلى المسجد مالئا الأباريق جميعها، منظما إياها صفوفا متساوية حسب لونها، فإذا وصل المصلون نصَّب من نفسه عريفا على تنظيم استعمال الأباريق و وقف مناديا:

فلان الإبريق الأحمر
فلان الإبريق الأخضر
فلان الإبريق الأزرق
فلان الإبريق الأصفر

و هو منتشٍ بهذه المهنة الجديدة التي ابتكرها لنفسه، و المصلون يمتثلون لأوامره فلا يعصي أوامره أحد منهم، و سارت أموره هكذا في سائر الصلوات الخمس، يحضر مبكرا و يملأ الأباريق و يعدها للمتوضئين، و يبدأ بالنداء عليهم محددا لون الإبريق لكل شخص، فقد وجد لنفسه عملا.

أما سائر المصلين و الجيران و أهل الحي الذين كانوا يطلقون عليه لقب الشيخ سعيد، فقد صاروا يخصونه بهذا اللقب ساعة قدومه و استقباله، أما ساعة انصرافه و مغادرته فقد اعتاد الناس على تسميته شيخ الأباريق، فما تسمعهم إلا قائلين:
جاء شيخ الأباريق.
ذهب شيخ الأباريق.