حكايات أبي (٢)

، بقلم سعيد مقدم

(الطنطل)

اليوم زرت والديّ صباحًا،

ألقيت عليهما تحية الصباح:

صباح الخير والسعادة.

أجابا: صبحكم الله بالخير والكرامة،

سأل أبي: كيف ماجد؟

تبسمت وقلت: لماذا لم تسأل على أخيه أوأخته؟!

نظر نحوي ثم أجاب: لأنه الأصغر!

لست جنبهما.

كانت أمي تصب له الشاي الذي لا يشربه إلا أن يكون مغليًا على الجمر.

نهضتْ من مكانها وأحضرت لي التفاح والبرتقال، شكرتها كثيرًا وطلبت منها أن لا تنهض من مكانها بسببي.
تبسمت وقالت: ألست ابني العزيز؟

شكرتها ثانية وقشرت البرتقال وقسمت التفاح لنأكل معًا.

وشرع أبي يحكي لي عن الماضي فقال:

في تلك السنة، رجع (رزيج) بغنمه التي ترعى في الصحراء، بعد منتصف الليل.
سألته: وكيف كنتم تعرفون أن الليل قد انتصف؟

قال: من صياح الديكة، ومن النجوم.

وبدأ يشرح لي عن النجوم : توقيت الثريا، متى تظهر ومتى تغيب! توقيت الميزان... وكأنه متخصص في علم النجوم!

ثم تابع حكايته: عندما رجع (رزيج) وكانت (الدنيا قمرى) أي كان القمر يشع بأنواره على الأرض وكأنه مصباح كبير يضيء الصحراء بأكملها، وجد قطاة منتفة على الطريق، فظن أنها سقطت من الصيادين، فمسكها وحملها معه.
خطى خطوتين أو ثلاثة، وإذا به يسمع صوتًا من خلفه ينادي بشجن:

أين أنت يا بني؟ إلى أين ذاهب؟

أجابت القطاة المنتفه التي يحملها رزيج: أنا ذاهب مع عمي!

فأخرجها رزيج من (دشداشته) ورماها بكل قواه بلعن وسب: اللعنة عليك وعلى عمك.
ثم تابع طريقه دون أن يخاف!

سألته معترضًا: لم يخف؟ تعرض له (طنطل) وهو في الصحراء وحيدًا والدنيا مظلمة ... ولم يخف؟
أجابني أبي: الخوف نقيصة يا بني.

ثم ليست المرة الأولى التي يظهر فيها (طنطل) في الصحراء! سبق وظهر لرجال آخرين!
لم أقل لأبي أن هذه أساطير؛ ولم يوجد (طنطل).

أقنعت نفسي بربما الطنطل هو نوع من الجن.

ولكني سألته: هل رأيت الطنطل في حياتك آنذاك؟

أجاب: لم أره بعيني، لكني سمعت عنه الكثير.

قلت: ولماذا لا يوجد الآن؟!

قال: لأن الأرض وُطئت بكثرة الناس والسيارات، فربما هاجرت الطناطل إلى أراض أخرى....ربما؟ ...أليس كذلك؟


رزيج: اسم شعبي مصغر من رزق

الطنطل: كائن من الأشباح، نسمع عنه في الحكايات القديمة.