رجال الظل....

، بقلم عبد الجبار الحمدي

ها..ها..ها..ها ... هكذا قهقه، بعد أن فتح فمه بشكل بان لسان الموت معدوما يهتز مدلدلا، حيث وقفت أضراس وأسنان متشحة بلباسها الأسود، ممرغة بدخان السجائر على بوابة فمه خوفا من هروب أنفاس أخيرة، أما اللسان فبان أزرقا تعبا من شدة لغط في مواضيع مملة، يطلق الريح ويضُحك البعض حين يريد أن يستجدي من الناس قوته، مازجا كسر نفسه المرغمة على إضحاك الآخرين من اجل بضعة أفلاس، لم يكن لديه أحد سوى نفسه، تلك التي واكبته بعد رحيل عائلته إلى عالم آخر، كان ذلك بالنسبة لديه ماضي بعيد، حين كانت أتون الحرب مشتعلة، ووقف هو يدافع عن تربة وطن، كان مؤمنا بأنه يدافع عن ناموس وزوجة حبيبة، أو أطفال، الى جانب من يحب من الناس، لكن بعد ان فقد عائلته أسلم نفسه لملك الجنون، يلتفه مع فاقدي العقل بإرادتهم، ليطوفوا سياحا في ملكوت ملون، هكذا تراتبت أيامه كسطح اسطوانة مشروخة، تعمل على رتم واحد، حتى مل الناس حركاته ومزاحه، عكف ذات ليلة على قارعة طريق جمعا لأفكار تناثرت بين أوجاع ذكرى، ونسيان مصطنع، بين ختله ظلمة وإضاءة عمود بنور، سبح خياله في جو فضاء ليل، تجسد له على حائط متثائبا بقوة، كسر عن فكيه أقفال كسل مزمن، رفع رأسه نحو ظل خيال، أحس أن هذا الظل ليس غريبا عنه، بل هو يتذكره ... نعم أنه هو كما في ذلك اليوم، حين كان طويل القامة معتزا بإنسانيته ومبادئه، لم يكن يكترث لنوائب تبحث عن حفر مهجورة لتزج بمن تراه بلا أمل أو طموح، حتى جاء اليوم الذي رمت به، بعد أن سرقت منه كل من يحب، حرك يده يتلمس الظل، شعر بقشعريرة تسري في بدنه، لقد تاقت نفسه إلى ظله القديم، جاراً معها حسرة أولدت قطرات دموع غصبت نفسها على السقوط بعد أن جفت منابعها، فجأة !! قال ماذا تريد يا أنا؟؟

ألم أعهد إليك ان تأخذ كل فرحي وتألق أيامي لتحيا بعيدا؟! حتى أعيش أنا بلا ظل، لقد كنت لي صدى نفسي عقلي الباطن، وقد تخليت عنك بعد أن تلبست الجنون وهماً لعيش في حياة بائسة، أتراك أيضا مللت الحياة بلا صنو لك؟! هل تراني الآن وبعد تلك السنين أهلا لأن أكون حقيقة ظلك؟ لا.. لا أظن!! قال له: كف عني، لست ممن يحبون أن يكونوا تابعين لظل، فقد اكتفيت شربا لقيح من كانوا بلا أجساد حقيقية، وراموا الآن يكتسون أجساد منمقة بظلال تعكس للناظرين بناديل تنويم مغناطيسي، فما عادوا يميزون الحقيقة من الخيال، لقد ألتفت الدوائر الصغيرة بداخل بعضها البعض، حتى التهمت الرؤيا الحقيقة، أصبح الناس يعيشون على واقع هش، ما أن تتلمسه حتى ينكسر، أما الآن وبالنسبة لي فلا زالت الصور مشوشة، والكُلِ يسير وظله أمامه لا من خلفه، فدوما يريدون ان يسبقهم ظلهم حتى يثبتوا لأنفسهم إنهم بلا ذات حقيقية، تراجعت إنسانيتهم بين مصطلح أكون أو لا أكون، عمدوا إلى الرمي بظلهم أولا، فما أن يشعروا بمأمن حتى يدخلوا لجمع بقايا متناثرات الآخرين، رِباً في بطن لم تشبع من المآسي، كأنها تريد الانتقام من الجميع، هكذا أرى الظلال الجديد، وجوه متغيرة بانعكاسات ضوء، تسلك المعابر التي تخفي وراءها أثارا متناثرة، لا ينفك أن يتيه من يحاول اللحاق بأثرها، أو يضيع بسقوط في شروخ حوائط أو دهاليز معتمة، ثم تتصاعد من أفواه ظلالهم عبارات أسطورية مَجَدَ التاريخ قائليها، فأمست اليوم والواقع كعصا موسى تعبان يتلوى، بعدها ضربوا للناس بحرا من وعود خيال، فَتَقوا بها آمال الآخرين، الذين توسدوا محطة القطار انتظارا لصفارة جديدة، لكن... بعد أن ركبوا، دقت صافرته بصوت مهتز متردي، غرقوا في متاهات التسويف، لم يحدث أي تغيير، بل كان الصوت قد أصم الكثير، خرق طبول آذان من سمعه ومن ركب آملا في واقع حي، صُدم الإنسان بواقع فقد المصداقية، عَمِلت الظلال على نشر الفساد قرابين ووهم، لتحزبات صارت ترتدي الضلال ظلاً بقامات طويلة، لا .. لا يمكنني أن اتبعك، بعد أن تَلَوَثت، فقط دعني أعيش بلا ظل، بعيدا عن أشباح النهار، هيا إليك عني...

كان الظل حينها ينصت وهو يرى جسدا لملم في جعبته خيبة من حياة، لم يعد قادرا على الانخراط في مساحات فضاء مختلفة، فقال .. لقد عشت حياتك كلها منتقما من نفسك، ما عادت الآمال والطموحات توزع من أكشاك المساعدات الإنسانية، بل يجب أن تؤخذ بالقوة، وما أنت وأنا إلا نواة في دائرة فقدت السيطرة على مركزها، فباتت تتخبط بشكل عشوائي، بحثا عن نقطة ارتكاز جديدة، ولا أظن أن انخراطك مع فاقدي الظل سيغير من الأمر شيئا، أن العصر يا سيدي هو لرجال الظل الذين تسهر أجسادهم بعيدا عن ظلالها، حتى لا يكونوا في مواقع اتهام، إن الحياة قد علمتهم أن الظلال هي المكان الوحيد الذي لا يمكن أن تطاله يد العدالة البشرية، وإلا هل سمعت يوما أحدا قد حاكم ظلا؟؟ بالطبع لا ... هذه هي ضريبة العصر الجديد، إما أن تشتري ظلا جديدا لتتقنع به، أو تعيش دون قناع فيكون مصيرك قارعة الطريق، ثم اني أرى عودتي لك دون طائل، فأنا أراك اخترت أن تموت بدوني، وهذا شأنك، لكن أعلم إن حياتي في عالم الظلال هي أسوأ من حياتك، وان لم تعيدني اليوم، سيأتي من يعمل على شرائي ليلبسني قناعا في زمن الأقنعة المظللة، وجريرتي ستكون في رقبتك أنت لأنك تنكرت لي، رميتني في وضح النهار لأتلقى تقريع وشتم الآخرين، الذين تجسدت أرواحهم بجنسيات مختلفة، عاشوا بيننا مجرد رجالات ظل في زمن ظلال الوهم الجديد، تحت شجرة الثمار، تلك التي اسقطوا كل ثمارها وقاموا باحتوائها عبر قوانين فصلت قياسا لسنين مختلفة، هيا عد إلى قارعتك تلك وأطلق الريح لمن تشاء، فما أرى فيك إلا جسدا يبحث عن ثقوب ضيقة ليدخل أحلامه فيها، ثم يبحث عن الألم ليبكي واقعا صنعه بيده، لأنه رفض أن يكون رجلا حقيقيا بلا ظل حي، وأرى أيضا أنك تعيب الأقدار والتسميات على ما آلت إليه نفسك، وهذا ما لا أحبه في الرجل الذي أريد أن أكون ظلا له، أعلم أنك بحياتك هذه تقتل نبض الأمل والرسالة التي تعمل أنت ومن هم على أمثالك الذين أخذوا برمي ظلالهم الحقيقية، لمجرد أنهم ضحوا بمن يحبوا، ونسوا أن تربة الأرض، إنها تقتل يوميا وينتهك عرضها، لا تجد من يهمس دفاعا عن حقوقها، هيا عد إلى خانات الظلام ودعني ابحث عن جسد حي يريد التغيير، يحمل قبل ذلك ضميرا لأتشرف بأن أكون تابعا له لا تابعا لي، سحب رجليه بخطوات متثاقلة بعد أن دوت كلمات الظل في نفسه، هزت كيانا خمد سنين طوال، انتفض وصرخ إلى جوف السماء، لا لا لا ... لن أدعك تحيا التغيير وحدك، عد إلي .. سأكون سيدك وستتبعني... سأحدث الفرق، لا بد ستنتصر إرادة الضعفاء ما دام هناك مطالب، هي أقتفي أثري وسر خلفي لأحياك وتحياني من جديد مع زمن التغيير .